ثمانون عاماً.. حين يتحول الحلم إلى ذاكرة، والذاكرة إلى وطن
الوفاءُ كيف يبقى واقفاً
ثمانون عاماً.. رقمٌ يبدو للوهلة الأولى مجرد محطة على شريط الزمن، لكنه في الحقيقة سِفرٌ كاملٌ من العذاب والصمود، سِفرٌ كُتب بالدم قبل أن يُكتب بالحبر، وبالجبال قبل أن يُكتب بالبيانات السياسية. في السادس عشر من آب عام 1946، وفي لحظة كانت فيها كوردستان مجرد اسمٍ يُهمَس به خوفاً من بطش الأنظمة، وُلد الحزب الديمقراطي الكوردستاني، لا كتنظيمٍ سياسي عابر، بل كعقدٍ وجودي بين شعبٍ يرفض أن يُمحى، وقائدٍ آمن بأن الحلم حين يُحاط بالإيمان يتحول إلى مشروع أمة.
الخالدان.. حين يكون الرحيل انتصاراً لا هزيمة
من عمق الفلسفة الكوردية القديمة التي تقرأ الموت كامتدادٍ للحياة لا كنهايةٍ لها، يبقى المشهد الأكثر إيلاماً وجلالاً في تاريخ هذا الحزب هو رحيل مؤسسه، الخالد الملا مصطفى البارزاني، في إحدى مستشفيات الغربة عام 1979، بعيداً عن جباله التي أحبها، ثم رحيل نجله ورفيق دربه الخالد إدريس البارزاني، "مهندس السلام"، الذي حمل الأمانة بصمتٍ ونُبل قبل أن يوافيه القدر هو الآخر بعيداً عن الوطن. غير أن التاريخ، بسخريته العادلة أحياناً، أعاد الجثمانين معاً عام 1993 إلى تراب بارزان، في مشهدٍ يختصر فلسفة القضية الكوردية بأكملها: الغياب المؤقت لا يلغي الحضور الأبدي، والجسد قد يُنفى، لكن الرمز لا يُنفى أبداً. هما اليوم ليسا ذكرى تُستعاد في المناسبات، بل حضورٌ أخلاقي يُقاس عليه كل قرار، وكل موقف، وكل خطوة نحو المستقبل.
أيلول وگولان.. ثورتان، ووجهٌ واحد للكرامة
لم يكن نضال هذا الحزب خطاً مستقيماً هادئاً، بل كان موجاتٍ متتالية من الثورة والانكسار وإعادة البناء. ثورة أيلول لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين البيشمركة والجيش العراقي، بل كانت إعلاناً فلسفياً بأن الإنسان الكوردي رفض، منذ ذلك الحين، أن يكون هامشاً في وطنه. ثم جاءت ثورة گولان لتكمل المسار، لا كتكرارٍ للماضي، بل كنضجٍ له؛ فقد حملت معها جيلاً جديداً من المقاتلين والسياسيين ممن آمنوا أن الكفاح المسلح لا قيمة له إن لم يُفضِ في النهاية إلى بناء دولةٍ ومؤسسات. بين الثورتين، تكوّنت الهوية السياسية الحديثة لكوردستان: شعبٌ يقاتل من أجل أن يحكم نفسه بنفسه، لا من أجل الانتقام أو الزوال.
الاستمرارية.. حين يصبح النهج أهم من الأشخاص
في فلسفة القيادة الكوردستانية الحديثة، ثمة درسٌ عميق يستحق التأمل: أن يتحول الإرث من حالةٍ عاطفية إلى منهجٍ مؤسسي. فخامة الرئيس مسعود البارزاني، الذي حمل راية الحزب بعد الخالد والده، لم يكتفِ بحراسة الذاكرة، بل حوّلها إلى بوصلةٍ سياسية عبرت بكوردستان من مرحلة الكفاح المسلح إلى مرحلة بناء الإقليم الفدرالي. ومن بعده، جاء جيلٌ ثالث يقود المشهد اليوم: السيد نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان، الذي جسّد في مسيرته فلسفة الدبلوماسية الهادئة وبناء الجسور مع بغداد والعالم، والسيد مسرور بارزاني، رئيس مجلس وزراء الإقليم، الذي حمل على عاتقه مسؤولية الأمن والاستقرار والإدارة في أشد المراحل تعقيداً، من مواجهة الإرهاب إلى إدارة الأزمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة. هذه الاستمرارية ليست وراثةً عائلية بالمعنى الساذج الذي يروّج له الخصوم، بل هي استمرارية نهجٍ ورؤية، اختبرها التاريخ ولم يسقطها.
مسعود البارزاني.. من كهوف المقاومة إلى طاولة بناء العراق الجديد
حين سقط نظام صدام حسين عام 2003، لم يكن الرئيس مسعود البارزاني حاضراً في المشهد كطرفٍ عابر، بل كان أحد المهندسين الفعليين لفكرة "العراق الفيدرالي الديمقراطي"، ذلك المفهوم الذي بدا حلماً بعيد المنال لعقود، فتحول بفضل إصراره وحنكته السياسية إلى بندٍ دستوري يعترف لأول مرة في تاريخ العراق الحديث بالكورد كشريكٍ لا كرعية. لم تكن البيشمركة يومها قوة مساندة هامشية، بل كانت الرمح الذي شارك في كسر ظهر الدكتاتورية، مقاتلةً جنباً إلى جنب في الشمال بينما كانت بغداد تترنح تحت وطأة الحرب. وحين تنفّس العراق الجديد أنفاسه الأولى، كان صوت مسعود البارزاني من أعلى الأصوات المطالبة بدستورٍ يصون التعددية، ويعترف بالفيدرالية لا كمنّةٍ، بل كحقٍّ تاريخي مشروع.
ثم جاء الاختبار الأعظم عام 2014، حين اجتاح تنظيم داعش الإرهابي مساحات شاسعة من العراق، وانهارت جيوشٌ نظامية كاملة أمامه في أيام، بينما وقفت البيشمركة، بقيادة الرئيس بارزاني، كالجدار الذي لم يسقط. لم تكن تلك المعركة معركة أرضٍ فقط، بل كانت معركة وجود، وقد قدّمت كوردستان فيها من الدم والشهداء ما جعلها، بحق، الحائط الأخير الذي تحطمت عليه أسطورة "الخلافة" المزعومة، وحمت بذلك ليس أبناءها فقط، بل مكوّنات العراق كافة والمنطقة بأسرها من كابوسٍ كان يمكن أن يمتد أبعد بكثير لولا تضحيات البيشمركة.
إقليمٌ يزدهر رغم الحصار.. فلسفة البناء في وجه الحرمان
في مفارقةٍ تستحق التأمل الفلسفي، نهض إقليم كوردستان، بقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ليبني نموذجاً يكاد يكون فريداً في المنطقة: أمنٌ واستقرار حين تشتعل من حوله الحرائق، وتعايشٌ سلمي حقيقي بين الكورد والعرب والتركمان والكلدو-آشوريين والإيزيديين والمسيحيين، في مشهدٍ يُحرج كثيراً من الأنظمة المجاورة التي ما زالت تتاجر بالطائفية والقومية. لم يكن هذا التقدم صدفة، بل نتاج نهجٍ علماني الطابع في إدارة الدولة، انعكس في تطور ملموس بالتعليم والصحة والبنية التحتية والاقتصاد المنفتح على الاستثمار، وفي علاقات دبلوماسية نسج خيوطها الإقليم مع دول العالم بصورةٍ جعلت أربيل عاصمةً لحوارٍ إقليمي ودولي متوازن، لا مجرد عاصمة إقليمٍ فيدرالي.
غير أن هذا الازدهار لم يُبنَ في بيئةٍ رحيمة، بل في وجه حصارٍ ممنهج. فمنذ عام 2003 وحكومات بغداد المتعاقبة تتعامل مع حقوق الإقليم الدستورية بمنطق المِنّة لا الاستحقاق: من احتلال كركوك والمناطق الكوردستانية المتنازع عليها بالقوة العسكرية، إلى قطع الميزانية الاتحادية عن الإقليم وحرمانه من حصته المالية والإدارية المشروعة، وصولاً إلى قطع رواتب موظفي كوردستان في أكثر من محطة، في عقابٍ جماعي طال المواطن البسيط قبل أن يطال الحكومة. وكأن التاريخ يعيد نفسه بصيغةٍ أخرى، حين تحوّلت الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، والمصنّفة دولياً كمنظمات إرهابية، إلى أداةٍ لقصف مدن كوردستان وأهدافها الحيوية، في وضح النهار وأمام صمتٍ رسمي عراقي مريب، وكأن دم الكوردي في هذه المعادلة أرخص من أن يستحق موقفاً أو إدانة.
في المعنى الفلسفي للذكرى
ثمانون عاماً تعني أن جيلاً كاملاً وُلد ومات دون أن يرى كوردستان حرة بالكامل، لكنها تعني أيضاً أن الأمل، حين يُؤسَّس على مؤسسات لا على أشخاص فقط، يستطيع أن يعبر الأجيال دون أن يذبل. الحزب الديمقراطي الكوردستاني، في جوهره الفلسفي، ليس حزباً بالمعنى الحديث للكلمة، بل هو "مدرسة وجودية" علّمت شعباً بأكمله كيف يحوّل الألم إلى مشروع، والمنفى إلى ذاكرة، والذاكرة إلى دولة.
وحين نستعرض ثمانين عاماً من التضحيات، من دم الخالدَين إلى قصف الطائرات المسيّرة الأخير، وحين نرى إقليماً يُبنى بيدٍ ويُحاصَر باليد الأخرى، لا يبقى مجالٌ للمواربة في الإجابة عن سؤال: من يحمي كوردستان؟ فالتجربة، لا الخطابة، هي من تُجيب: أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بقيادته التاريخية والراهنة، ظلّ وحده الجهة التي لم تتخلَّ عن السلاح حين وجب حمله، ولم تتنازل عن الدبلوماسية حين وجب انتهاجها، ولم تصمت يوماً عن حقٍّ كوردستاني مهما بلغ ثمن المطالبة به. في زمنٍ تتقاذف فيه المنطقة أعاصير الفوضى والتدخلات، وفي ظل حكوماتٍ عراقية متعاقبة اختارت الحصار بدل الشراكة، يبقى هذا الحزب، بمشروعيته التاريخية وتضحياته الموثّقة بالدم لا بالشعارات، الضامن الوحيد لبقاء كوردستان حرةً، آمنةً، ومنتصبة القامة. التاريخ وحده، كما علّمنا بارزان، لا يجيب بالكلمات، بل بالصمود.