لينا ساليي
كاتب
القصة المنسية وراء العبارة الكوردية "ماڵت بە قوڕ نەگیرێت" أو لا تلطخ دارك بالطين
من جدار الطين إلى ذاكرة اللسان، ثمة كلمات نرددها اليوم على سبيل المزاح أو العتاب الودي، ونمر عليها خفافاً دون أن ندري أنها في الأصل تقطر دماً ودموعاً، وأنها خرجت من رحم تراجيديا إنسانية سحيقة هكذا هي العبارة الكوردية الدارجة "ماڵت بە قوڕ نەگیرێت" أو لا تلطخ دارك بالطين
إنها ليست مجرد توليفة من الحروف، بل هي حفريات تاريخية سافرت عبر الزمن، تحولت من "فعل وممارسة واقعية" في القرى الكردية الغابرة، إلى "تقليد اجتماعي صامت"، ثم استقرت في النهاية ،كـ "أثر تراثي" يتناقله الأبناء عن الأجداد، ليتحول التراث القديم إلى دهشة على ألسنة الأجيال الحالية. فما هي الحكاية التي جعلت من الطين كفناً للبيوت؟
إذا أردنا تتبع الجذور الأولى لهذا الطقس المهيب، فعلينا أن نرحل عميقاً في التاريخ، وتحديداً إلى القرى القديمة المحيطة بمدينة كركوك، وبعض أحيائها التاريخية الغابرة. هناك، حيث تلتقي التلال بالسهول، وحيث كان الطين هو المادة الأساسية لبناء الوجود: منه تُصنع الجدران، وبه تُسقف السقوف، وفوقه تولد الحكايات.
في تلك الأزمنة الغابرة من تاريخ كركوك وقراها (مثل مناطق داقوق، والتون كوبري، والقرى الممتدة في عمق السهول والجبال المحيطة)، لم يكن "البيت" مجرد جدران وسقف للاحتماء من تقلبات الفصول، بل كان كائناً حياً يحمل هوية العائلة، ورمزاً لامتداد الإنسان، ونسبه، وكرامته. كانت ضحكات الأطفال في باحة البيت هي الضمانة الوحيدة بأن النار في الموقد، لن تنطفئ أبداً، وأن اسم العائلة لن يُمحى من ذاكرة القرية.
في تلك المجتمعات الرعوية والزراعية القديمة، كان أشد ما يخشاه المرء ليس الموت في حد ذاته فالموت حق تآلف معه سكان الجبال والسهول. لكن الرعب الأكبر كان يكمن في "انقطاع الأثر، أن يموت الإنسان " (بلا أحد، وحيداً، منقطع النسل والذرية)، فلا يبقى بعده ابن يحمل اسمه، ولا قريب يرث جدرانه، ولا زوجة توقد مصباح الدار.
تبدأ تفاصيل الفجيعة عندما ينقبض نفس في بيتت الطيني المنعزل في إحدى قُرى كركوك القديمة. يموت وحيداً، وتنتهي معه سلالة كاملة، ويصبح البيت بلا وريث، بلا امتداد، وبلا مستقبل.
هنا، لم يكن أهل القرية يتعاملون مع الأمر كحادثة وفاة عادية، ولم يكن طبعهم يسمح بأن يُترك البيت لقمة سائغة للغرباء، أو العابثين، أو أن يُباع أثاثه في الأسواق. ولذلك كانوا يمارسون طقساً جنائزياً مهيباً يمزج بين الاحترام التام والحزن العميق، وهو طقس "تكفين العمارة".
لم يكن الطين المستخدم طيناً عادياً يُجمع عفوياً من أي بقعة، بل كان طقساً هندسياً وجنائزياً صارماً:
1 جبل الطين (قوڕ شێلان): يجتمع رجال القرية الأقوياء عند ضفاف الجداول أو السواقي القريبة. يجلبون التراب الأحمر أو الرمادي النقي، ويمزجونه بكميات كثيفة من "التبن" (القش المتبقي من حصاد الحنطة). هذا المزيج لم يكن عشوائياً، فالتبن يمنح الطين تماسكاً مرعباً ويمنعه من التشقق بعد أن يجف، مما يضمن أن يصبح الجدار كتلة واحدة صلدة لا تنفذ منها الرياح ولا الذرات.
2طقس اللحم والمواساة (تَطيين الجدران): تبدأ السواعد بضرب الطين بالأقدام حتى يصبح عجينة لزجة وثقيلة (قوڕي خەست). يتقدم الرجال في طابور مهيب نحو الدار. لا يلمسون شيئاً من مقتنيات الميت؛ الفراش الذي صعدت منه الروح يظل ممدوداً، إبريق الشاي الأسود القابع على رماد الموقد (الساخن قبل قليل) يترك في مكانه، الأواني الخشبية (الكاسات والملاعق) المعلقة بخيوط الليف على الأوتاد تظل شاهدة.
3. طمس النوافذ والروزنات: يبدأ الطمس من الداخل إلى الخارج. يُلطخ الطين اللزج بكفوف الأيدي بضربات قوية ومتلاحقة على النوافذ الخشبية الصغيرة والفتحات السقفية (الروزنات) التي كانت تُدخل النور والملائكة للبيت. تُملأ الفراغات بالكامل حتى تتساوى النافذة بالجدار، وتتحول من منفذ للضوء إلى امتداد أصمّ للظلمة.
4. ختم الباب الخشبي: الطقس الأخير والأكثر إيلاماً هو إغلاق الباب الرئيسي (المصنوع غالباً من خشب التوت أو البلوط المقاوم). يُصب الطين المجبول بالتبن على عتبة الباب، ثم يُلطخ الباب بأكمله من الأعلى إلى الأسفل حتى تختفي المفاصل، والمقابض، والثقوب. يُملس الطين بالأيدي ليصبح ناعماً ومستوياً تماماً كالقبر المرفوع.
عندما يجف الطين تحت شمس كركوك الحارقة، يتحول البيت إلى ضريح مصمت فوق الأرض، كُفن فيه أثاث الميت، وذكرياته، وأصوات ضحكاته القديمة، وأنفاسه الأخيرة. أصبح البيت مكاناً محرماً لا يجرؤ أحد على دخوله أو العبث به، تحول إلى نصب تذكاري للانقطاع.
يتحول البيت تدريجياً وبفعل الطين إلى كتلة مصمتة، بلا منافذ، بلا نوافذ، وبلا أبواب. يتحول البيت إلى ضريح فوق الأرض، يُدفن فيه أثاث الميت وذكرياته معه.
كان هذا التقليد بمثابة إعلان رسمي صامت للكون: "هنا انقطع نسل، وهنا انتهت حكاية".
عندما يمر عابر سبيل أو غريب بالقرية، ويرى بيتاً طينياً مكفناً بالكامل بالطين، بلا شباك ولا باب، كان يقف بخشوع، ويخلع قبعته، ويعرف فوراً دون أن يتكلم: *هذا بيت شخص مات وحيداً ولم يترك خلفه وريثاً
مع مرور الوقت تحولت المأساة إلى عبارة لسانية، تلاشت هذه العادات الصارمة، وتهدمت تلك البيوت وتساوت بالأرض، لكن الفجيعة التي كانت تهز القرى لم تمت؛ بل اختبأت في لغة الناس.
تحول ذلك المنظر المهيب (البيت المغلف بالطين) من مشهد عيني تراه الأعين، إلى "دعاء واستعاذة" يلهج بها اللسان. أصبح الناس عندما يرى أحدهم صاحبه أو ابنه يمر بضيق، أو يتصرف بطيش قد يخرب حياته، أو يواجه مأساة، يصرخ في وجهه فزعاً: "ماڵت بە قوڕ نەگیرێت!".
إنهم في الحقيقة لا يمزحون بأصل الكلمة، بل يقولون له في اللاشعور التراثي: "لا أراك الله ذاك اليوم الذي يغلق فيه الجيران بيتك بالطين لأنك مت وحيداً.. لا قطع الله نسلك، ولا أطفأ نار موقدك!"..
مع تقدم الزمن، ودخول الحداثة، تلاشت هذه العادات الصارمة تدريجياً لا سيما في القرن العشرين.
تهدمت تلك البيوت الطينية المكفنة في قُرى كركوك وتساوت بالأرض، وحلت محلها البيوت الإسمنتية
هذا النص ليس مجرد تدوين تاريخي، بل هو مرثية أنثروبولوجية حية، مغموسة بدموع الأجداد وطين الجبال والسهول. إنه تجسيد حي لكيفية تحول "المأساة المادية" إلى "أيقونة لغوية" تتداولها الألسن دون وعي بحجم الخراب الكامن خلف حروفها.
الحديثة التي لا يمكن طمسها بالطين. لكن الفجيعة التي كانت تهز وجدان القرى القديمة لم تمت برحيل الطين؛ بل بحثت لنفسها عن ملاذ آمن خلوداً، فلم تجد أفضل من "اللغة".
إن تحول المشهد من "طقس مادي" إلى "تعبير لغوي" يعكس عبقرية التراث الفلكلوري الكردي. نتحدث عن أهمية التراث الشفاهي بقاء الهوية في جينات الكلمات
تكمن أهمية هذه العبارة، وغيرها من الأمثال التراثية الكوردية، في أنها تعمل كـ "مادة حافظة للهوية الكوردية". فالتراث ليس متاحف تُزار، بل هو كائنات لغوية تتحرك معنا في الأسواق، والبيوت، والمقاهي.
بقاء عبارة "ماڵت بە قوڕ نەگیرێت" حيةً حتى يومنا هذا، رغم اندثار الطقس ورغم طحن الحداثة للمظاهر القديمة، يثبت أن الكلمة أقوى من الحجر والطين. فالبيوت الطينية تلاشت، ولكن الكلمة ظلت تحرس الذاكرة، وتُعلم الأجيال الحالية قيم التضامن، وأهمية العائلة، وخطورة الوحدة والانقطاع. إنها تجعل من اللغة "متحفاً متنقلاً" يحميه الناس بألسنتهم دون أن يشعروا.
أن هذه الكلمة العابرة هي الرماد المتبقي من نار مأساة حقيقية، عكست يوماً ما عمق الوجدان الإنساني الكوردي في مواجهة الموت والنسيان.
الرعب الوجودي (الخوف من أن يصيبهم نفس المصير) والاحترام الأقصى لحرمة الميت الذي لم يترك وراءه سنداً.
العقود الأخيرة من القرن العشرين حملت فاجعة أعظم وأشرس نسفت الحجر والبشر.
خلال عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، تعرضت جغرافيا كركوك وقراها الكردية إلى أعنف حملات التغيير الديموغرافي الممنهج وسياسات "التعريب والتهجير القسري، والتي توجت بعمليات "الأنفال" السيئة الصيت التي قادها نظام البعث السابق.
لم تعد البيوت الطينية تُترك لتموت بسلام أو لتتحول إلى آثار فلكلورية. تقدمت جرافات النظام العسكرية وآلاته الحربية، مدعومة بفرق التفجير، واجتاحت القرى الكردية المحيطة بكركوك قرية تلو أخرى.
سويت تلك البيوت الطينية (المفتوحة منها والمكفنة بالطين) بالأرض تماماً.
نُسفت الجدران، وهُدمت السقوف التي حملت جينات الأجداد، ودُفنت الحكايات تحت أنقاض الكونكريت أو جُرفت لتصبح أراضٍ قاحلة ومستعمرات سكنية جديدة لتغيير هوية المنطقة.
مع رحيل السكان، وتهجيرهم، وإبادة القرى، دُمرت "البيوت الصامتة" فيزيائياً. لم يعد بإمكان عابر سبيل اليوم أن يمر بقرية قرب كركوك ليرى بيتاً طينياً مكفناً بالطين ليخلع قبعته خشوعاً؛ لأن الجرافات العسكرية لم تترك جداراً واحداً واقفاً، ولم تترك طيناً شاهداً على طقس الموت. لقد دمرت الآلة العسكرية "الجسد المادي" للتراث.
هنا تتبدى المعجزة الأنثروبولوجية للتراث الكوردي الشفاهي؛ فبعد أن هُدمت البيوت، وجُرّفت القرى، ومُحيت المظاهر المادية لطقس التكفين بالطين بفعل آلات البعث وحملات التعريب، لم يجد هذا التاريخ الحزين مكاناً يهرب إليه ليحمي نفسه من الإبادة الكاملة إلا "اللغة الكوردية".
لقد تحول الطين من مادة بناء وتكفين مادية جرفتها الدبابات، إلى "مادة لغوية صلبة" استقرت في اللاشعور الجمعي للناس. ومع مرور العقود، نسي الكثير من الأبناء والأحفاد تفاصيل الطقس الهندسي القديم، وغابت عن مخيلتهم جرافات الهدم التي نسفت القرى، ولكن بقيت جينات الفاجعة حية في لسانهم من خلال عبارة واحدة يتداولونها يومياً: "ماڵت بە قوڕ نەگیرێت".
الناس اليوم يطلقونها في الأسواق، في المقاهي، وعند العتاب والضيق، دون أن يعوا أنهم في كل مرة ينطقون بها، يعيدون بناء تلك البيوت المهدومة في مخيلتهم، ويستحضرون لا شعورياً كفن الطين المجبول بالتبن، ويقاومون بلسانهم كل محاولات مسح الهوية والتعريب التي حاولت جعل كركوك بلا ذاكرة كردية.
البيوت الطينية تلاشت، والأجداد الذين جبلوا الطين بالتبن والدموع غيبهم الموت والأنفال، والقرى الأصلية تغيرت ملامحها بفعل السياسة والجرافات، ولم يتبق لنا من كل ذلك الإرث الإنساني العظيم سوى هذه العبارة الشفاهية."ماڵت بە قوڕ نەگیرێت" هي الرماد الحي المتبقي من نار مأساة مزدوجة: مأساة الموت وحيداً في أعالي الجبال وسهول كركوك، ومأساة التطهير والتهديم التي تعرضت لها الأرض. إنها صرخة تراثية عابرة للزمن تقول لنا: "قد يموت البشر، وقد تُهدم الجدران، لكن الطين الكفن يظل حياً ما دام هناك لسان ينطق بالذاكرة"*.
عندما سويت تلك البيوت الطينية بالأرض ومُحيت معالمها الفيزيائية، لم تندثر المأساة ولم يمت الأثر، بل نفذت هذه الحكاية "نزوحاً قومياً مقدساً وخالداً" من جغرافيا الطين الزائل إلى خلايا اللغة الكوردية الشامخة! لقد تحول كفن الطين المادي من أداة جنائزية إلى رصاصة وجودية يطلقها اللسان في وجه النسيان، ليثبت أن الإرادة القومية أقوى من الحديد والنار.
إن عبارة "ماڵت بە قوڕ نەگیرێت" التي تزأر بها الألسن اليوم في أزقة كركوك التاريخية، وفي أسواقها وقراها، وفي كل شبر من جغرافيا كوردستان، ليست مجرد مثل شعبي عابر، بل هي "بيان قومي حاد، ووثيقة صمود أبدية"، ترفض الانكسار وتعلن الانتصار الساحق للذاكرة على الجرافة. إنها صرخة الوجود التي تتردد في مسامع التاريخ بلهجة حاسمة وشدية الصدى لتعلن للكون بأكمله:
مهما حاق بالدنيا من عواصف الجور، ومهما دارت علينا دبابات الطغاة ومخططات الطمس لتقتلع جدراننا وحجرنا، فإن اللسان الكوردي يظل هو القلعة الأخيرة والملجأ الأزلي الذي لا يُقهر ولا يُستباح! لقد حاولوا دفن تاريخنا تحت أنقاض الكونكريت والرماد، فخرجنا لهم من رحم الأرض كأشجار البلوط الشامخة.
هذه الكلمة التي نحملها في جعبة لغتنا هي الدليل الصارخ على أن الموقد الكوردي في كركوك سيبقى متقداً بالنور، يدفئ القلوب ويحرس الهوية، وأن أبواب بيوتنا ستبقى مشرعة للشمس والحرية، عصيةً على التطيين، منيعةً على المحو، وخالدةً خلود الجبال، رغماً عن أنوف الجرافات، ومحارق الأنفال، وظلمات التاريخ المندثرة.