السلاح أو الجنسية: لا سيادة بلا ولاء، ولا دولة بلا قرار
في كل مرة تُستهدف فيها البنية التحتية العراقية، أو تُفرض عقوبات دولية على المصارف، أو يُسجل تأخر في جدول الرواتب بسبب هروب الاستثمار، يسأل العراقي البسيط نفسه: لماذا ندفع ثمن مشاريع لا نعرف عنها شيئاً؟ الجواب المرّ يكمن في ظاهرة باتت أقرب إلى "دولة موازية" منها إلى فصائل مقاومة: ميليشيات مسلحة تحمل السلاح باسم العراق، لكنها ترفع راية الولاء لجهات خارج حدوده.
المشكلة ليست أمنية فقط، بل وجودية. لقد آن الأوان لنقولها بصوت عالٍ: الجنسية العراقية ليست مجرد هوية تمنحك راتباً أو حق الترشح، بل هي قسم وولاء، وفي مقدمته الاحتكار المطلق للسلاح بيد الدولة، كما ينص الدستور صراحة. من يختار حمل السلاح خارج إطار القوات المسلحة، ويعلن تبعيته لأجندة إقليمية، يكون قد اختار بنفسه الخروج من هذا العقد المقدس.
فصائل فوق القانون... وشعب تحت الفقر
إن دعاة "التجريد من الجنسية" ليسوا متشددين، بل هم أقرب إلى الواقعية السياسية. فكيف يمكن لدولة تدّعي السيادة أن تسمح بأن يكون فيها 50 ألف مقاتل لا يتبعون قيادتها، بينما يتقاضون رواتبهم من خزينتها، ويتمتعون بحصانة برلمانية، وفي المقابل يُستهدف العراق بالعقوبات بسبب أفعالهم؟
الضرر يقع على العراقي وحده. بينما تتحدث الفصائل عن "المقاومة"، نرى حقول النفط تُقصف، والاستثمار يهرب، والعراق يُدرج في قوائم المخاطر. هذه كلفة يتحملها المواطن الجائع، وليس قادة الميليشيات الذين يحملون جوازات سفر مزدوجة أو يملكون حسابات في الخارج.
البيشمركة: قوة دستورية لا تشبه "الميليشيات"
وهنا لا بد من وقفة للتمييز بين من يحمل السلاح شرعياً بموجب الدستور، وبين من يرفعه خارجاً عليه. فقوات البيشمركة، وبموجب المادة (121) من الدستور العراقي، هي قوة نظامية معترف بها، تشكل جزءاً من منظومة الدفاع الوطني، ومهمتها الدفاع عن إقليم كوردستان وشعبها. هذه القوات أقدم من الدولة العراقية الحديثة نفسها، وليست نتاج فتوى أو قرار حزبي طارئ.
بينما تتحدث بعض الميليشيات غير النظامية، التي تعلن ولاءها جهاراً لإيران، عن ضرورة "نزع سلاح الإقليم"، فإنها تتجاهل عمداً أن سلاح البيشمركة هو سلاح معرّف ومسجّل، ووجوده مثبت في الدستور. الفرق شاسع: سلاح يدافع عن أرضه بموجب قانون، وسلاح آخر يهدد سيادة الدولة باسم أجندات خارجية.
الرد على "أعذار" التسييس والانتقائية
طبعاً، سيخرج المعارضون ليقولوا لنا: هذا الحل سيُسيّس، أو أنه "انتقائي" وسيُطبق فقط على خصوم إيران دون غيرهم.
وهنا لا بد من الرد بحزم: هذا الادعاء ليس أكثر من غطاء للفوضى. إذا كنا خائفين من "التسييس"، فليكن حلنا هو القضاء العادل والمؤسسة الرسمية النزيهة، وليس التذرع باحتمال الانحياز كذريعة لترك السلاح طليقاً. أما عن الازدواجية، فنحن مع تطبيق القانون على الجميع، شيعياً كان أم سنياً، قريباً من إيران أم بعيداً عنها. الدولة ليست طرفاً في الصراعات الإقليمية، الدولة هي الحكم الأعلى والأوحد.
التفاوض انتهى... حان وقت الاندماج أو الرحيل
بعض الباحثين يجادلون بأن سحب الجنسية سيغلق باب التفاوض. لكن، من يصدق أن المساومات المستمرة منذ 2003 أنتجت حلاً؟ لقد جُرب الدمج الجزئي (كالحشد الشعبي) ولم يوقف الانتهاكات. الدولة الهجينة التي تجمع بين مؤسسات نظامية وأخرى موازية هي سبب الضعف.
الخيارات الآن واضحة:
1. تسليم السلاح بالكامل، والدخول في هيكل القوات المسلحة بولاء مطلق للقائد العام.
2. إنهاء التمثيل السياسي وتجميد الجنسية ومن ثم سحبها، لأن من يحمل السلاح ضد إرادة الدولة ليس مواطناً، بل عنصراً يقوض أركانها.
في النهاية: السيادة خط أحمر
لن ننجح في بناء عراق قوي ما دام القرار الخارجي ينفذ عبر رصاص داخلي. لا يمكننا أن نطلب من العالم أن يحترم سيادتنا، ونحن نسمح بأن يكون في داخلنا جيوش خاصة تتبع أوامر أخرى.
العراق لمن آمن به وحدوده ومؤسساته. أما من يحمل السلاح لمشروع خارج حدوده، فليرحل مع سلاحه، لأن الجنسية العراقية ليست استراحة محاربين، بل دار سلام للمواطنين. حان وقت الاختيار: سلطة القانون، أو قانون السلاح. ولا اجتماع بينهما.