صادق سيريني
كاتب كوردي
من قُرطُبة إلى أربيل... مانيفست حضاري وهندسي في مواجهة الفوضىٰ الفكرية وقصر النظر الاقتصادي
التّحوّلات الكُبرىُ لا تُقاس بمنطِق اللحظة
كلما أُعلن عن مشروع وطني كبير أو صَرح حضاري ذي أبعاد استراتيجية، ارتفعت أصوات في الفضاء العام ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي تردّد شعارات مأثورة تُنتزع من سياقها التاريخي والفكري، ولعلّ أشهرها المقولة المتداولة: "لقمةٌ في بَطن جائِع خيرٌ من بِناء ألْفِ جامِع".
وغالبًا ما تُستدعىٰ هذه العبارة بوصفها حجة قاطعة لرفض المشاريع العمرانية والثقافية، وكأن التنمية خيار أحادي يفرض المفاضلة بين إطعام الإنسان وبناء الحضارة، بينما تؤكد تجارب الأمم أن النهضة الحقيقية لا تقوم على هذا التقابل المصطنع، بل على الجمع بين إعمار الإنسان وإعمار المكان.
الفوضىٰ الفكرية حين ترتدي ثوب التعاطف
لا ريب أنّ الحرص على معيشة الناس قيمة إنسانية أصيلة تستحق الاحترام، غير أن تحويل هذا الحرص إلى أداة لتعطيل المشاريع الاستراتيجية، أو إلى خطاب يُناهض كل مشروع حضاري، يمثل اختزالًا مُخلًّا لمعنىٰ التنمية الشاملة.
وفي كثير من الأحيان، يتحول هذا الخطاب إلى وسيلة لإثارة الشكوك، وإرباك الرأي العام، وإضعاف الثقة بالمشروعات الوطنية، لا انطلاقًا من رؤية اقتصادية رصينة، بل نتيجة قراءة آنية تغفل طبيعة البناء الحضاري وتاريخ ازدهار الأمم.
إن الدولة لا تُدار بمنطق الحاجة اليومية وحدها، كما لا تُبنىٰ السياسات العامة على حسابات اللحظة العابرة، وإنما تُرسم وفق رؤية تستوعب الحاضر والمستقبل معًا، وتوازن بين متطلبات العيش الفوري واستحقاقات التنمية المستدامة.
الدّولة تَبني للمستقبل لا لليوم فقط
ليست مهمة الدولة أن تكتفي بإدارة الأزمات أو توفير الاحتياجات الآنية، بل أن تضع اللبنات التي تضمن ازدهار الأجيال المقبلة.
فالمشاريع الحضارية الكبرى ليست منشآت جامدة، وإنما منظومات اقتصادية واجتماعية متكاملة. فمنذ اللحظة الأولى لإنشائها، تفتح أبواب العمل أمام آلاف المهندسين والفنيين والعمال، وتنشط الشركات المحلية، وتحرك قطاعات البناء والخدمات والنقل والتجارة، وتخلق دورة اقتصادية تتجاوز حدود المشروع نفسه.
وحين يكتمل هذا الصرح، تبدأ مرحلة جديدة من العطاء؛ إذ يتحول إلى معلم حضاري يستقطب الزوار والباحثين والسياح، ويعزز الحركة الاقتصادية، ويرفع القيمة الاستثمارية للمدينة، ويوسع فُرص العمل بصورة مُستدامة.
وهكذا فإن الفئات محدودة الدخل، التي يُستشهد بمعاناتها لتبرير رفض هذه المشاريع، قد تكون من أكثر الفئات استفادة من آثارها الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة.
من قُرطُبة إلى إسطنبول... هكذا تُصنع ذاكرة الأمم
لو أن الأمم السابقة استسلمت لمنطق الاكتفاء بتلبية الحاجات اليومية، لما ورثت الإنسانية أعظم منجزاتها المعمارية والحضارية.
لقد شُيِّدت جوامع ومدارس وقصور ومدن خالدة في ظروف اقتصادية لم تكن يسيرة، ومع ذلك أصبحت بعد قرون منارات للعلم، ورموزًا للهُويّة، ومراكز للحياة الاقتصادية والثقافية.
إن جامع قرطبة، والجامع الأموي، وروائع إسطنبول، لم تكن مجرّد أماكن للعبادة، بل كانت جامعات، ومراكز إشعاع فكري، وحواضن للعلوم، ومحركات للنشاط التجاري والاجتماعي، حتى غدت اليوم جزءًا من الذاكرة الإنسانية المشتركة.
ولو انتصر آنذاك منطق "إطعام الجائع أولًا" بوصفه البديل الوحيد لكل مشروع حضاري، لما بقي من تلك الشواهد شيء يُخلِّد إبداع الإنسان ويشهد على ازدهار حضارته.
جامع البارزاني الكبير... أكثر من مسجد
إنّ مشروع جامع البارزاني الكبير لا ينبغي النّظر إليه باعتباره مساحة مخصصة للصلاة فحسب، بل بوصفه مجمعًا حضاريًا متعدد الوظائف، يجمع بين الرسالة الدينية والثقافية والعلمية والاجتماعية والخيرية.
فمثل هذه المشاريع تمتلك القدرة على احتضان البرامج التعليمية، والأنشطة الثقافية، والأعمال التطوعية، ومبادرات التكافل الاجتماعي، بما يجعلها مؤسسات فاعلة في خدمة المجتمع، لا أبنية صامتة من الحجر.
القرآن يجمع بين العبادة والعدالة الاجتماعية
لم يفصل القرءان الكريم بين صلاح الروح وإصلاح المجتمع، بل جعل الإيمان الحق مقترنًا برعاية الضعفاء وصون كرامة الإنسان.
ويأتي قوله تعالى في سورة الماعون شاهدًا بليغًا على هذا الترابط:
﴿أرأيتَ الَّذي يُكَذِّبُ بالدِين فذلِك الَّذي يَدُعُّ اليَتيم ولا يَحُضُّ علىٰ طَعامِ المِسْكين﴾.
فالعبادة في التّصور الدّينيّ ليست انفصالًا عن المجتمع، وإنما هي قوة أخلاقية تدفع إلى العدل والرحمة والتكافل، وتجعل إغاثة المحتاج واجبًا دينيًا وأخلاقيًا، لا تَفضُّلًا ولا مِنّة.
فالخبز يحفظ الجسد، أما الإيمان فيصنع الضمير الذي يمنع الظلم، ويؤسس لعدالة تدوم.
إعمار الإنسان وإعمار الأرض... مشروع واحد
إن بناء الإنسان وبناء العمران ليسا طريقين متعارضين، بل جناحان لمشروع حضاري واحد.
فالدول الناجحة هي التي توفّق بين التنمية الاقتصادية، والنهضة الثقافية، والرعاية الاجتماعية، وحماية الهوية الوطنية، دون أن تُقصي جانبًا لحساب آخر.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار المشاريع الخدمية، إلى جانب إقامة الصروح الحضارية الكبرى، يعكس فهمًا متوازنًا لمفهوم الدولة الحديثة، التي لا تكتفي بتلبية حاجات الحاضر، بل تؤسس لمكانتها في المستقبل.
ومن المنتظر أن يتحول هذا الصرح، مع مرور الزمن، إلى مركز ديني وثقافي وسياحي وعلمي يضيف إلى مدينة أربيل بعدًا جديدًا، ويعزز حضورها الحضاري والإقليمي، ويولد آثارًا اقتصادية تمتد إلى مختلف شرائح المجتمع.
الشواهق لا تُبنى على حساب الجياع... بل من أجل مستقبلهم
إن السؤال الحقيقي ليس: هل نبني أم نطعم؟
بل: كيف نبني ونطعم في آنٍ واحد؟
فالمشاريع الاستراتيجية ليست تبديدًا للثروات، وإنما استثمار طويل الأمد في الاقتصاد والمعرفة والهُويّة، وهي من أهم أدوات مكافحة البطالة والفقر عبر خلق فُرَص العمل وتنشيط التنمية.
إنّ المجتمع الرشيد هو الذي يُشيِّد المنارات لترتقي العقول، ويصون كرامة الإنسان بإغاثة المحتاج، فلا يجعل من العمران خصمًا للعدالة الاجتماعية، ولا من الرحمة عدوًا للتنمية.
وحين تجتمع قوة الإيمان مع حسن الإدارة، ويقترن البناء المادي بالبناء الأخلاقي، تتأسس نهضةٌ متوازنة، تحفظ كرامة الإنسان، وترسخ سيادة الوطن، وتبني مستقبلًا يليق بالأجيال القادمة.
فالشواهق الحضارية لا تُولد على بطون الجياع، وإنما تُشيَّد في وطنٍ يملك من الحكمة ما يجعله يُطعم الجائع، ويبني المنارة، ويصنع المستقبل في آنٍ واحد.