د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
إقليم كوردستان ودبلوماسية التوازن: رؤية لحماية الكيان الدستوري
تأخذ الصراعات الجيوسياسية المحتدمة في الشرق الأوسط أبعاداً بالغة الحساسية عندما نقاربها من منظور الأمن القومي الكوردستاني، فكمراقبين وباحثين كورد، تعلمنا من دروس التاريخ القاسية أن كوردستان كانت غالباً ضحية لـ "تفاهمات الكبار" أو ساحة لتصفية حساباتهم العسكرية.
وليست المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران في مضيق هرمز ومسارات الدبلوماسية القسرية التابعة لها سوى حلقة جديدة من صراع العمالقة، إلا أنها تحمل هذه المرة في طياتها فرصاً إستراتيجية وتحديات وجودية تفرض علينا ككورد كسر نمط "الضحية المحايدة" والانتقال إلى مربع الفاعل الجيوسياسي الذكي الذي يحمي كيانه الدستوري ويصوغ مستقبله بيديه وسط عاصفة إعادة تشكيل المنطقة.
من منطلق وطني كوردستاني، فإن التهديد المستمر لأمن الملاحة في مضيق هرمز يعيد تسعير معادلة الطاقة الدولية، وهنا تحديداً تبرز الأهمية الجيواقتصادية لإقليم كوردستان كطوق نجاة إستراتيجي وأنبوب بري بديل لنقل الطاقة نحو الأسواق العالمية، إن اهتزاز الثقة في الممرات المائية الحيوية يجبر المجتمع الدولي والقوى الغربية على البحث عن عمق بري آمن ومستقر، وهو ما يجب أن نستثمره لتقديم إقليمنا كشريك موثوق لا غنى عنه لأمن الطاقة الأوروبي والعالمي عبر تطوير وتأمين خطوط الإمداد الممتدة نحو تركيا.
هذا التحول لا يمنح كوردستان ثقلاً اقتصادياً فحسب، بل يرفع من قيمتها السياسية والأمنية لدى العواصم الكبرى، ليتحول استقرار الإقليم وازدهاره إلى مصلحة دولية عليا ومباشرة تتجاوز حدود الدعم الإنساني أو العاطفي التقليدي.
تتطلب حماية هذا المكتسب الوطني ممارسة "دبلوماسية توازن" شجاعة وواقعية، فمن ناحية، تجمعنا بالولايات المتحدة والتحالف الدولي شراكة إستراتيجية وتاريخية عمدت بالدم في معارك مكافحة الإرهاب، ونحن بحاجة اليوم إلى تطوير هذه الشراكة لانتزاع ضمانات أمنية ومظلة دفاعية جوية متطورة تحمي سماءنا وأرضنا.
ومن ناحية أخرى، تفرض علينا الجغرافيا والواقعية السياسية صياغة علاقات حكيمة ومستقرة مع جارتنا إيران تقوم على احترام السيادة والمصالح الاقتصادية المتبادلة، ورفض تحويل أرضنا إلى منطلق لأي عمل عسكري ضدها، شريطة وقف استهداف الإقليم وترهيبه سياسياً وعسكرياً.
إن نجاح أربيل في الحفاظ على هذا الخيط الدبلوماسي الرفيع يحمي كوردستان من أن تكون صندوق بريد للرسائل الصاروخية المتفجرة، ويؤهلها للعب دور "المنطقة العازلة" ووسيط التهدئة المقبول من الطرفين.
ومع ذلك، فإن الفاعلية الخارجية لن تتحقق دون تحصين الجبهة الداخلية الكوردستانية، وهي المسألة الأكثر إلحاحاً من منظور الباحث الوطني، فالصمود أمام ارتدادات الصراع الأمريكي الإيراني يتطلب تسريع خطوات التحديث الهيكلي والمؤسساتي داخل الإقليم.
يأتي في مقدمة ذلك المضي قدماً وبإرادة حقيقية في توحيد ومأسسة قوات البيشمركة تحت مظلة وطنية مهنية واحدة قادرة على مجابهة التهديدات غير المتناظرة وحماية منشآتنا الحيوية، بالتوازي مع تجميد الخلافات الحزبية الضيقة لصياغة موقف سياسي موحد في المفاوضات مع الحكومة الاتحادية في بغداد، فالذهاب إلى بغداد بصف وطني مرصوص هو السبيل الوحيد لتثبيت مستحقاتنا الدستورية، وحماية حصتنا من الموازنة، وضمان السيطرة القانونية على ثرواتنا من النفط والغاز بعيداً عن محاولات التطويق والتحجيم السيادي.
إن السيناريوهات المستقبلية لعام 2026 وما بعده تضع مستقبل كوردستان على مفترق طرق، فسيناريو "التسوية القسرية والتهدئة" سيتيح للإقليم التقاط الأنفاس وجذب الاستثمارات العالمية الضخمة للبنية التحتية، مستفيداً من حاجة العالم لبدائل طاقة مستقرة.
أما سيناريو "الانفجار الشامل والصراع المفتوح" فسيضعنا أمام تحدي الحفاظ على الكيان، مما يفرض جاهزية أمنية قصوى وتنسيقاً عالي المستوى مع الحلفاء لمنع أي خرق لسيادتنا. وفي كلتا الحالتين، أثبتت التطورات أن كوردستان غدت رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.
في الختام، كمثقفين وباحثين كورد، ندرك أن النظام الأمني الذي سينبثق عن أزمة مضيق هرمز سيعيد رسم خريطة الشرق الأوسط لعقود قادمة، وإن مصلحة كوردستان العليا تكمن في الجرأة الإستراتيجية والمبادرة بدلاً من الانتظار السلبي.
قد تسكت الصواریخ و الطائرات المسیرة باتفاقيات وقف إطلاق نار هشة بين واشنطن وطهران، لكن الأثر الجيوسياسي المستدام سيكتبه من أحسن استثمار أوراق قوته.
ومستقبلنا ككيان دستوري واعد يتوقف على مدى الاسترشاد بالرؤية الإستراتيجية والسياسة الحكيمة للرئيس مسعود بارزاني، الذي طالما شكل صمام أمان لحماية المكتسبات القومية وإدارة الأزمات الإقليمية الكبرى بحنكة وتوازن.
إن نجاح قادتنا اليوم في ترجمة هذا النهج التاريخي يتمثل في تحويل كوردستان إلى شريان اقتصادي عالمي ومحور ارتكاز دبلوماسي، بما يضمن صون كياننا الدستوري، ويحقق تطلعات شعبنا الأبي في العيش بأمن، وكرامة، وازدهار مستدام فوق أرضنا التاريخية.