بالوثائق : من ابن خلكان إلى الأمير كوكبري.. رجال صنعوا جسرا ممتدا للعلم والقوة بين أربيل و مصر

بالوثائق : من ابن خلكان إلى الأمير كوكبري.. رجال صنعوا جسرا ممتدا للعلم والقوة بين أربيل و مصر
بالوثائق : من ابن خلكان إلى الأمير كوكبري.. رجال صنعوا جسرا ممتدا للعلم والقوة بين أربيل و مصر

ما بين أبناء أربيل والشعب المصري علاقة كشفت عنها كتب ووثائق منها ما جاء في مكتبات مصر من مجلدات عن ابن خلكان ، والأمير كوكبري ، وهما ممن ربطوا بين الثقافة الأربيلية ومصر،وأمدو جسورا بين المدينتين القاهرة وأربيل.

ولم تكن أربيل عبر تاريخها مدينة حدود أو محطة على طرق القوافل فحسب، بل كانت واحدة من أهم الحواضر العلمية في المشرق الإسلامي، حتى غدت في القرنين السادس والسابع الهجريين مقصدًا للفقهاء والمحدثين والأدباء، ومنبعًا لعلماء تركوا آثارًا بارزة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.وهو ما أكده شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب في عدة لقاءات مشيرا إلى أن أهل كوردستان لهم مالهم في قلوب المصريين من حب وحفاوة بحكم العلاقات التاريخية .

وفي الوقت الذي ازدهرت فيه أربيل بالمدارس والمكتبات وحلقات العلم، كانت مصر تمثل القلب النابض للحياة العلمية والثقافية، بما تضمه من الجامع الأزهر، والمدارس الصلاحية، والمؤسسات التي أنشأها السلاطين الأيوبيون ثم المماليك، فأصبحت القاهرة ملتقى العلماء الوافدين من مختلف الأقاليم، ومن بينهم عدد من أبناء أربيل الذين وجدوا فيها بيئة علمية رحبة أتاحت لهم التدريس والتأليف والقضاء، بينما عاد بعضهم إلى بلاده بعد أن نهل من علومها أو نشر فيها علمه.

وتكشف كتب التراجم والتاريخ أن العلاقة بين أربيل ومصر لم تكن علاقة عابرة، بل كانت جزءًا من حركة علمية واسعة ربطت المشرق الإسلامي بعضه ببعض. فالعالم في ذلك العصر لم يكن حبيس مدينة أو إقليم، وإنما كان يرتحل بين مراكز العلم، فيبدأ رحلته في أربيل أو الموصل أو بغداد، ثم يقصد دمشق والقاهرة.

ومنها "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان" لابن خلكان "ت 681 هـ"وهو أهم كتاب ترجم لعلماء وأمراء تلك الفترة. وكما هو معروف أن مؤلفه إربلي الأصل وُلد بها، ورحل إلى مصر وتولى بها مناصب، ودوّن في كتابه تراجم لأعلام أربيل ومصر على حد سواء (مثل ترجمته للأمير مظفر الدين كوكبري ولصلاح الدين الأيوبي). ثم "سير أعلام النبلاء" و"تاريخ الإسلام" للذهبي "ت 748 هـ" حيث أفرد الإمام الذهبي تراجم موسعة لعلماء أربيل الذين قدموا إلى مصر والتقوا بعلمائها أو أقاموا بها للتدريس والقضاء، متتبعًا شيوخهم وتلامذتهم في الإقليمين.

ومن الوثائق أيضا كتاب"الوافي بالوفيات" و"أعيان العصر وأعوان النصر" للصلاح الصفدي "ت 764 هـ" حيث يعد الصفدي من أكثر من وثق حركة العلماء والرحالة بين المشرق ومصر والشام في تلك العصور، وذكر العديد من الفقهاء والمحدثين ممن يحملون نسبة "الإربلي".

ومنها أيضا "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" لابن حجر العسقلاني "ت 852 هـ" وثّق العلماء الذين عاشوا في القرن الثامن الهجري وربطوا بين العراق/أربيل ومصر، وسجل الوظائف العلمية التي تولوها في القاهرة والإسكندرية.
ومن هنا أصبحت مصر بالنسبة لكثير من علماء أربيل محطة كبرى في مسيرتهم العلمية، كما أصبحت أربيل أحد الروافد المهمة التي أمدت القاهرة بعلماء وفقهاء ومحدثين وقضاة كان لهم حضورهم في الحياة الفكرية.

ابن خلكان.. والامتزاج الحضاري

ويظل القاضي والمؤرخ ابن خلكان أبرز أبناء أربيل الذين ارتبط اسمهم بمصر. فقد وُلد في أربيل سنة 608 هـ، وتلقى علومه الأولى فيها، ثم رحل إلى القاهرة التي كانت آنذاك عاصمة العالم الإسلامي من الناحية العلمية والسياسية. وفي مصر توسعت معارفه، واتصل بكبار العلماء، ودرّس وتولى مناصب علمية وقضائية، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى دمشق.

وخلال هذه الرحلة العلمية وضع أشهر مؤلفاته، (وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان)، الذي يعد من أعظم كتب التراجم في التراث العربي والإسلامي، ولا يزال حتى اليوم مرجعًا أساسيًا للمؤرخين والباحثين. وقد جسّد ابن خلكان نموذج العالم الأربيلي الذي جمع بين ثقافة المشرق وخبرة مصر العلمية، فخرج إنتاجه الفكري معبرًا عن هذا الامتزاج الحضاري.

ولم يكن ابن خلكان حالة منفردة، بل سبقته ولحقته أسماء أخرى حملت النسبة إلى أربيل، ووردت تراجمها في مؤلفات كبار أصحاب كتب الطبقات والتراجم مثل الذهبي، وابن حجر العسقلاني، والسخاوي، والصفدي، وغيرهم. وقد استقر بعض هؤلاء العلماء في القاهرة سنوات طويلة للتدريس أو القضاء أو الإفتاء، بينما أقام آخرون فيها مدة من الزمن قبل أن يعودوا إلى العراق أو ينتقلوا إلى الشام، في إطار حركة علمية نشطة جعلت من القاهرة مركزًا مفتوحًا لاستقبال العلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

الأمير مظفر الدين كوكبري.. محارب حطين

وقد ساعد على هذه الحركة العلمية ما بلغته أربيل من ازدهار كبير في عهد الأمير المظفر كوكبوري، الذي عُرف برعايته للعلم والعلماء، فأنشأ المدارس، وأوقف الأوقاف على طلبة العلم، وشجع التأليف والنسخ، حتى أصبحت المدينة من أشهر المراكز العلمية في عصرها. ولم يكن غريبًا بعد ذلك أن يخرج من مدارسها عدد من الفقهاء والمحدثين الذين واصلوا رحلتهم العلمية في القاهرة ودمشق وبغداد.

ويعد الأمير مظفر الدين أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين بن محمد (27 محرم 549 هـ / 1153 م - 14 رمضان 630 هـ / 1232 م)، حاكم أربيل في عهد صلاح الدين الأيوبي، من أكثر من أحبوا مصر، وكان قد دخل في طاعة صلاح الدين الأيوبي دون حرب، كما تزوج أخته.

وشارك (مظفر الدين) في معظم الحروب التي خاضها صلاح الدين ضد الصليبيين، بدءًا من فتح (حصن الكرك) سنة 580 هـ / 1184 م من صاحبه (أرناط) الذي كثيرا ما كان يتعرض للقوافل التجارية بالسلب والنهب. كما تولى قيادة جيوش الموصل والجزيرة في معركة حطين، ويُذكر أنه هو الذي أوحى بفكرة إحراق الحشائش التي كانت تحيط بأرض المعركة حين وجد الريح في مواجهة جيش الصليبيين، كما يذكر التاريخ نجاح خطته ووضوح أثرها في هزيمة الجيش الصليبي.

مناخ علمي وأثر ممتد

وكانت مصر في تلك الفترة تمثل الامتداد الطبيعي لهذه النهضة. فالسلطان صلاح الدين الأيوبي، ومن بعده خلفاؤه، أولوا عناية كبيرة بإنشاء المدارس ودور الحديث والخوانق، وأصبحت القاهرة مركزًا يقصده العلماء من المشرق والمغرب. ولذلك وجد أبناء أربيل في مصر مناخًا علميًا يسمح لهم بالتدريس والمناظرة والتأليف، كما وجدوا مجتمعًا يقدر العلماء ويمنحهم المكانة التي يستحقونها.

ولم يقتصر أثر هؤلاء العلماء على حلقات الدرس، بل امتد إلى القضاء والإدارة والتأليف. فقد تولى بعضهم مناصب القضاء، وأسهموا في نشر الفقه والحديث، وشاركوا في إثراء المكتبة الإسلامية بالمؤلفات التي بقيت مراجع معتمدة عبر القرون. وكانوا يمثلون حلقة وصل بين المدرسة العلمية في أربيل والمدرسة العلمية في القاهرة، وهو ما أتاح تبادل المناهج والأفكار والروايات الحديثية، وأسهم في توحيد الحركة العلمية في العالم الإسلامي.

رحلات علمية 

كما أن رحلاتهم العلمية تعكس طبيعة الثقافة الإسلامية في ذلك العصر، حيث لم تكن المعرفة تعرف حدودًا جغرافية. فقد كان العالم ينتقل من مدينة إلى أخرى بحثًا عن شيخ أو كتاب أو إجازة علمية، وهو ما جعل القاهرة تضم علماء من العراق وخراسان وبلاد فارس والشام والجزيرة الفراتية، وكان لأبناء أربيل نصيب واضح في هذا المشهد العلمي الواسع.

ومن اللافت أن كثيرًا من هؤلاء العلماء ظلوا يحتفظون بالنسبة إلى مدينتهم، فاشتهروا بلقب (الإربلي) حتى بعد استقرارهم في القاهرة أو دمشق، وهو ما يعكس اعتزازهم بموطنهم الأول، وفي الوقت نفسه يعبر عن المكانة العلمية التي كانت تتمتع بها أربيل، إذ أصبحت النسبة إليها علامة على الانتماء إلى مدرسة علمية عريقة.

جسور المعرفة عبر التاريخ

ولم تكن الرحلة من أربيل إلى مصر رحلة انتقال جغرافي فحسب، بل كانت رحلة معرفة وتفاعل حضاري. فالعالم الذي يغادر أربيل إلى القاهرة كان يحمل معه ما تعلمه في مدارسها، ثم يعود – إذا عاد – بخبرات جديدة ومناهج مختلفة، أو يستقر في مصر ليصبح جزءًا من نهضتها العلمية. وبهذا تشكلت شبكة واسعة من العلاقات العلمية التي ربطت بين المدينتين، وأسهمت في انتقال العلوم والأفكار عبر أجيال متعاقبة.

لقد احتضنت مصر علماء أربيل كما احتضنت علماء سائر الأقاليم الإسلامية، وكانت القاهرة بحق عاصمة مفتوحة للعلم، لا تفرق بين عالم جاء من أربيل أو بغداد أو دمشق أو فاس، وإنما تفتح أبوابها لكل صاحب علم. وفي المقابل، أسهم أبناء أربيل في إثراء الحياة العلمية المصرية بما حملوه من معارف وروايات ومؤلفات، فأصبحوا جزءًا من تاريخها الفكري، كما بقوا جزءًا من الذاكرة العلمية لمدينتهم.

وهكذا تكشف سيرة العلماء الأربليين الذين وفدوا إلى مصر عن صفحة مضيئة من صفحات التواصل الحضاري بين المشرق ووادي النيل، وتؤكد أن العلم كان دائمًا الجسر الأقوى الذي جمع الشعوب الإسلامية، وأن أربيل، بما أنجبته من علماء وفقهاء ومؤرخين، كانت واحدة من المدن التي أسهمت في بناء الحضارة الإسلامية، بينما ظلت مصر القلب الذي احتضن هذه العقول، وفتح أمامها آفاق التأثير والإبداع، لتبقى العلاقة بين المدينتين شاهدًا على أن المعرفة كانت، وما زالت، أوسع من الحدود، وأبقى من تقلبات السياسة وتعاقب الدول.