د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
الدور التاريخي والمسؤولية والرؤية الاستراتيجية للرئيس مسعود بارزاني
يمثل التحول الاستراتيجي الراهن في الحراك السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني نحو العاصمة الاتحادية بغداد، بعد تسنم السيد هوشيار زيباري، عضو المكتب السياسي، مسؤولية مركز القيادة للإشراف على مجمل الملفات والقضايا السياسية والحكومية للحزب هناك، محطة مفصلية تتجاوز سياقات إدارة الأزمات العابرة إلى مرحلة تحمل المسؤولية التاريخية في صياغة مستقبل الدولة العراقية.
ومن منظور علم السياسة، فإن الانتقال من نموذج التواصل الدبلوماسي المؤقت إلى مأسسة الوجود الدائم عبر مركز قيادة رفيع المستوى يعكس نضجاً عميقاً في "العقيدة السياسية" للحزب، إذ يترجم هذا الحراك فرضيات "الواقعية السياسية النيوكلاسيكية" التي ترى في استجابة النخب الحاكمة للمتغيرات البنيوية والمخاطر الخارجية ضرورة حتمية لإعادة تموضع القوة وتأمين المصالح الحيوية.
إنه إدراك استراتيجي بأن حماية الكيان الدستوري لإقليم كوردستان وضمان استقراره التنموي لا يمكن تحقيقهما بمعزل عن صياغة القرارات السيادية في مركز الدولة الاتحادية، وهو ما يفسره "المنظور المؤسساتي الجديد " (New Institutionalism) كخطوة للانتقال من التفاعلات غير الرسمية والموسمية إلى قنوات هيكلية مستدامة تمنح الحزب ميزتي التنبؤ السياسي والقدرة على هندسة قواعد اللعبة من الداخل، مرسخاً مكانته كقوة وازنة وشريك بنيوي لا يمكن تجاوزه في معادلة الحكم، تتبنى رؤية واقعية تقر بأن بغداد هي العمق الاستراتيجي للإقليم، وأن تعافي العاصمة هو الضمانة الحقيقية لاستدامة التجربة الفيدرالية.
وهنا تبرز الأهمية النظرية والعملية لـلقيادة الحكيمة التي يجسدها الرئيس مسعود بارزاني كمرجعية سياسية وتاريخية صلبة في توجيه هذا التحول الهيكلي، حيث يتطلب هذا النمط من الانعطافات التاريخية نخباً قيادية تمتلك إرثاً دبلوماسياً تراكمياً وقبولاً وطنياً عابراً للمكونات لفك الاشتباك في الملفات المعقدة. إن إسناد هذه المهمة لشخصية بحجم السيد زيباري يمثل تطبيقاً لنظرية الاختيار العقلاني (Rational Choice Theory) في إدارة النزاعات وإعادة بناء الثقة، فالقيادة هنا لا تقتصر على تمثيل الحزب، بل تعمل كـ "مُهندس واجهات سياسية" قادر على تقريب وجهات النظر وتفكيك العقد البنيوية بين أربيل وبغداد، وصياغة "مساومة تاريخية الكفاءة" تضمن حقوق الإقليم وتدعم في الوقت نفسه تماسك الدولة الاتحادية.
وتتجلى القوة الهيكلية للحزب في قدرته على صياغة خطاب سياسي يتسم بالشجاعة والنقد الذاتي، حيث يغادر خطاب الانكفاء الإقليمي ليطرح مفهوم "المسؤولية المشتركة" عن الأزمات التي واجهتها البلاد.
هذا الموقف يمكن قراءته في ضوء نظرية الشرعية السياسية لـ"ماكس فيبر"، حيث يتحول الخطاب الحزبي من الدفاع عن المكتسبات الفرعية إلى تبني هموم الكيان العام، مما يمنحه شرعية وطنية متجددة تؤهله ليكون رافعة أساسية لجهود بناء الدولة وتدعيم ركائز الاستقرار وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
فلا يمكن لنموذج الحوكمة الفيدرالية أن يكتب له النجاح دون تحقيق المعيار الفيبري الأهم للدولة وهو "احتكار الاستخدام الشرعي للعنف"، وتحييد الفاعلين المسلحين من غير دولتيين (Non-State Actors)، وصون علاقات العراق الخارجية من التموجات الإقليمية. وامتداداً لهذا الدور التاريخي، يتقاطع الحزب بشكل حيوي مع قضايا الإصلاح المالي والامتثال الدولي ومكافحة الفساد، مستنداً إلى فرضيات الاقتصاد السياسي الدولي التي تؤكد أن سيادة الدول المعاصرة وازدهارها مرتبطان بمدى اندماجها في المنظومة المالية العالمية واستجابتها لمعايير الشفافية الدولية.
وفي الختام، يتضح أن هذه الانعطافة الشجاعة والمدروسة تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الحقيقية القادرة على نقل الدولة من نمط إدارة الأزمات المتراكمة إلى أفق الاستقرار المستدام، حيث تغدو مأسسة وجود الحزب في بغداد، الموجهة بالرؤية الحكيمة للرئيس مسعود بارزاني وثقل فريقه القيادي، صمام الأمان الحقيقي لإعادة هندسة التوازن السياسي والمالي والأمني، وقيادة قاطرة الإصلاح الهيكلي الشامل في العراق.