لينا ساليي
كاتب
أسطورة «زمبيل فروش» أو بائع السلال الكوردي
تعد حكاية «زمبيل فروش» إحدى أكثر الملاحم الفولكلورية والدينية شهرة وتأثيراً في الأدب الكوردي. وهي مزيج فريد يجمع بين لوعة العشق، وطهارة النفس، والزهد في ملذات الدنيا الفانية.
تبدأ قصتنا في سهول كوردستان الشاسعة، حيث تركض الخيول، وتحلق الصقور، وهناك موكب لأمير شاب يدعى الأمير سعيد، ابن حاكم ذي نفوذ وسلطان.
وأثناء رحلة للصيد، يبتعد الأمير فجأة عن حراسه، وفجأة تتوقف خيله عند حافة مقبرة قديمة. في تلك اللحظة، اتسعت عينا الأمير بذهول، وتصلبت نظراته دون رمش، وهو ما يعرف في الفراسة بتثبيت الرعب، حيث تحاول العين استيعاب التفاصيل المروعة وتخزينها، بينما تتراجع لمعة الطيش والغرور ليحل محلها نظرات الانكسار والزهد المفاجئ.
ينقطع أي صوت في الخلفية، ويصبح الصمت سيد الموقف. وفي هذه الأثناء، ينفتح فمه فتحة صغيرة غير مقصودة مع جفاف الريق، وهي علامة تدل على سقوط الهيبة أمام هيبة الموت، حيث يتوقف اللسان عن النطق وتتجمد الكلمات.
وهنا... يلتفت الأمير ببطء نحو حراسه وموكبه، وكأن روحاً أخرى قد سكنت جسده. يسقط من يده لجام فرسه، وينظر إلى تراب القبر المفتوح والجثة الهامدة، ليدرك في تلك اللحظة الخاطفة أن كل جاهه وسلطانه ونفوذه ليس سوى قشرة زائلة أمام هذه الحقيقة العارية الرابضة في جوف السهول.
يخيم صمت جنائزي على المكان. تتلاشى أصوات ضحكات الجنود، وتجف الدماء في عروق الأمير الشاب. في تلك اللحظة الخاطفة، اصطدمت روح مير سعيد بالحقيقة العارية للوجود، وتزلزلت الأرض تحت قدميه، ولم تعد لزينة الدنيا قيمة.
وفي قرار مشحون بالقوة، قرار يزلزل أركان موكبه ويهز قناعات حراسه، وبينما يرتد بصره عن الجثة الهامدة، يخلع الأمير تاجه المرصع بالياقوت، ويلقي بعباءته الأميرية المخملية على التراب، معلناً هجران العرش والجاه، ليرتدي ثوب الدراويش الطاهر، باحثاً عن سكينة الروح لا بريق السلطة.
في تلك الأثناء، خفتت بهارج الإمارة وتلاشت أطياف الموكب الملكي، لتبدأ مرحلة التحول العظيم في جوهر الأمير وسلوكه. لقد انخلع تماماً من رداء الجاه، وبدأ يسير حافي القدمين على الأرض العارية كأي إنسان بسيط، يلتمس طهارة العيش في خشونة السعي. وتحولت هاتان اليدان اللتان ما اعتادتا إلا ملامسة الحرير واللجام، إلى يدين خشنتين وقاسيتين، تشققتا بفعل العمل الدؤوب، وهما تنسجان خوص النخيل وأقمشة الخيش بمتانة فائقة وإحكام صلب.
ومع مرور الأيام، صار يتنقل في طرقاته وهو يحمل على ظهره سلال الزنابيل المصنوعة يدوياً.
اختفت ثنيات القلق والترقب التي ظهرت عند القبر المفتوح، ليحل محلها جبين أملس ومفرود ينطق بالرضا التام والتحرر من شهوات الدنيا.
تراجعت نظرة الرعب وتلاشت معها لمعة الغرور القديمة، وبدلاً منها، استقرت في عينيه نظرة عميقة وثابتة تفيض بالنور الروحي، تعكس طمأنينة النفس التي تطهرت، فصار رأسه وسائر جفونه يشعان بضياء مهيب يبسط هيبته الزاهدة على كل من يراه. إنه تحول كامل من السلطان المستهلك إلى الزاهد الذي يكسب قوته من عرق جبينه وحلال يده.
كان الأمير يجلس في خلوته، محاطاً بأدواته البسيطة المستمدة من قلب الطبيعة: سعف النخيل (الخوص) الجاف، وألياف القش المرنة، وخيوط القنب أو الخيش المتينة، وإناء واسع من الماء. وكانت خطوات صناعته للزنابيل تجري كطقس تعبدي تأملي.
يبدأ بغمر سعف النخيل الجاف في الماء، وهي خطوة نفسية وجسدية؛ فكما يلين الماء الخوص ليصبح مطاوعاً ولا يتكسر، كان الأمير يروض نفسه لتلين لخشونة القدر الجديد.
تشقيق السعف: يمسك السعفة بيديه الخشنتين، ويقوم بشقها طولياً بأظافره بإحساس مرهف، ليحولها إلى شرائط خوص متساوية ودقيقة، جاهزة للنسيج.
يضع أربع أو ست شرائط متقاطعة في المنتصف، ليربطها في نقطة مركزية متينة تسمى قلب الزنبيل، وهي القاعدة البدائية التي ينطلق منها البناء.
الحياكة الدائرية (السف): بحركات إيقاعية هادئة، تبدأ أصابعه الطويلة بتمرير شرائط الخوص، واحدة فوق الأخرى، وواحدة تحت الأخرى. ومع كل دورة، يدمج خيوط القماش لتقوية النسيج، ويشد الخوص بقوة مستخدماً إبهامه، حتى يتداخل السعف ويشتد عوده ويرتفع جسم السلة.
عند الوصول إلى الارتفاع المطلوب، يثني الأطراف الزائدة ويدخلها بذكاء بين الثنايا لكي لا تنفك، ثم يجدل شريطين سميكين ومحكمين من الخوص ليمثلا الآذان أو المقابض التي يحمل منها سلاله، ليرفعها في النهاية على ظهره، ويبسط بها في الأسواق بنور وجهه وكسبه الحلال.
لتتبدل ملامح الأمير المترف لتصبح ملامح زاهد وادع. ولكسب قوته الحلال، احترف مهنة صنع السلال، فبات الناس يلقبونه في الأسواق بـ«زمبيل فروش» (بائع السلال). وجهه يفيض بنور رباني، وصوته الجهوري ينادي بيقين يلامس قلوب المارين. لقد استبدل قصر الخلافة ببيوت القش، وباتت السلال البسيطة هي كل ملكه في الدنيا.
تظهر قصر حاكم المدينة الشاهق. على الشرفة، تقف زوجة الأمير (الخاتون)، امرأة يقطر وجهها حسناً ودلالاً. يمر زمبيل فروش من تحت القلعة منادياً على بضاعته. تقع عين الخاتون عليه، فتيتم بجماله وهيبته الروحية، وتأمر حراسها بإدخاله إلى باحة القصر بحجة شراء السلال.
تغلق الأبواب الضخمة خلف بائع السلال، ليجد نفسه في مواجهة إعصار من الفتنة. تقترب منه الخاتون بخطوات واثقة، يفوح منها عطر الياسمين، عارضة عليه مجوهراتها وذهبها وقلبها، مقابل نظرة حب أو وصال.
يتراجع زمبيل فروش إلى الوراء، وعيناه غضيضتان نحو الأرض. هنا تتجلى ذروة الصراع الدرامي بين شهوة الدنيا الفانية وطهارة الروح الباقية.
تقول الخاتون:
«يا بائع السلال، أقبل أيها الشاب الفتي، سأشتري منك سلالك بالدر والياقوت والذهب الخالص».
فيجيبها زمبيل فروش بصوت يملؤه الورع والخوف من الله:
«يا سيدتي الخاتون، إنني تائب لرب العالمين، ومن عذاب يوم عظيم أنا خائف، وفضل ربي ومغفرته هو كل ما أرجو وأرتجي».
وحين تضيق به السبل، وتوشك الغواية أن تحاصره، يلتفت إلى نافذة القصر الشاهقة، وبلا تردد، يلقي بنفسه من الأعالي إلى الهاوية، مفضلاً الموت والمجازفة بالجسد على أن تدنس الخطيئة روحه الطاهرة.
لم تكن قصة «زمبيل فروش» مجرد حكاية عابرة، بل تحولت إلى رمز كوني كوردي للدفاع عن العفة، والشرف، والعيش البسيط النقي.
«زەمبیل» أو «الزنبيل» هو وعاء وسلة يدوية كلاسيكية تعبق بروح التراث، (سەبەتەیەکی دەستکردی کلاسیکییە)، وهذا الوعاء الذي يتعرف عليه المرء للوهلة الأولى كأنه قطعة نبتت من الأرض.
يصنع أساساً من غلاف أو أوراق أشجار النخيل (لە بەرگ یان گەڵای دارخورما دروست دەکرێت). والمادة الخام الأساسية هي السعف (ماددەی سەرەکی: لە گەڵای دارخورما دروست دەکرێت)، وتبدأ أنامله بحياكة وتداخل الخيوط التي تزين زهورها بألوان زاهية ومختلفة (زۆرجار بە ڕەنگی جیاواز دەڕازێنرێتەوە)، لتمنحها مظهراً آسراً للعين.
تأخذ هذه الأداة التراثية في تكوينها أشكالاً هندسية؛ إما شكلاً مستطيلاً أو مربعاً أو دائرياً (شێوەیەکی چوارگۆشە یان بازنەیی هەیە)، ويميزها وجود مقبضين قصيرين لكي تحمل باليد بيسر وسهولة (دوو دەسکی کورتی هەیە بۆ ئەوەی بە ئاسانی بە دەست هەڵبگیرێت).
ومن أبرز صفات الزنبيل أنه صلب للغاية ويدوم طويلاً (تایبەتمەندی: زۆر بەهێز و درێژخایەنە)، حيث كان في الماضي الجميل البديل الأساسي والأوحد لأكياس النايلون البلاستيكية (لە ڕابردوودا جێگرەوەی سەرەکی کیسەی نایلۆن بووە).
أما عن فلسفة استخدامه وحركته في الحياة اليومية، فكان الزنبيل رفيق الإنسان في كل مكان (لە کوێ بەکاردەهات؟). نراه تارة في مشهد الأسواق وحركة التبضع (بازاڕکردن)، حيث كان الناس يأخذونه معهم إلى السوق لشراء الخضار والفواكه واللحوم (خەڵک دەیانبردە بازاڕ بۆ کڕینی سەوزە، میوە، و گۆشت)، ليمتلئ بألوان الطبيعة.
وفي الحقول ومجال الزراعة (کشتوکاڵ)، حيث كان الفلاحون والمزارعون يستفيدون منه كأداة وفية لجمع ونقل محاصيلهم وخيرات أرضهم (جوتیاران بۆ کۆکردنەوە و گواستنەوەی بەرهەمەکان سوودیان لێ دەبینی)، ليبقى الزنبيل بذلك شاهداً حياً على بركة العمل وبساطة العيش الروحية.