"الزمالك" حي الكورد عاش به الملوك والمشاهير وسكنته أم كلثوم ونجاة وسعاد حسني والعندليب

"الزمالك" حي الكورد عاش به الملوك والمشاهير وسكنته أم كلثوم ونجاة وسعاد حسني والعندليب
"الزمالك" حي الكورد عاش به الملوك والمشاهير وسكنته أم كلثوم ونجاة وسعاد حسني والعندليب

من أرقى أحياء مصر وأعرقها ، يسكنه مشاهير وعرب وأجانب ويكفى أن سيدة الغناء العربي أم كلثوم عاشت به ،ونجاة الصغيرة ، وسعاد حسني ، وعبد الحليم حافظ ، والعشرات من المشاهير،  وهو حي لا زال يحتفظ ببريقه وجمال شوارعه وبه كليات للفن منها الفنون الجميلة ، ويزخر بالمعارض الفنية ، وبالسفارات ، ويظ\طل على النيل  وتتقاطع شوارعه مع حي بولاق والمهندسين .

وتفسره الرواية الكردية على أن معنى " الزمالك"  تعني "مكان أو مقام الملك" ارتباطاً بالفخامة والقصور التي ظهرت في الحي لاحقاً. وأنها مشتقة من كلمة "زوملوك"Zomlok  "الكوردية، والتي تعني العِشّة أو الكوخ المصنوع من القش والخشب.

وفى تفسير مصري بأن "الزمالك" كلمة تعني في الوعي المصري المعاصر مرادفة لهذا الحي الأكثر هدوءًا ورقيًا، لكن هذا الاسم الذي يتردد يوميًا على ألسنة الملايين يحمل وراءه حكاية تاريخية تمتد قرونًا، وتتقاطع فيها اللغة مع الجغرافيا، ويبرز فيها الحضور الكوردي في مصر بوصفه أحد المكونات الحضارية التي تركت بصمتها في أسماء الأماكن كما تركتها في السياسة والعلم والعمران.

وتؤكد الباحثة الدكتورة درية عوني، في كتابها “الأكراد في مصر عبر العصور”، أن كلمة “الزمالك” ذات أصل كوردي، وتعني “مصيف الملوك” أو “مصيف المشاهير”، مشيرة إلى أن الجزيرة التي تحمل هذا الاسم كانت مقصدًا لملوك الدولة الأيوبية وأمرائها لقضاء أوقات الراحة والاستجمام بين بساتينها وعلى ضفاف النيل. ولا تنظر عوني إلى الاسم باعتباره مجرد لفظ جغرافي، وإنما تعده شاهدًا لغويًا على عمق الوجود الكوردي في مصر، شأنه شأن أسماء أخرى بقيت حية حتى اليوم، مثل “درب الأكراد” في حي الخليفة بالقاهرة.

ويكتسب هذا التفسير أهمية خاصة لأنه ينسجم مع تاريخ الجزيرة نفسها. فمنذ العصور الوسطى عُرفت الجزيرة الواقعة في قلب النيل بجمالها الطبيعي وهدوئها وبعدها النسبي عن صخب المدينة، وهو ما جعلها مكانًا مناسبًا لإقامة الحدائق والاستراحات. وكانت القاهرة آنذاك تنمو على الضفة الشرقية للنيل، بينما ظلت الجزيرة مساحة خضراء تغمرها المياه في مواسم الفيضان، وتكتسي بالبساتين والأشجار، الأمر الذي منحها مكانة خاصة لدى الحكام.

ومع قيام الدولة الأيوبية في مصر في أواخر القرن السادس الهجري، دخلت البلاد مرحلة جديدة من تاريخها ارتبطت بحضور كوردي واسع في مؤسسات الحكم والإدارة والجيش. فقد جاء السلطان صلاح الدين الأيوبي إلى مصر مصحوبًا بعدد كبير من القادة والعلماء والفقهاء والأطباء من أبناء كوردستان، ثم استقرت أسر كثيرة منهم في القاهرة، وشاركت في الحياة السياسية والعلمية والثقافية. وفي هذا السياق ترى الدكتورة درية عوني أن إطلاق اسم “الزمالك” على الجزيرة يعكس هذا الامتداد الحضاري، خاصة إذا كان الاسم يعني بالفعل “مصيف الملوك”، وهو ما يتفق مع طبيعة المكان ووظيفته في ذلك العصر.

ولم تكن الجزيرة معزولة عن حركة التاريخ بعد انتهاء العصر الأيوبي، فقد احتفظت بمكانتها خلال العصرين المملوكي والعثماني، وظلت مقصدًا للنزهة والاستجمام، وإن تغيرت معالمها العمرانية عبر الزمن. ويصف المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار” جزر النيل وما كان يحيط بها من بساتين ومتنزهات، وهو ما يعكس الأهمية التي اكتسبتها هذه المناطق في الحياة اليومية للقاهرة الوسيطة، وإن لم يتناول أصل اسم الزمالك ذاته.

أما التحول الأكبر في تاريخ الجزيرة فجاء في القرن التاسع عشر، عندما شرع الخديوي إسماعيل في تنفيذ مشروعه الطموح لتحديث القاهرة على الطراز الأوروبي. واختار الجزيرة لتكون إحدى واجهات العاصمة الجديدة، فأقام عليها قصر الجزيرة وحدائقه الفسيحة لاستقبال ضيوف احتفالات افتتاح قناة السويس عام 1869، ثم أُنشئت الشوارع الواسعة والحدائق والمباني الفاخرة، لتبدأ الجزيرة مرحلة جديدة جعلتها مقرًا للأمراء وكبار رجال الدولة.

ويقدم علي باشا مبارك في موسوعته “الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة” وصفًا دقيقًا لما شهدته الجزيرة من عمران في عصر الخديوي إسماعيل، موثقًا كيف تحولت من أرض زراعية إلى حي راقٍ يضم القصور والحدائق، وهو ما رسخ مكانتها باعتبارها إحدى أجمل مناطق القاهرة.

ومع بدايات القرن العشرين، أخذ الزمالك يكتسب طابعًا ثقافيًا مميزًا، فتحولت شوارعه الهادئة إلى مقر لإقامة عدد كبير من الأدباء والصحفيين والفنانين ورجال الفكر. ولم يكن ذلك مصادفة؛ فالحي جمع بين الهدوء والقرب من قلب العاصمة، فكان بيئة مثالية للإبداع والعمل الثقافي.

وعاشت في الزمالك أو ارتبطت بها أسماء بارزة في تاريخ الثقافة المصرية، من بينها نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، ويوسف إدريس، وصلاح جاهين، كما أقام فيها عدد كبير من نجوم السينما والموسيقى، وأصبحت شوارعها ومقاهيها ملتقى للمثقفين والفنانين، حتى غدت عنوانًا للحياة الثقافية الراقية في مصر.

ومن المفارقات اللافتة أن عددًا من الفنانين المصريين الذين تنحدر أسرهم من أصول كردية ارتبطوا بالزمالك أيضًا، سواء بالإقامة أو بالعمل أو بالتردد المستمر على مؤسساته الثقافية، ومنهم أحمد مظهر، وليلى مراد، وسهير البابلي، وغيرهم من أبناء الأسر ذات الجذور الكوردية الذين كان لهم أثر بالغ في الفن المصري الحديث. ولا يعني ذلك وجود علاقة مباشرة بين أصولهم واختيارهم السكن في الزمالك، لكنه يضيف بعدًا رمزيًا إلى حي يحمل، وفق تفسير الدكتورة درية عوني، اسمًا كورديًا منذ قرون.

ولا يقف الأثر الكوردي في مصر عند أسماء الأشخاص، بل يمتد إلى أسماء الأماكن أيضًا. فالقاهرة ما زالت تحتفظ باسم “درب الأكراد”، كما توجد مواضع أخرى ارتبطت عبر التاريخ بإقامة الجند والعلماء والأسر الكوردية، وهو ما يعكس أن الوجود الكوردي لم يكن عابرًا، بل كان جزءًا من التكوين الاجتماعي والثقافي للدولة المصرية منذ العصر الأيوبي.

ولعل أكثر ما يلفت النظر في قصة الزمالك هو أن الاسم ظل حيًا بينما تغيرت العصور والدول. فقد تبدلت أنظمة الحكم، واختلفت ملامح العمران، واختفت قصور وظهرت أخرى، لكن الاسم بقي شاهدًا على مرحلة تاريخية بعيدة. وإذا كانت الدكتورة درية عوني ترى أن الكلمة تعني “مصيف الملوك”، فإن تاريخ الجزيرة يكاد يترجم هذا المعنى حرفيًا؛ فقد كانت في البداية مقصدًا للحكام، ثم أصبحت مقرًا للأمراء، وبعد ذلك تحولت إلى عنوان للنخبة السياسية والثقافية والفنية، حتى استقرت في الوجدان المصري باعتبارها رمزًا للرقي والجمال.

وهكذا، فإن الحديث عن الزمالك لا يقتصر على حي جميل في قلب القاهرة، بل يمتد إلى قراءة طبقة خفية من تاريخ المدينة، تكشف كيف يمكن لاسم مكان أن يحتفظ بذاكرة أمة، وأن يصبح شاهدًا على تفاعل الحضارات. ومن هذا المنظور، يمثل تفسير الدكتورة درية عوني لأصل كلمة الزمالك مساهمة مهمة في فهم أحد أوجه الحضور الكردي في مصر، وهو حضور لم يقتصر على السلاطين والقادة، بل امتد إلى اللغة، وأسماء الأماكن، والثقافة، والعمران، ليبقى أثره حاضرًا في قلب القاهرة حتى اليوم.