لينا ساليي
كاتب
أُسطورةُ المقبرة: "چراخ" (الجراخ) في أربيل
إنَّ للمقبرةِ حقاً على الأحياءِ لا يُدركه إلا ذوو البصائر؛ فهي ليستْ نهايةَ المطاف، بل هي "المستودعُ الأقدس لكرامةِ الإنسان". المقبرةُ في جوهرها هي "مرآةُ الحقيقة" التي لا تعرفُ الزيف؛ هي الأرضُ التي تذوبُ فيها الفوارق، وتتساوى فيها الرؤوس. نحنُ نتكلمُ عن "مقبرة (الجراخ أو چراخ)" في أربيل.
مقبرة "الجراخ" ليستْ مَكاناً لليأس، بل هي "جامعةُ الصمتِ الكبرى"، والمكانُ الوحيدُ الذي يتكلمُ فيهِ السكونُ بلغةٍ أفصحَ من ضجيجِ الأحياء. إنَّ للمقبرةِ هيبةً تخلعُ القلوبَ من مَراقِدها؛ فهي "مرآةُ الوجود" التي نرى فيها حقيقتنا العارية، وهي الميزانُ الذي تتساوى عنده التيجانُ.
إنَّ هيبةَ المقبرةِ لا تأتي من وحشةِ التراب، بل من "وقارِ الأسرار" المودعةِ فيه. هي البُقعةُ التي تَتوقفُ عندها عَقاربُ الزمان، حيثُ لا يُقاسُ العُمرُ بالسنوات، بل بنقاءِ الذكرى وطِيبِ الأثر.
مقبرة "جراخ" (چراخ)، لم تكن هذه البقعةُ يوماً مُجرّدَ مرقدٍ للأجسادِ الفانية، بل هي "بَرْزَخُ الأنوار". هي ليست مَقبرةً لملّةٍ بعينها، بل هي "مُعجمُ الأديانِ الصامت"؛ حيثُ تجاورَ الصليبُ مع النجمةِ والهلال، واحتضنتْ رفاتَ الكورد والكلدانِ والسريانِ واليهودِ بجانبِ المسلمينَ، في تعايشٍ أبديٍّ لم تفصمْ عُراهُ عوادي الزمن. وكأنّ هذه الأرضَ قد سُمّيت "جراخ" (المصباح) لأنّها ترفضُ العتمة، حيثُ تلاشتْ الأسماءُ وضاعتْ ملامحُ الوجوه، وظلت "جراخ" تحتفظُ بسرّها القديم: أنّ من يُدفنُ تحتَ أنوارها، لا يطويهِ النسيان، بل يتحولُ إلى ضوءٍ يُطاردُ من يجرؤُ على انتهاكِ صمتِ القبور. كان الناس مؤمنين بأن هذه المقبرة ليست مجرد مرقدٍ للموتى، بل هي منارةٌ سماوية تفيضُ بالنور؛ نورٌ لم يكن من صنع البشر، بل كان فيضاً من كرامات الأولياء والصالحين والعلماء الذين سكنوا باطنها، فاستحال الثرى تحتهم إلى قناديل تتوهجُ في عتمة الليل، حتى قيل إن المقبرة كانت تضيء من شدة النور المنبعث من قبورهم، وكأن الأرض هناك تأبى أن ينطفئ ذكرُ من أحبهم الله.
لكن خلف هذا البهاء، يربضُ غموضٌ مهيب؛ ففي ذاك المدى الذي يمتد على مساحة سبعة وعشرين ألفاً وخمسمائة متر مربع، تلاشت الحروف وغابت الأسماء في قبور الموتى، بقرارٍ قديمٍ من رجال الدين، مُحيت الهوياتُ عن الشواهد، فباتت القبورُ بلا أسماء، تنظرُ إلى السماء بأعينٍ من حجرٍ صامت. ضاعت الكلمات، وغاب تاريخ الراحلين خلف صمتٍ أبديّ، فلم تعد الحروف تجد لها مكاناً على الشواهد الصماء، حتى استحال الصمت لغةً والغيابُ رسالةً. من وسط ذلك السكون، كان الرمزُ الذي نُقش في قلب الرخام هو الشاهد الوحيد على حكاياتٍ لم تُروَ، وعلى رجالٍ لم يبقَ من أثرهم سوى نصلٍ حادٍ يحرسُ سكونهم؛ وهو نقش الخنجر الذي يلمع في ذاكرة المدينة كلما غابت الأسماء، لتحلَّ محلها رموزٌ تثيرُ القشعريرة في الأبدان. هناك، حيث حُرّم نقش الكلمات، برزت "الخناجر" المحفورة على شواهد القبور، لتكون هي اللغة الوحيدة المسموح بها؛ خناجرُ صامتة تحرسُ أسرار الراقدين وتعلنُ عن هيبةِ أشخاصٍ لم تقوَ الأرضُ على محوِ أثرهم.
بين ضوءٍ يملأ الآفاق ونصلِ خنجرٍ يترصدُ العابرين، تفتحُ قصتنا أبوابها لنغوص في سرّ "جراخ" التي لا يطويها النسيان، ونبحث عن الحقيقة الضائعة بين وهج الأنوار وصمت القبور. ولكلِّ بقعةٍ مقدسةٍ روحٌ تحميها، ولكلِّ سرٍّ حارسٌ يحملُ مفاتيحَهُ في صدره، وكان لمقبرةِ "جراخ" سادنٌ يُدعى (مردان)، عينُ الغيبِ وحامي المقدسات. مردان لم يكن حارساً بالمعنى المادي، بل كان "عيناً لاهوتية" ساهرةً على ثغورِ الموت. رجلٌ وقور، تلمعُ في وجههِ سُمْرةُ الأرضِ وعمقُ التاريخ؛ في هذا الممرِّ الضيقِ الفاصلِ بينَ دُنيا الصخبِ وبرزخِ السكون، كانَ يخطو ذاك الشابُّ الثلاثينيُّ الذي حملَ اسماً لم يختَرْهُ، بل ورثَهُ كقدرٍ محتومٍ كما يُورثُ اللونُ في العينِ والندبةُ في الكفّ.
مردان "—أو سادنُ الأنوار—" كان لديه دكانٌ في "سوق القيصريّة" الكبيرة، يشتغل بين جدرانِ دكانهِ الصغيرِ الذي تفوحُ منهُ رائحةُ التوابل، مَخفياً هويتهُ الحقيقيةَ خلفَ قناعِ التاجرِ البسيط. ولكن بعد أن تنسحبُ خيوطُ الشمسِ من فوقِ مآذنِ أربيل، ويخلو "سوقُ القيصرية" من الناس، حتى تنفضَّ يداهُ من عوالقِ الدنيا. وعندما يأتي الليل، يحملُ قنديلَهُ العتيقَ وجرّةَ زيتهِ، ويتجهُ نحو "جراخ" بخطواتٍ وئيدةٍ تَحفظُ تضاريسَ الأرضِ المنسية. لم يكن يرى في المقبرةِ مكاناً للوحشة، بل كان يراها "وطنهُ الحقيقي" حيثُ لا كذبَ ولا مساومة، بل صدقُ الرفاتِ وعظمةُ الصمت. كان يوقدُ الأنوارَ في زوايا المقبرةِ الموحشة، ممتثلاً لوصايا أجدادهِ الذينَ آمنوا بأنَّ (المصباح) هو الحبلُ السريُّ الذي يربطُ بينَ العوالم. وبالرغمِ من شبابِهِ الناضر، إلا أنّ عينيهِ كانتا تعكسانِ عُمْراً لا يُقاسُ بالسنين، بل بعددِ الشواهدِ التي مسحَ عنها الغبار. كان يمرُّ بين قبورِ "الأولياء" المجهولين، يقرأُ خفايا النقوشِ التي تآكلت، ويستشعرُ هيبةَ "الخناجر" المحفورةِ التي كانت تبدو تحتَ ضوءِ قنديله وكأنها تنبضُ بحياةٍ مكبوتة.
لم يكن مردان يعلمُ في تلك الليالي أنّ واقعهُ الهشَّ على وشكِ الانكسار، وأنَّ "الأنوار" التي كان يظنُّ أنهُ سيّدُها ومُوقدُها، هي في الحقيقةِ قشورٌ لضياءٍ أعظمَ وأكثرَ رعباً سيبزغُ من تحتِ الركام.
في تلك الليلةِ التي لم تكن كباقي الليالي، خيّمَ على المقبرة سكونٌ مُطبقٌ وجنائزيّ، لدرجةِ أنّ الهواءَ استحالَ جماداً لا يتحرك، وغابتْ حتى أنفاسُ الريحِ عن أزقةِ المقبرة. كان "مردان" يقفُ في قلبِ "جراخ"، مُحاطاً بصمتٍ ثقيلٍ لدرجةِ أنّهُ كان يسمعُ نبضاتِ قلبهِ وكأنها قرعُ طبولٍ في وادٍ سحيق. تذكّرَ في تلك اللحظةِ حكايا والدهِ عن "ليالي التجلي"، حين تغدو المقبرةُ ملكاً لأصحابها، ويُصبحُ الأحياءُ فيها مجردَ عابرينَ غيرِ مرغوبٍ بهم.
وسطَ هذا الفراغِ الموحش، انبثقَ من بَيْنِ الشواهدِ طيفُ رجلٍ مسن، يرتدي وقاراً لا ينتمي لهذا الزمان. كان يدعى "إلياس"، هكذا قدّمَ نفسهُ، مدعياً أنهُ "سادنُ كتبٍ" وعالمُ آثار، جاءَ يقتفي آثار الكرد في حطامِ الحجر. اقتربَ إلياس بخطواتٍ لا تُحدثُ صوتاً، وعيناهُ تقدحانِ ببريقٍ غامضٍ أربكَ ثباتَ الحارس الشاب.
قال له: "جدي إلياس.. ارجعْ من حيثُ أتيت، فالليلُ هنا لهُ أهلٌ لا يُحبون الشركاء". ردَّ إلياس بابتسامةٍ باردة كالثلج: "أتيتُ لأستعيدَ ما ضاعَ مني في زحامِ المجلدات، جئتُ لأرى الحقيقةَ العاريةَ التي لا تُكتبُ في الورق". قادهُ الحارس إلياس، بدافعٍ من فضولٍ مسموم، نحو أعماقِ المقبرة.
توقف الحارس "مردان" عند صفٍ من القبور الرخامية التي علاها وقارُ السنين، وأشار بيده المرتجفة نحو ضريحٍ ذي قبةٍ صغيرة متهدمة، وقال بصوتٍ يحاول استحضار الهيبة: "انظر يا جدي إلياس، هنا يرقد شيوخُ التكايا، أصحابُ الدفوف التي تسمعُ صداها في الليالي الساكنة. هؤلاء هم أولياءُ السلطان المظفر الذين جعلوا من أربيل مدينةً للذكر. والدي كان يقول لي إنّ هؤلاء لا ينامون، بل يظلون في حلقةِ ذكرٍ أبدية تحرسُ المدينة من الشر". ثم سار خطواتٍ قليلة نحو ركنٍ تتراصف فيه شواهدُ بسيطة لكنها مصقولة بعناية، وتوقف وأشار بيده وقال: "أما هؤلاء، فهم علماءُ القلعةِ وأدباؤها، سترى هنا من وضعوا أسس اللغة وقرضوا الشعر في البلاد. قبورهم متواضعة كحياتهم، لكن يُقال إنّ التراب الذي يغطيهم يفوح برائحةِ الورقِ العتيق كلما نزل المطر". ثم مال الحارس نحو منطقةٍ منخفضة تبدو فيها الشواهدُ غريبةً في نقوشها، وقال بنبرةٍ يملؤها التعجب: "وهنا، في هذا الجانب المنسي، يرقد جيراننا القدامى من يهود محلة 'التعجيل' والمسيحيين الأوائل في أربيل. كانوا صيارفةً وتجاراً وصناعاً في القيصرية، دفنوا هنا ليكونوا شاهدين على أنّ أربيل كانت قلباً يتسع للجميع. والدي أوصاني ألا أفرق بين قناديلهم، فالموتى يا جدي، لا يسألون عن دينك، بل عن طمأنينتهم".
وتوقف "مردان" عند قبرٍ ضخم نُقش عليه مجموعة الخناجر، وقال بفخرٍ مشوب بالحزن: "وهنا ترقد العائلاتُ المرموقة، كبارُ القوم الذين كانوا خناجرَ في وجه الغزاة. هذا الخنجر المنقوش ليس للتهديد، بل هو توقيعُ الكرامةِ الكردية".
التفت الحارس إلى إلياس، منتظراً منه كلمة إعجابٍ أو دهشة، لكنه وجد إلياس ينظر إلى القبور بنظرةٍ اخترقت الرفات، ليردَّ عليه بصوتٍ آتٍ من وراء الغيب: "أحسنتَ الوصف يا بني.. لقد وصفتَ 'القشور' كما لقّنكَ أجدادك. لكن، هل سألتَ نفسك يوماً عن الذين لم تُذكر أسماؤهم؟ عن الذين دُفنوا بحسرةِ الغدر؟ عن الذين صاروا 'مزاراتٍ' وهم يصرخون من وجعِ الظلم؟".
أخفض الحارس عينيه نحو الأرض، ومسح بيده المتعبة غبار السنين عن طرف ثوبه، ثم قال بصوتٍ خفيض يملؤه الشجن: "الأسماءُ التي حُفرت بالظلم لا تُقال يا جدي، بل تُحس. صراخهم الذي تسمعه ليس نداءً للذكرى، بل هو أنين الأرض التي ضاقت بوجعهم. أنا لا أملك الأجوبة لأنني لستُ سوى حارسٍ لرمادهم، والرماد لا يتكلم.. هو فقط يذكرنا بما كان". خيم الصمت للحظة، وكأن الكلمات تبخرت في هواء المقبرة البارد. عندها، التفت مردان نحو الجد إلياس، ممسكاً بيده التي ارتجفت قليلاً، وقال له بهدوء: "تعال يا جدي، لنذهب إلى هذا المرقد القديم.. ربما هناك، بين جدرانه المنسية، تستفيد بشيء أو تجد ما عجزت الكلمات عن قوله".
لم تكن القبور هناك كبقية القبور التي ألفناها، كانت تلتف حول المرقد في حلقات دائرية، وكأنها صفوف من المصلين الذين تجمدوا في لحظة خشوع أبدي. لم تكن مصطفة بانتظام، بل كان بعضها يميل نحو المرقد كأنه يستند إليه من تعب السنين، وبعضها الآخر غاص في الأرض حتى لم يبقَ منه سوى نتوء بسيط يخبرك أن هنا يستريح جسدٌ ما. كانت تلك القبور تتشح بالغموض؛ فلا أسماء واضحة عليها، بل نقوش غائرة تشبه الرموز القديمة، وكأنها لغة سرية لا يفهمها إلا الحارس والريح. نمت بين الشقوق أعشاب برية جافة، خشنة الملمس، كانت تصدر حفيفاً يكسر صمت المكان كلما مرت نسمة هواء، وكأن القبور تتهامس فيما بينها عن الغرباء القادمين.
كان لكل قبر "روح" تشعر بها؛ فهذا قبرٌ صغير يشعرك بوحدة موحشة، وذاك قبرٌ ضخم محاطٌ بسياج حديدي صدئ، يحكي عن عظمة زالت وبقي خلفها وجعٌ لم يبرد. كانت القبور تحتضن المرقد كما تحتضن الذاكرة أسرارها، صامتة، باردة، ولكنها تنبض بحكايات الذين رحلوا وبقيت غصتهم معلقة فوق هذا التراب؛ حيثُ المرقدُ المنسيُّ الذي يختبئُ خلفَ مرآةٍ مكسورةٍ غطاها الصدأ. هناك، وقعتِ الحادثةُ التي فصمتْ عُرى العقل؛ فنظرَ مردان في شظايا المرآة، ليرى انعكاساً هزَّ كيانَهُ النفسيَّ وزلزلَ وجدانَه. لم تكن المرآةُ تعكسُ رجلاً عجوزاً، بل كانت تُظهرُ كياناً "سديمياً" يتضخمُ بغيرِ حدود، وثياباً تتبدلُ لتصبحَ أسمالاً قديمةً تفوحُ منها رائحةُ الترابِ والظلمِ العتيق.
استحالَ إلياسُ إلى هيكلٍ مهيب، وانفجرَ بضحكةٍ هستيريةٍ مزقتْ صمتَ القبور، ضحكةٍ لم تكن صوتاً، بل كانت زلزالاً ضربَ مَكامنَ الخوفِ في قلبِ الحارس: "ألا تعرفني يا حارسَ القناديل؟ أنا الذي تحرسُ قبرَهُ وأنتَ لا تدري". في هذه اللحظة، سقطَ مردان جاثياً على ركبتيه، وقد هبطَ ضغطهُ لدرجةِ أنّهُ أحسَّ بروحهِ تنسلُّ منه، وصرخَ بجنون: "أنت ميت! أنت مجردُ ذكرى!".
لكنَّ إلياس —أو ذاك الكيانُ المتجسد— وضعَ يداً باردةً كالموتِ على كتفه، وقال بنبرةٍ تفيضُ بالشجن: "لا تخف، فالمظلومُ لا يظلم. أنا لستُ هنا للتخويف، بل للعبرة". في تلك اللحظة، اشتعلتِ المقبرةُ فجأةً بـأنوارٍ زرديةٍ ذاتية، ضياءٍ لم يوقدهُ بشر، بل انبثقَ من صرخاتِ الحجر. أيقنَ مردان أنَّ هربَهُ مستحيل، وببطءٍ شديد، تحركت يد الكيان —تلك اليد التي تبدو مألوفة لكنها باردة برودة الموت— واستقرت بثقلٍ غريب على كتف مردان المتصلب. في تلك اللحظة، شعر مردان وكأن تياراً من الجليد اخترق ثيابه ليصل إلى عظامه. اقترب الكيان من أذنه، وبصوتٍ يمتزج فيه الفحيح بالهمس الرخيم، قال بنبرة تحمل سخريةً مظلمة. كان الكيان يقف خلفه، يحدق في المرآة ببرود، بينما كان مردان يحاول الفرار بعينيه عن ذلك الانعكاس المرعب. كانت رؤية الكيان في المرآة تفوق قدرته على الاحتمال، فشعر بـتشوشٍ في الرؤية وهبوطٍ حاد في نبضه جعله يعجز عن الالتفات لمواجهته وجهاً لوجه. كان مردان يقول لنفسه: "لا.. لا.. لا تنظر للمرآة"، وكان يهز رأسه بذعر، وصوت أنفاسه المكتومة يتردد. وفجأة، ومن قلب ذلك الرعب، انطلقت غريزة الدفاع؛ فبـيدٍ ترتجف بشدة، كأنها سعفة في مهب ريحٍ عاتية، مدّ مردان يده وقبض على يد الكيان الجاثمة فوق كتفه. كانت قبضةً ترتعش لكنها متمسكة بالحياة، واستجمع بقايا صوته المحشرج ليقول بحدة يملؤها الانكسار: "لا تنسَ.. أنا حارسُ هذهِ المقابر.. أنا من آوى إلى سكونها ليلًا، ونمتُ في مساكنِ موتاها حتى صاروا أهلي.. أنا سادنُ هذا الصمت!". ثم تحولت نبرته من التحدي إلى رجاءٍ يقطر وجعاً، وعيناه لا تزالان هاربتين من المرآة، متشبثاً بيد الكيان كغريق: "باللهِ عليك.. مَن تكون؟ وماذا تريدُ مني؟ هل آذيتُكَ يوماً دون أن أعلم؟ هل أنتَ من أهلِ هذهِ المقبرة وتريدُ حقاً ضاع؟ أخبرني.. ما الذي تريده من حارسٍ لا يملكُ سوى قناديله؟".
ساد صمتٌ جنائزي. لم يضحك الكيان هذه المرة، ولم ينطق بكلمة. بدلاً من ذلك، سحب يده ببطءٍ من تحت قبضة مردان المرتجفة. وبخطواتٍ وئيدة، ثقيلة كأنها تجرّ خلفها قروناً من الزمن، بدأ الكيان بالانسحاب. لم يختفِ فجأة، بل تحرك بشكلٍ بطيء ومهيب، عابراً أروقة المرقد المظلمة باتجاه الخارج. كان ظله يتمدد على الجدران العتيقة مع كل خطوة، حتى تلاشى تماماً في عتمة الليل، تاركاً مردان وحيداً أمام المرآة، يواجه انعكاسه الشاحب وقلبه الذي يكاد يتوقف عن النبض.
ما إن غادر الكيان المرقد ببطء، حتى بدأت المقبرة تتنفس بطريقة غريبة. لم يعد الظلام دامساً، بل استيقظت أضواءٌ غامضة من قلب التراب؛ أنوارٌ ناعمة كأنها خيوطٌ من حرير تخرج من القبور وتنسل بين القناديل. كانت تلك الأنوار تومض وتنطفئ بإيقاعٍ يشبه نبض القلب—تارةً تضيء المكان بسكينة، وتارةً تغيب لتترك خلفها هالةً من الروحانية. لم يكن ضوءاً يحرق العين، بل كان "نوراً روحياً" شفيفاً، يحمل في طياته أسرار القرون التي غفت هنا.
وسط هذا النور المترنح، لم يكن مردان وحده. بدأ يشعر بـكثافة الهواء من حوله، كأن المكان امتلأ فجأة بحضورٍ لا يُرى. لم تكن أصواتاً مرعبة، بل كانت همساتٍ خافتة بلهجات كردية قديمة، أصواتٌ تشبه حفيف الأشجار، كلماتٌ من "السورانية" و"البادينية" العتيقة تطفو في الجو كأن المقبرة تستعيد ذاكرتها الجماعية. في تلك اللحظة، خان مردان جسده؛ فرغم رغبته في الركض والهرب من هذا الذهول، أحس بـثقلٍ في أقدامه، كأن الأرض التي يحرسها ترفض تركه يرحل. كان يمشي بصعوبةٍ بالغة، وخطواته ثقيلة كمن يجرّ قيوداً غير مرئية (شلل الحركة). تلاحقت أنفاسه بضيقٍ شديد، وشعر وكأن الهواء أصبح غنياً بأرواح الماضي لدرجة أنه لم يعد يجد مكاناً للأكسجين في رئتيه. بينما كان يصارع المسافة ليصل إلى البوابة، والأنوار تومض من حوله (تضيء وتنطفئ.. تضيء وتنطفئ)، تعثرت قدماه وتوقف قلبه عن الخفقان لثانية.
هناك، تحت ضوء قنديلٍ يرتجف، وقف نفس الكيان مرة أخرى. لكنه لم يكن كما رآه في المرآة؛ هذه المرة كان يحيط به ذلك الضياء الناعم، وكان وقوفه ثابتاً كأنه جزءٌ من تاريخ المقبرة، كأنه ينتظر مردان ليقول له شيئاً لم تُقله الكلمات بعد. توقف مردان عن الركض؛ أدرك في تلك اللحظة أن الهروب من "ظلٍ" يسكن المكان هو ضربٌ من العبث. استدار بجسده المرتجف، وواجه الكيان الذي كان يقف بهدوءٍ مهيب تحت الأضواء الروحية الوامضة. سكن الهواء، وانخفض صوت الهمهمات الكردية ليترك المجال لصوت الكيان الذي خرج عميقاً كأنه آتٍ من بئرٍ سحيقة: "لماذا تفرُّ والهروبُ إلينا؟ لماذا تخافُ مني يا حارسَ القناديل؟".
استجمع مردان شتات شجاعته، وأجابه بنبرةٍ فيها من الحكمة ما فيها من الخوف: "أخافُ مما لا أفهمه.. وأخافُ من حقيقةٍ تأتي في غيرِ أوانها. الإنسانُ يخشى الظلام ليس لأنه خالٍ، بل لأنه لا يعرفُ ما الذي يختبئُ فيه". ابتسم الكيان ابتسامةً باهتة تشبه ضوء الفجر، وقال: "عجيبٌ أمرك.. أنتَ الذي اخترتَ أن تكون حارساً لهذه القبور، تسهرُ ليلكَ مع صمتنا، وتؤنسُ وحشتنا بضوئك. كيف تحرسُ مملكةً وأنتَ تخشى سُكّانها؟ أليس الحارسُ هو من يأمنُ له الغريب؟".
كان مردان يستمع، لكن عقله كان يتأرجح بين الوعي والذهول، الكلمات كانت تصله كأنها وحيٌ لا يقوى جسده على استيعابه. ثم أكمل الكيان بلهجةٍ تحملُ مرارة السنين: "لقد شهدنا بعد الموتِ عجائبَ لا يراها الأحياء.. لكن أغرب ما رأينا ليس عالمنا، بل عالمكم أنتم. رأينا أحباباً أقسموا على الوفاء، ثم جفّت دوعهم قبل أن يجفّ ترابُ قبورنا، ونسونا خلفهم كأننا لم نكن. ورأينا الطامعين الذين أتوا ليستغلوا بقايانا، ينبشون في تاريخنا ليأخذوا جزءاً منا يرفعون به شأنهم، متناسين أنهم غداً سيجاوروننا". صمت الكيان قليلاً، ثم اقترب خطوة واحدة، وأضاف بحكمةٍ بالغة: "ورأينا من أضاعوا أعمارهم في الغرور، ثم أتت بهم العِبرةُ صاغرين إلى هنا، ليدركوا—بعد فوات الأوان—أن المقبرة هي المكان الوحيد الذي يتساوى فيه الملوكُ بالفقراء. نحنُ لسنا أشباحاً يا مردان.. نحنُ 'الحقيقة' التي يهربُ منها الجميع، وأنتَ الحارسُ الذي اختار الوقوف على بابها".
بعد ذلك الحوار المثقل بالحكم، سار الكيان بخطواتٍ مهيبة نحو زاويةٍ في المقبرة لم يطأها مردان من قبل، رغم أنه يعرف كل شبرٍ فيها. هناك، خلف مرقدٍ قديم غطته الأعشاب، انفتح مدخلٌ لسردابٍ غائر في باطن الأرض، تفوح منه رائحة بخورٍ عتيق ممزوجة برائحة التراب الرطب. سار الكيان بهدوء بين القبور، ومردان يتبعه بخطواتٍ متعثرة، وصدره يضيق مع كل متر يقطعانه. توقفا فجأة عند بقعةٍ من المقبرة لم يسبق لمردان أن لاحظ وجودها، رغم أنه طاف المكان آلاف المرات. هناك، تحت ضوء القمر الشاحب، كان ينتصب شاهدُ قبرٍ رخامي، يبدو جديداً وكأن يداً خفية انتهت من نحته للتو.
اقترب مردان، وبمجرد أن وقعت عيناه على النقوش، شعر وكأن الأرض قد سُحبت من تحت قدميه. كان الاسم المحفور بوضوحٍ جارح هو: "حارس القناديل.. مردان". التفت مردان حوله بجنون، اتسعت حدقتاه حتى غطتا لون عينيه، وشعر بـطنينٍ حاد في أذنيه يحجب عنه أي صوت آخر. تراجع للخلف وهو يشير بإصبعٍ ترتجف نحو القبر، وصوته يخرج متقطعاً كأنه آتٍ من بئر: "قبري؟.. هذا مكاني؟.. كيف؟ أين؟ ولماذا؟ أنا لا أزال أتنفس.. أنا حيٌّ أرزق، ألمسُ الأشياء وتلمسني! كيف يكون لي مسكنٌ بين الأموات وأنا لم أغادر عالم الأحياء بعد؟".
هنا، انطلقت من الكيان ضحكة هادئة، لكنها كانت أشد رعباً من ضحكته الهستيرية الأولى؛ كانت ضحكة "يقين". وضع الكيان يده الباردة ثانيةً على كتف مردان، وأمال رأسه نحوه قائلاً بنبرةٍ فيها احتواءٌ مخيف: "أهلاً بكَ في بيتك الحقيقي يا مردان.. أهلاً بكَ بيننا. لطالما كنتَ واحداً منا منذ أن وهبتَ ليلكَ لقناديلنا. الحياةُ هي التي كانت وهماً، أما هذا القبر.. فهو الحقيقة الوحيدة التي كنتَ تحرسها دون أن تدري". في تلك اللحظة، شعر مردان بـبرودةٍ تسري من قدميه إلى قلبه، وكأن جسده بدأ يتحول تدريجياً إلى مادة القبر نفسه. تشنجت أنفاسه تماماً، ولم يعد قادراً على تمييز ما إذا كان يرى الكيان بعينه أم بصيرته، فقد غرق السرداب في هالةٍ من ذلك الضوء الروحي الناعم، وبدأ جسده يشعر بـخفةٍ مرعبة، وكأن ثقل الوجود قد رُفع عنه فجأة.
في تلك الثانية، حدث في جسد مردان زلزالٌ صامت. اتسعت حدقتاه حتى غاب بياض العين خلف سواد الرعب، وحدث جحوظٌ مؤلم لمقلتيه وكأنهما ترفضان تصديق هذا الواقع. شعر بـطنينٍ حاد في أذنيه يشبه صرير الأوتار المتنافرة، وبدأ التعرق البارد ينضح من جبينه بغزارة رغم برودة الجو. انخفض فكه بذهولٍ تام، وهرب الهواء من رئتيه ليترك مكانه كتمة نفس خانقة، وكأن يداً غير مرئية تعتصر حنجرته. التفت مردان إلى الكيان، بـيدٍ ترتجف وكأنه طفلٌ ضائع، وبصوتٍ مكسورٍ يملؤه الإنكار.
ساد صمتٌ ثقيل بعد كلمات الكيان، حتى قطع هذا الصمت بسؤالٍ هادئ كأنه نصلٌ يخترق وعي مردان: "توقف قليلاً يا مردان.. وفكّر. هل تتذكرُ كيف أتيتَ إلى المقبرةِ الليلة؟ هل تذكرُ الطريق الذي سلكتَهُ، أو البوابة التي عبرتَها، أو حتى أول قنديلٍ أشعلتَه؟". في تلك اللحظة، تجمدت الكلمات في حنجرة مردان. حاول أن يسترجع ذاكرته، فبدأت تتشنج ملامح وجهه وهو يبحث عن خيطٍ يربطه بالماضي القريب. لكنه وجد فجوةً سوداء؛ لا يذكر خروجاً من بيت، ولا سيراً في طريق. فجأة، وجد نفسه بين القبور، وقنديله بيده، قال مردان بصوتٍ يرتجف، وعيناه تائهتان في الفراغ: "أنا.. أنا أتيتُ اليوم.. لكنني.. لا أذكر كيف! كنتُ هنا فحسب.. أليس هذا عملي؟ أنا الحارس!".
اقترب الكيان منه، وبنبرةٍ ملؤها الأسى والحكمة، بدأ يشرح له ما حدث: "لقد أتيتَ محمولاً على الأكتاف يا مردان.. أتيتَ والدموعُ تسبقُ خُطى من حملوك. هل تسمعُ الآن صدى نحيبِ أختك؟ هل تشعرُ ببرودةِ الماء الذي غسّل جبينك؟ لقد رأيتُ أمكَ وهي تترجى التراب ألا يثقلَ عليك، ورأيتُ أهلكَ وهم يضعونك في هذا المرقد الذي كنتَ تظنُ أنك تحرسه، بينما كنتَ أنتَ 'الأمانة' التي أودعوها فيه". مع كلمات الكيان، بدأت الصور تنهمر على عقل مردان كالسيل. رأى وجوه أهله شاحبة، سمع صرخات الوداع المكتومة، وشعر بلمسة أيديهم الأخيرة وهي تضع الحجر فوق لحده.
في هذه اللحظة، لم يعد مردان يشعر بـخفقان قلبه، بل شعر بـسكونٍ مرعب في صدره. جحظت عيناه وهو يرى مشهد جنازته يُعرض أمامه في مرآة الذاكرة. انحنى مردان على ركبتيه، وغطى وجهه بـيديه المرتجفتين، بينما كانت الأضواء الروحية من حوله تنطفئ وتنير بجنون، وكأن المقبرة تفتح ذراعيها لتضمه تماماً. "لقد انتهى عملك كحارسٍ للقبور يا مردان.. اليوم، بدأتَ حياتك كحارسٍ للذاكرة".
اقترب الكيان من مردان حتى كادت أنفاسه تلامس وجهه الشاحب، وبنبرةٍ تحملُ وقار القرون، قال: "الآن.. سأعرفكَ على التاريخِ الحقيقي لهذهِ المقبرة يا مردان، قبل أن نختفي بشكلٍ نهائي من هذه الدنيا، وقبل أن تطوينا صفحاتُ الغيب". في هذه اللحظة، شعر مردان بـقشعريرة رعب، تيبست أطرافه تماماً، وأصبح جسده مجرد وعاءٍ يستقبل الكلمات. اتسعت حدقتاه بجحوظٍ حاد. بدأت الأضواء الروحية الناعمة حولهما تتخذ شكلاً غريباً، وكأن ذرات التراب بدأت ترسم صوراً في الهواء. أكمل الكيان وصوته يتردد كأصداءٍ في سردابٍ عميق: "أتظنُّ أن 'جراخ' مجردُ أسماءٍ على صخور؟ لا يا مردان.. هذه الأرضُ هي ذاكرةُ أربيل المنسية. تحت كل حجرٍ هنا حكايةٌ لم تكتمل، وصرخةٌ وأدها الزمن. 'جراخ' ليست اسماً للنور فحسب، بل هي المكان الذي تُساق إليه الأرواح لتتحرر من أثقالها".
شعر مردان بـطنينٍ حاد في أذنيه. لم يعد يشعر بثقل قدميه على الأرض، بل أحس بـخفةٍ مرعبة. شحب وجهه حتى صار بلون الشاهد الرخامي الذي يحمل اسمه، وتشنجت أنفاسه وهو يرى التاريخ يتجسد أمامه. "لقد كنتَ تحرسُ الباب يا مردان، والآن.. سأجعلكَ ترى ما وراء الباب. انظر جيداً، فهذه هي المرة الأخيرة التي ستنظر فيها بعينِ البشر". اقترب الكيان من مردان، وقال بصوتٍ يملؤه الوقار: "انظر حولك يا مردان.. أنت لم تكن تحرس مجرد قبور، بل كنت تحرس سبعة وعشرين ألف مترٍ من تاريخ أربيل العظيم. هذه هي (چراخ)، أقدم وأكبر حكايات مدينتنا، التي تمتد جذورها إلى فجر الإسلام، وتقبع هنا في ظل قلعة أربيل الشامخة".
أصل التسمية (حكمة النور): "أتسألُ عن سرِّ اسمها؟ الناسُ تاهوا في الظنون. منهم من قال إنها (چراخ) لأن الملائكة وأرواح الأولياء كانت تنزل بنورها هنا في الليالي المظلمة، ومنهم من قال إنها نارُ القصابين التي كانت تضيء جوارنا. لكن الحقيقة يا مردان هي أن (النور) لا يأتي من الزيت والفتيل، بل من أرواح الصالحين والشيوخ والشعراء الذين غفوا تحت هذا التراب بعد أن أضاءوا سماء أربيل بعلمهم".
تاريخ الأقدام التي عبرت (حكمة الفناء): "لقد وقف سلطاننا (مظفر الدين) يوماً هنا، يشيعُ العظماء والعلماء، ومرت من هنا مواكبُ (ابن خلكان) الذي خلّد ذكرنا في كتبه. هنا، نامت أجيالٌ من الكلدان والأشوريين والمسلمين، تساوى الجميعُ تحت هذا الثرى. وكان هناك سلطانٌ عادلٌ زاهدٌ حكم أربيل في غابر الزمان، كان له صديقٌ طبيبٌ يدعى (جراخ)، وحين غيب الموتُ الصديق، خصص السلطانُ هذا المدى ليكون مثواه الأخير حزناً عليه، وما لبث أن لَحِق به السلطانُ ليدفن إلى جوار صديقه؛ ومع مرور السنين، طفق الناس يدفنون موتاهم حولهما تبركاً، فاتسعت المقبرةُ وتسمت باسم الطبيب الراحل، لتُعرف منذ ذلك الحين بـ (مقبرة جراخ او چراخ)".
"هل ترى تلك الشواهد الصامتة؟ لقد منع علماؤنا قديماً الكتابة عليها، لكي يظل الموتُ مبهماً والوقارُ سيد الموقف، حتى جاء (حيدر بابا) وأذن لنا بذكر الأسماء والآيات، لكي لا تُنسى العِبرة. لكنَّ الأحياء ضاقت بهم الأرض، فزحفوا بأسواقهم وضجيجهم نحو صمتنا. بنوا فوق عظامنا أسواقاً يظنون أن التجارة هي الحياة، ولا يدرون أن كلَّ بائعٍ وكلَّ مشترٍ سيعودُ في النهاية إلى هذا السكون. نحنُ نرى زبالتهم تملأ أركاننا، ونسمع ضجيج محركاتهم، لكننا نصمت.. لأننا نعرف أن الغلبة في النهاية للتراب".
"لقد كنتَ تحرسُ أمانةً أهملها الكثيرون يا مردان. (چراخ) ليست مجرد اسم، بل هي (البلقيسة) التي تضيء دروب العابرين إلى الأبد. والآن، وقد عرفتَ مَن نحن، حان الوقتُ لتنطفئ قناديلُ البشر، وتشتعلَ في روحك أنوارُ الحقيقة. استرح الآن يا حارسنا.. فقد أديتَ الأمانة".