تجسيدُ الهُويّة الكورديّة.. كيف تتحوّل خَيمة الثّورة إلى فَضاءٍ ثقافي للدولة؟

تجسيدُ الهُويّة الكورديّة.. كيف تتحوّل خَيمة الثّورة إلى فَضاءٍ ثقافي للدولة؟
تجسيدُ الهُويّة الكورديّة.. كيف تتحوّل خَيمة الثّورة إلى فَضاءٍ ثقافي للدولة؟

عندما تُعلِن الدول عن مشاريع وطنية كُبرىٰ تتجاوز بُعدها العمراني إلى أبعادِها الرّمزية والثّقافية، يَطفو على سطح الفضاء العام عادةً خطابٌ انفعالي يتغذّى على السُّخرية أو التشكيك أو الاتهام، قبل أن تتّضِح الرؤية الكامِلة للمشروع وأهدافِه الحَضارية. وقد شهِدنا في الآونة الأخيرة، نماذج من هذا الخطاب عقِب الإعلان عن مشروع "جامع بارزاني الكبير"، حيث انحصرت بعض التعليقات في تساؤلات من قبيل: "ما علاقة الخيمة بالمسجد؟"، أو في اتهاماتٍ ترىٰ في المشروع مُحاكاةً لطُرُزٍ مِعمارية أجنبية أو استنساخًا لتجارِب خارجيّة. غيرَ أنّ مثل هذه القراءات تَختزِل العمارة في بُعدها الشكلي، وتتجاهل أنّ العمارة، في الفكر المعاصر، ليست مجرّد إنشاء هندسي، وإنما خطابٌ ثقافي ولغةٌ سياسية تُجسّد ذاكِرة الأمَم وقيمِها وهُويّتِها. ومن هذا المنطلق، فإن استلهام الخَيمة الكوردية في تصميم مشروع وطنيّ لا يُمكن فهمه بوصفه خيارًا جماليًا فحسب، بل باعتباره فعلًا ثقافيًا يُعيد إنتاج الذّاكِرة الوطنية في صورة مِعمارية دائمة.

الخَيمة الكوردية.. من فضاءِ الثّورة إلى رَمز الدّولة

لم تكن الخَيمة، في التجرِبة التاريخيّة الكوردية، مُجرّد مأوىٰ مؤقت أو انعكاسًا لحياة التّرحال، بل تحولت إلى فضاءٍ سياسي وثقافي احتضنَ أهمّ مراحِل الكِفاح الوطني. ففي أحلكِ سنواتِ الثّورة، كانت خَيمة القائد الرّاحل الملا مصطفى بارزاني مركزًا لاتخاذ القرارات المصيرية، ومقرًا لقيادة البيشمركة، ورمزًا لصمود الإرادة الكوردية في مواجهة محاولات الإلغاء والاقتلاع. ولهذا اكتسبت الخيمة، عبر الزمن، قيمةً رمزية تجاوزت بعدها الوظيفي، لتغدو استعارةً للحُريّة، والاستقلال، والثبات، والكرامة الوطنية. إنها تُمثّل الذّاكِرة المؤسسة للدولة قبل قيام مؤسساتها، وتُجَسّد العلاقة العضوية بين الأرض والإنسان والنضال. وعندما تُستدعىٰ هذه الرّمزيّة في مشروع معماري معاصر، فإنها تنتقل من فضاء الثورة المؤقت إلى فضاء الدولة الدائم، ومن الذّاكِرة الشّفوية إلى الذّاكِرة العمرانية، لتُصبح جزءًا من المشهد الحضري الذي يحفظ التاريخ ويُعيد تقديمه للأجيال المُقبلة.

العمارة بوصفها سياسة ثقافية

في أدبيات فلسفة الدولة، لا تُقاس السياسة الثقافية بعدد المهرجانات أو البرامج الإعلامية فحسْب، بل بقدرة الدولة على تحويل رموزِها التاريخية إلى مؤسساتٍ ومعالمَ وشواهدَ ماديّة تعيش في المجال العام. فالمباني الكُبرىٰ ليست كتلًا من الحجر والإسمنت، وإنما نصوصٌ ثقافية تُكتب بلغة الهندسة. ومن هذا المنظور، فإن استلهام الخيمة الكوردية في مشروع "جامع بارزاني الكبير" يندرج ضمن عملية إعادة إنتاج الهُويّة الوطنية في الفضاء العمراني، بحيث تصبح العمارة وسيطًا بين التاريخ والحاضر، وبين الذّاكِرة الجمعية والدولة الحديثة.

إنّ الدول التي استطاعت ترسيخ هُويّاتِها الحضارية لم تحقق ذلك عَبر الخطاب السياسي وحده، وإنما من خلال عمارةٍ تحمل بصمتها الثقافية، وتجعل من المدينة كتابًا مفتوحًا يقرأ فيه المواطن والزائر تاريخ الأمة ورموزها.

الخُصوصية المِعمارية والتّفاعُل الحضاري

أما القول إنّ استلهام هذا التصميم يُمثّل تقليدًا لعمارة أجنبية، فهو يفتقر إلى السَّند العلمي الذي تؤيده دراسات تاريخ العمارة. فالعِمارة الدينية، شأنُها شأن سائر الفنون، نشأت تاريخيًا عَبر التّفاعل بين الحضارات، ولم تكن يومًا نتاج عزلة ثقافية. لقد اكتسبت مساجد الأندلس شخصيتها من البيئة الأندلسية، كما تشكلت عمارة الشام ومصر والمغرب وفق خصائصها المحلية، وطورت الدولة العثمانية نموذجًا معماريًا خاصًا بها تأثّر بتُراثِها الحضاري وبعدد من الأبنية التاريخية الكُبرىٰ، ثم أعادت صياغته في إطار رؤيتها الجمالية الخاصة.

ومن ثم، فإنّ استلهام رمزٍ كوردي أصيل، كالخيمة، لا يُمثّل خروجًا على تقاليد العمارة الإسلامية، بل يَنسَجِم مع أحدِ أهمّ قوانين تطور العمارة عَبر التاريخ، وهو تكييف الفضاء الديني مع الخصوصية الثقافية للمجتمع الذي ينتمي إليه.

العمارة والذّاكِرة الجَمْعيّة

تؤكّد دراسات الذّاكِرة الثقافية أنّ الأمم تَحفظ تاريخها عَبر ثلاثة مسارات متكاملة: السَّرد، والرّموز، والعِمران. وعندما تتحوّل الرّموز الوطنية إلى معالمَ معمارية، فإنّها تَغدُو جزءًا من الوعي اليومي للمجتمع، وتتجاوز حُدودَ الكُتُب والخُطَب إلى حضورٍ دائمٍ في الحياة العامة. ومن هنا، فإن تحويل الخَيْمة الكوردية إلى عنصر معماري ليس مجرد معالجة هندسية مبتكرة، بل هو تأسيس لذاكرة بصرية جديدة، تستحضر مسيرة التّحرُّر الوطني داخل فضاء المدينة الحديثة، بحيث تصبح العمارة وسيلةً لصون الهُويّة بقدر ما هي وسيلة لخدمة الوظيفة الدينية.

بين النقد والانفعال

النّقد الموضوعي لأيّ مشروع وطني حقّ مشروع، بل يُمثّل أحد مظاهر الحيوية الفكرية في المجتمعات الديمقراطية، غير أنّ النّقد يَختلف عن السُّخرية المُسبَقة أو إطلاق الأحكام دون قراءة فلسفة المشروع وسياقه التاريخي والثقافي.

إنّ تقييم أي عمل معماري ينبغي أن ينطلق من دراسة مرجعياتِه الفِكريّة، ووظيفته الرّمزية، وانسجامه مع البيئة الثقافية التي ينتمي إليها، لا من مقارنات سطحية أو استنتاجات متعجلة تستند إلى التشابه البصري وحدَه.

آفاق المستقبل 

إنّ قيمةَ المشاريعِ الكُبرىٰ لا تُقاس فقط بحجمها الإنشائي، وإنما بما تترُكُه من أثرٍ في تشكيل الذّاكِرةِ الوطنية وصِناعةِ الهُويّةِ الحضارية. وقد تنتهي السّجالاتُ الآنيّةُ، وتَخفُتُ الأصواتُ المتعارِضة، لكن ما يبقىٰ هو ما تنقُشُه الأمَمُ في عُمرانها من معانٍ ورموز. فإذا نجح مشروع جامع بارزاني الكبير في تجسيد الخيمة الكوردية بوصفها رمزًا للكِفاح والحُرّية والكَرامة، فإنّه يكون قد نقل إحدىٰ أهم أيقونات التاريخ الكوردي من فضاء الثورة إلى فضاء الدولة، ومن ذاكِرة الجبال إلى ذاكِرة المُدن، لتصبح شاهدًا عمرانيًا على أن الهُويّة ليست ماضيًا يُروىٰ، بل مشروعًا حضاريًا يُبنىٰ ويُرىٰ.