د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
كوردستان مسرور بارزاني.. هندسة الصمود الجيوسياسي وميلاد التنمية المستدامة
في ضوء نظريات العلوم السياسية واستراتيجيات الحوكمة الرشيدة (Good Governance)، يمكن تصنيف الأعوام السبعة من عمر التشكيلة الوزارية التاسعة لحكومة إقليم كوردستان برئاسة مسرور بارزاني، بوصفها مرحلة انتقال نوعي من نموذج الإدارة الكلاسيكية للأزماتإلى مرحلة المأسسة الوطنية متعددة الأبعاد.
وفي عالم الدبلوماسية الواقعية، يقاس نجاح الكيانات الفيدرالية بمدى قدرتها على الصمود والحفاظ على التوازن في أكثر مناطق العالم تعقيداً، ومن هذا المنطلق، تبرز الأعوام السبعة من العمل والحوكمة لهذه الكابينة الحکومية كمرتكز للتحليل والتقییم الأكاديمي عبر عدة محاور استراتيجية.
وانطلاقاً من هذه المقدمة العلمية، وتأسيساً على منظور العلاقات الدولية، شهدت مكانة الإقليم خلال هذه السنوات السبع قفزة نوعية، إذ تحولت أربيل من لاعب محلي وإقليمي إلى رقم صعب ضمن المعادلات الاستراتيجية العالمية.
وتشكل الاستقبالات الرسمية لكبار قادة المجتمع الدول، مثل قداسة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، والأمين العام للأمم المتحدة، إلى جانب كبار مسؤولي الدفاع والخارجية للدول الكبرى، دليلاً دامغاً على صياغة لغة خطاب مشتركة مع العالم الخارجي.
وقد أثبت هذا الانفتاح أن الرؤية الدبلوماسية الحصيفة لمسرور بارزاني نجحت في حماية المصالح الوطنية عبر توازن دولي موثوق.
بموازاة ذلك، وفي القاموسين السياسي والاقتصادي، يعد الاستقرار الأمني حجر الزاوية لتحقيق التنمية المستدامة (Sustainable Development) .
وهنا، فإن الكفاءة والرؤية العميقة لرئيس الوزراء مسرور بارزاني في صياغة استراتيجية أمنية مكثفة، ودعم قوات البێشمهرگه والمؤسسات الوطنية، جعلت من إقليم كوردستان واحة مستقرة وآمنة في قلب منطقة تعج بالصراعات، الأمر الذي لم يقتصر على حماية الكيان الدستوري للإقليم فحسب، بل شكل بيئة صحية وجاذبة للاستثمارات الأجنبية.
من جهة أخرى، حولت سبع سنوات من العمل الدؤوب تحت مظلة الحوكمة الرشيدة الوعود والشعارات إلى واقع ملموس، إذ جاء تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، بدءاً من بناء السدود لضمان الأمن المائي والغذائي، مروراً بتحويل الإقليم إلى اقتصاد إنتاجي في القطاعين الزراعي والصناعي وتطوير شبكات الطرق، وصولاً إلى تأمين الطاقة المستدامة عبر إطلاق مشروع "روناکي" لتوفير الكهرباء على مدار 24 ساعة، ليعكس بوضوح نجاح القيادة في تحويل أزمة قطع الموازنة وتجميد صادرات النفط إلى حافز استراتيجي نحو الاكتفاء الذاتي، وهو ما يمثل أحد أسمى النماذج العلمية والتطبيقية في إدارة الأزمات (Crisis Management).
وقد انعكس هذا التحول الفكري والواقعي بوضوح في نظرية الاقتصاد السياسي، لا سيما من خلال برنامج الإصلاح الهيكلي الذي تبناه مسرور بارزاني للإفلات من فخ الدولة الريعية (Rentier State)، حيث ساهمت إعادة تنظيم الضرائب والجمارك، والاهتمام غير المسبوق بالقطاع الزراعي وتصدير المنتجات المحلية إلى الأسواق العالمية، في تحصين البنية الاقتصادية للإقليم من الارتهان لمصدر دخل أحادي.
وتزامناً مع ذلك، تجسد أحد الركائز الأساسية للحوكمة الرشيدة، والمتمثل في تقليص الروتين ورفع الكفاءة الإدارية (Administrative Efficiency)، عبر ثورة رقمية شاملة للخدمات العامة، وتطوير المنصات الإلكترونية، واجتثاث البيروقراطية، ما فتح باباً واسعاً لترسيخ الشفافية ومكافحة الفساد.
إن تقاطع هذه الأبعاد والمكتسبات طيلة السنوات السبع الماضية، يثبت تلازم مسار إدارة الدولة والحوكمة الرشيدة في إقليم كوردستان، وتأسيسه على ركائز القانون، والمأسسة، وضمان مستقبل مشرق للأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، نتطلع إلى استمرار النجاح والازدهار لهذه الحوكمة الناجحة والنموذج الحكيم الذي قدمه مسرور بارزاني، وهي مسيرة برهنت بأنه بالإرادة القوية والتخطيط الاستراتيجي يمكن تحويل التحديات الكبرى إلى فرص تاريخية.
وكلنا أمل في أن يظل هذا النهج الوطني والإعماري مستداماً ونامياً، ليبقى إقليم كوردستان دائماً رمزاً ساطعاً للسلام، والتعايش، والحوكمة الرائدة في الشرق الأوسط.