العراق بين استحقاقات الداخل وتصدعات الإقليم.. أين موقع رئيس الوزراء الزيدي؟

العراق بين استحقاقات الداخل وتصدعات الإقليم.. أين موقع رئيس الوزراء الزيدي؟
العراق بين استحقاقات الداخل وتصدعات الإقليم.. أين موقع رئيس الوزراء الزيدي؟

يمر العراق اليوم بمرحلة بالغة الحساسية، تتقاطع فيها أزمة اقتصادية داخلية متفاقمة مع تحديات إقليمية متسارعة، تضع رئيس الوزراء علي الزيدي أمام اختبار صعب لإدارة ملفين متلازمين: استقرار الداخل، وسلامة العراق من تداعيات صراعات الجوار.

أزمة اقتصادية تتصدر المشهد

يعيش العراق وضعاً مالياً صعباً، تعكسه بوضوح تصريحات وزير الصحة عبد الحسين الموسوي الأخيرة، التي ركّزت على ضيق الحال المالي للبلاد، حين استخدم عبارة «فلوس ماكو» الدالة على شح السيولة في خزينة الدولة.

ويترجم هذا الضيق المالي على أرض الواقع تأخراً متكرراً في صرف الرواتب، بعدما كان إقليم كوردستان – في وقت سابق ولغاية الآن– هو من يعاني من أزمة رواتب موظفيه، ليجد اليوم الموظف العراقي نفسه، وكذلك المتقاعد، في بغداد والمحافظات الأخرى ينتظر راتبه المتأخر دون تطمينات حكومية جادة توضح أسباب التأخير أو موعد معالجته. 

مساعي الزيدي لإعادة العراق إلى مساره الطبيعي

في المقابل، سعى رئيس الوزراء علي الزيدي، منذ توليه المنصب، إلى إعادة العراق لوضعه الطبيعي إقليمياً، ومحاربة الفساد، والارتقاء بمستوى الأداء الحكومي، عبر ثلاثة محاور رئيسية: أولها، محاربة الفساد، حيث حقق الزيدي نجاحاً ملموساً في المرحلة الأولى من هذه المعركة، مستفيداً من التفاف الشعب العراقي حوله، ومساندة عدد من الأحزاب السياسية له، إضافة إلى الموقف الداعم لرئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني. غير أن استمرار هذا النجاح يبقى رهناً بمواصلة الجهد دون تراجع.

وثانيها، الحلول الجذرية لملفات العراق العالقة، وفي مقدمتها ملف إقليم كوردستان، من خلال معالجة مؤسساتية شاملة، والعمل المشترك على بلورة منهج عمل يطوّر أداء الدولة العراقية ككل. ومن الأمثلة اللافتة على هذا التوجه، عرض رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني نقل تجربة الإقليم الناجحة في ملف الكهرباء إلى بقية المحافظات العراقية، في محاولة لإنهاء أزمة الطاقة الكهربائية المزمنة التي تعانيها البلاد.

ثالثاها، ملف نزع السلاح وحصره بيد الدولة، حيث بذل الزيدي جهوداً جادة للتوصل إلى تفاهمات حول هذا الملف الحساس، مستنداً إلى زيارات مهمة قام بها إلى واشنطن وطهران وأنقرة، سعى من خلالها إلى تأكيد موقف العراق الرافض للانخراط في أي حرب إقليمية، وإبراز استعداد بغداد للمساهمة الفعلية في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، انطلاقاً من قناعة بأن الحرب لن تخدم مصلحة أحد.

غير أن هذه الجهود اصطدمت بمعطى ميداني مباغت، إذ جاءت الضربة العسكرية الأخيرة التي استهدفت مقرات الفصائل لتُعرقل مساعي رئيس الوزراء وتُجهض خطته لاستكمال جولته الإقليمية، وتحديداً زيارته المرتقبة إلى السعودية ودول المنطقة. وبات الزيدي أمام مهمة أكثر تعقيداً، تقترب من المستحيل، في ظل الغضب المتصاعد داخل فصائل المقاومة العراقية التي سقط من صفوفها قتلى جراء الضربات الأخيرة، وهو ما أعاد ملف نزع السلاح إلى نقطة الصفر.

كما تسببت هذه التطورات في تدهور واضح للعلاقة مع دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، وأدت إلى إلغاء الزيارة التي كان يُنتظر أن تعيد العلاقات الثنائية إلى مسار إيجابي.

وفي مؤشر آخر على حساسية المرحلة، لجأت كل من الأردن والكويت وحتى سوريا إلى توجيه تهديدات صريحة للعراق، محذّرة من أنها ستتخذ مواقف مضادة، بل وقد تُقدم على ضرب أراضٍ عراقية، في حال انطلقت أي هجمات من الأراضي العراقية باتجاه هذه الدول - وهي سابقة تُحسب بحد ذاتها في العلاقات العراقية مع محيطها.

سؤال مشروع: إلى أين تتجه المنطقة؟

في ظل هذا التصعيد المتشابك، يُطرح سؤال جوهري: أين يقف العراق اليوم، وما مصير المنطقة ومستقبلها؟

نرى أن ما يجري ليس أحداثاً سياسية وعسكرية منفصلة، بل مساراً متشابكاً يُمهّد على ما يبدو لتطورات أكبر. ومما يعزز هذا، هو ما جرى مؤخراً في إسبانيا، حين شهدت البلاد خلال أقل من 24 ساعة موجة هجرة استثنائية تجاوزت الـ 60 ألف شخص، علماً أن العدد المعتاد لا يتجاوز في أفضل الأحوال نحو 30 ألف مهاجر خلال العام الواحد بأكمله. هذا التفاوت الصادم بين الرقمين يستدعي علامة استفهام كبيرة حول ما يدفع إلى مثل هذه التحركات المفاجئة، ويرجّح أن ثمة تطورات أعمق تجري خلف الكواليس.

يضاف إلى ذلك التهديدات الأمريكية المتكررة باستهداف البنية التحتية للطاقة في إيران، مقابل تهديدات إيرانية مماثلة باستهداف منشآت الطاقة في دول الخليج والمنطقة، وهو تصعيد متبادل يرسم صورة مقلقة لما قد تؤول إليه الأوضاع. ويزيد من حدة هذا القلق الانسحاب المفاجئ للقوات الأمريكية - وقبل الموعد المحدد نهاية سبتمبر من هذا العام - من العراق، وكذلك الكويت ومناطق أخرى، في تحول لافت يستدعي المزيد من المتابعة والتحليل.

موقف حرج يتطلب دعماً حكومياً وإقليمياً

يجد رئيس الوزراء علي الزيدي نفسه اليوم في موقف حرج لا يُحسد عليه، غير أنه يواجه هذه المرحلة بقدر من القوة والإصرار، مستنداً إلى دعم الإطار التنسيقي الحاكم، وإلى الموقف المساند الذي يتخذه رئيس حكومة إقليم كوردستان. ويبقى على عاتقه أن يوضح للرأي العام حجم التحديات والصورة القاتمة التي قد تخيّم على العراق ودول المنطقة، وأن يسعى جاهداً للعب دور الوساطة بين الأطراف المتنازعة تجنباً لانزلاق الأوضاع نحو كارثة أكبر.

وفي هذا السياق، تقع على عاتق وزارة الخارجية العراقية، إلى جانب وزراء خارجية دول المنطقة، مسؤولية مباشرة في دعم جهود رئيس الوزراء، والعمل الجماعي الجاد على تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية، وبذل كل ما يلزم لتفادي أي تصعيد أو ضربة عسكرية قد تدفع بالمنطقة بأكملها نحو الهاوية.