لا تربح لعبة أعدائك

لا تربح لعبة أعدائك
لا تربح لعبة أعدائك

في السياسة كما في الحياة، ليس كل انتصار انتصاراً، وليس كل هزيمة هزيمة. فقد يهزم الإنسان خصمه في معركةٍ ما، لكنه يخسر نفسه وقيمه في الطريق. وقد يخسر جولةً عابرة، لكنه يحافظ على مبادئه وكرامته، فيكون هو المنتصر الحقيقي في نهاية المطاف.

إن من أخطر ما يمكن أن يحدث للأفراد والأحزاب والشعوب أن يسمحوا لخصومهم بتحديد قواعد اللعبة. فعندما نواجه الكذب بالكذب، والتحريض بالتحريض، والتخوين بالتخوين، والكراهية بالكراهية، فإننا لا نهزم خصومنا، بل نمنحهم أعظم انتصار يمكن أن يحلموا به: أن نصبح مثلهم.

وهذا ما نراه اليوم في كثير من ساحات الجدل السياسي والإعلامي، حيث تتسابق بعض الأطراف إلى صناعة الأزمات بدلاً من حلها، وإلى تعميق الانقسامات بدلاً من ردمها، وإلى إثارة المخاوف بين أبناء الوطن الواحد بدلاً من ترسيخ الثقة بينهم. وفي خضم هذا الضجيج، يضيع صوت العقل، وتتراجع لغة الحوار، ويصبح الوطن هو الخاسر الأكبر.

إن كوردستان والعراق يمران بمرحلة حساسة تحتاج إلى رجال دولة أكثر من حاجتها إلى صناع صراعات. تحتاج إلى من يبني الجسور لا المتاريس، وإلى من يجمع الناس حول المشتركات لا من يقتات على الخلافات. فالأوطان لا تُدار بالغضب، ولا تُبنى بالانتقام، ولا تُحمى بإلغاء الآخر أو التشكيك في وطنيته أو التحريض عليه.

لقد قدّم الرب يسوع المسيح له المجد أسمى نموذج للقوة الأخلاقية حين واجه الظلم دون أن يتحول إلى ظالم، وواجه الكراهية دون أن ينشر الكراهية، وواجه الشر دون أن يتبنى وسائله. لذلك جاءت الوصية الخالدة: «لا يغلبنك الشر، بل اغلب الشر بالخير». إنها دعوة إلى قوة الضمير لا إلى ضعف الإرادة، وإلى الانتصار على الذات قبل الانتصار على الآخرين.

وفي مدرسة الإمام علي بن أبي طالب نجد المعنى ذاته عندما قال: «لا يكن أفضل ما نلت من دنياك بلوغ لذة أو شفاء غيظ، ولكن إطفاء باطل أو إحياء حق». فجوهر القيادة ليس في إشباع الأحقاد، بل في إحقاق الحق وصيانة كرامة الإنسان. كما أن رسالته العميقة ما زالت صالحة لكل زمان حين حذر من أن يتحول الصراع إلى غاية بحد ذاته، لأن الأمم التي تجعل من الخصومة مشروعاً دائماً تفقد قدرتها على بناء المستقبل.

إن قوة كوردستان لم تكن يوماً في غلبة مكون على آخر، بل في قدرتها على أن تكون وطناً للجميع. وقوة العراق لا تكمن في انتصار فئة على أخرى، بل في نجاح جميع أبنائه في العيش المشترك تحت سقف العدالة والقانون. وقد أثبتت التجارب المريرة في منطقتنا أن خطاب الكراهية قد يمنح أصحابه تصفيقاً مؤقتاً، لكنه يترك جروحاً عميقة تدفع الأجيال ثمنها لعقود طويلة.

ولهذا فإن معيار النجاح الحقيقي ليس عدد الخصوم الذين نهزمهم، بل عدد المواطنين الذين نمنحهم أملاً بالمستقبل. وليس السؤال: كم شخصاً أسكتنا؟ بل كم إنساناً طمأنّاه؟ وكم جسراً بنيناه؟ وكم حقاً أنصفناه؟

فقد تربح معركة بالصراخ، أو تحقق مكسباً بالتشهير، أو تحصد شعبية مؤقتة بإثارة المخاوف. لكنك تكون قد ربحت لعبة أعدائك لا أكثر. أما الانتصار الحقيقي فهو أن تبقى وفياً للحقيقة وسط الضجيج، وللعدالة وسط الاستقطاب، وللوطن وسط الانقسامات فهذا ما علَّمنا إياه الجنرال الملا مصطفى، البارزاني الخالد، حين قال : "الدروب الصعبة هي التي تصنع الرجال". 

وعندما ننتصر للحق دون أن نفقد أخلاقنا، ونواجه الباطل دون أن نصبح جزءاً منه، عندها فقط نكون قد انتصرنا حقاً.