الانسداد التشريعي في كوردستان.. التحديات والحلول

الانسداد التشريعي في كوردستان.. التحديات والحلول
الانسداد التشريعي في كوردستان.. التحديات والحلول

​تشهد الساحة السياسية في إقليم كوردستان حالة من الركود والتعطيل المؤسساتي، حيث انقضى عشرون شهراً على إجراء الانتخابات البرلمانية دون النجاح في انتخاب هيئة رئاسة البرلمان، ما انعكس سلباً على بقية المفاصل الدستورية والتنفيذية. هذا التعطيل يُبرز حجم الفجوة بين الإرادة الشعبية الصريحة التي عبر عنها الناخب الكوردستاني، وبين التوازنات الحزبية التي تهيمن على المشهد.

​عقبات تشكيل هيئة رئاسة البرلمان والمعطلون

​تتمثل العقدة الرئيسية في غياب التوافق السياسي حول توزيع المناصب السيادية والقيادية، فضلاً عن المحاصصة الحزبية وشروط فرض الإرادات بين الكتل الرئيسية. إن المسار التشريعي تعثر نتيجة لعدة عوامل:

۱. ​اشتراط الصفقة الشاملة: ربط عملية انتخاب هيئة رئاسة البرلمان بمسار تشكيل الكابينة الحكومية العاشرة بشكل مسبق، مما حوّل المؤسسة التشريعية إلى ورقة تفاوضية.

۲. ​تكتيكات التعطيل الإرادي: لجوء بعض الأطراف والتحالفات إلى مقاطعة الجلسات أو كسر النصاب القانوني لمنع استكمال الهيكل القيادي للبرلمان.

۳. ​غياب المرونة السياسية: تمسك بعض القوى بمطالب وتوازنات لا تعكس حجم نتائج الانتخابات بل تسعى لفرض خارطة نفوذ جديدة.

​التحالفات السياسية: خدمة المواطن أم أداة للمناورة؟

​تثار تساؤلات جادة حول أدوار التحالفات الناشئة، كالتنسيق أو التوافق السياسي بين "الاتحاد الوطني الكوردستاني" و"حراك الجيل الجديد". فبينما يُطرح هذا التفاهم إعلامياً كخيار تكتيكي يهدف لإيجاد توازن قوى داخل القبة البرلمانية، إلا أنه عملياً ساهم في خلق انسداد إضافي ومنع اكتمال النصاب اللازم لتشكيل هيئة الرئاسة.

​هذا النمط من المناورات يُظهر تعارضاً بَيِّناً بين الخطاب السياسي الذي ينادي بإصلاح المؤسسات وخدمة المواطن، وبين الممارسات التي تُعطّل السلطة التشريعية وتمنعها من أداء دورها الرقابي والتشريعي.

​المبادرات السياسية وموقع صوت الناخب

​أمام هذا المشهد المعقد، برزت محاولات لكسر الجمود:

۱. ​مبادرة الرئيس مسعود بارزاني: والتي تمثلت في الدعوة إلى عقد لقاءات تجمع القوى السياسية الفائزة للتأكيد على أهمية استعادة المسار الدستوري وتحمل المسؤولية الوطنية.

۲. ​دعوات الاتحاد الإسلامي الكوردستاني: عبر حث جميع الأطراف على الجلوس إلى طاولة حوار مستديرة ومباشرة، تركز حصراً على تشكيل رئاسة البرلمان وتفعيل دورها بصرف النظر عن التجاذبات الأخرى.

​غير أن التساؤل الأهم يتجسد في: أين حق الناخب الكوردستاني؟ إن الاستمرار في مصادرة الاستحقاق الانتخابي وتهميش صوت المواطن يضعف الثقة العامة بالعملية الديمقراطية ومؤسسات الإقليم، ويحرم الشارع من سلطة شرعية تمثله وتراقب أداء السلطة التنفيذية.

​المستفيدون من تعطيل المؤسسة التشريعية

​إن استمرار الفراغ التشريعي والرقابي لا يخدم المصلحة العامة، بل يصب في صالح أطراف محددة:

۱. ​القوى الراغبة في إدارة المشهد بلا رقابة: يمنح تعطيل البرلمان مساحة أكبر للقرارات الفردية أو التوافقات الخارجية بعيداً عن المساءلة القانونية.

۲. ​الأجندات الحزبية الضيقة: التي تراهن على عامل الوقت للضغط بهدف انتزاع مكاسب وسقف مطالب أعلى في الحكومة القادمة.

​خارطة طريق للخروج من الأزمة وتشكيل الحكومة العاشرة

​لتجاوز هذه الحالة واستعادة الشرعية الإجرائية والمؤسساتية، يتوجب على القوى السياسية اتخاذ خطوات عملية وشجاعة عبر المحاور التالية:

۱. ​الفصل بين المسارين: الشروع فوراً في انتخاب هيئة رئاسة البرلمان بشكل مستقل، وعدم رهن هذا الاستحقاق التشريعي بمفاوضات تشكيل الكابينة الحكومية.

۲. ​احترام الآليات الديمقراطية: الالتزام بالأغلبية القانونية والتوقف عن تكتيكات كسر النصاب أو المقاطعة التي تعطّل المصلحة العامة وتصادر صوت الناخب.

۳. ​تغليب التوافق الوطني: الاستجابة الفاعلة للمبادرات الوطنية (كمبادرة الرئيس بارزاني ودعوة الاتحاد الإسلامي) والجلوس إلى طاولة مفاوضات جادة ومباشرة دون شروط مسبقة.

٤. ​تقديم برنامج حكومي واقعي: الإسراع في الإعداد للتشكيلة الحكومية (الكابينة العاشرة) بناءً على أولويات المواطن الخدمية والاقتصادية وتوفير الرواتب وترسيخ الاستقرار.

ال​خلاصة
إن الخروج من هذا الانسداد السياسي ليس مجرد خيار تكتيكي، بل هو ضرورة لحماية التجربة الديمقراطية في إقليم كوردستان. إن إعادة الاعتبار لصوت الناخب وإعادة الروح للمؤسسة التشريعية هما المدخل الوحيد للوصول إلى حكومة قوية ومستقرة تلبي تطلعات المواطنين وترتقي إلى مستوى المسؤولية الوطنية.