العراق بين إدارة الأزمة وبناء الدولة: قراءة في تحديات حكومة الزيدي واستحقاقات السيادة

العراق بين إدارة الأزمة وبناء الدولة: قراءة في تحديات حكومة الزيدي واستحقاقات السيادة
العراق بين إدارة الأزمة وبناء الدولة: قراءة في تحديات حكومة الزيدي واستحقاقات السيادة

يمر العراق اليوم بواحدة من أعقد محطاته التاريخية الفارقة منذ عام 2003، إذ تجاوزت الأزمات الراهنة حدود الاختلالات الاقتصادية التقليدية والتجاذبات حول ريع النفط، لتلامس سؤالاً وجودياً أعمق: أي نمط من الدول يراد بناؤه، ومن يمتلك شرعية القرار الاستراتيجي فيه؟ فالانتقال من مشهد تتقاطع فيه مراكز القوة الموازية وتتصارع فيه النفوذ، إلى كيان دستوري جامع تطمئن فيه كل المكونات إلى عدالة الشراكة، يمثل التحدي الأبرز أمام حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، التي نالت ثقة البرلمان في أيار/مايو 2026 وسط تركة ثقيلة من الانقسامات الهيكلية والضغوط الإقليمية والدولية. 

ومن منظور القانون الدولي العام ونظرية السيادة الحديثة، يُعد احتكار الدولة وحدها للاستخدام المشروع للقوة المادية الركيزة الجوهرية لقيام أي نظام سياسي مستقر، وفقاً لمبادئ الميثاق الأممي ومفاهيم السيادة الإقليمية. غير أن الواقع السوسيولوجي والسياسي في العراق يفرض إشكالية مغايرة؛ فالدولة لا تعمل في فراغ مؤسسي، بل تتشابك فيها بنى حزبية متجذرة، وفصائل مسلحة تمتلك قواعد شعبية وذاكرة نضالية في مواجهة الإرهاب، ومكونات مجتمعية ما زالت تحمل هواجس الوجود والإقصاء. ومن هذا المنطلق، لم يعد السؤال الاستراتيجي محصوراً في كيفية فرض نزع السلاح بالقوة، بل امتد إلى الآلية السياسية والقانونية لتنظيم «اليوم التالي» لحصر السلاح، وكيفية توفير ضمانات مؤسسية تحول دون تحول الدولة من مظلة جامعة إلى أداة هيمنة فئوية.

هواجس المكونات السياسية: بين فخ الإقصاء وضمانات الاستقرار
 
وإذا كانت معضلة السلاح تمثل أحد جوهر الأزمات التي تواجه بناء الدولة العراقية، فإن فهمها لا يكتمل من دون قراءة البسيكولوجيا السياسية للمكونات العراقية، لأن التعامل مع هذا الملف بمعزل عن الذاكرة الجماعية والهواجس المتراكمة لكل مكوّن قد يقود إلى قراءة ناقصة للواقع.

فالقوى الشيعية، ولا سيما تلك المرتبطة بالفصائل المسلحة، تنظر إلى السلاح من زاوية تاريخية باعتباره وسيلة للردع والمقاومة في مواجهة الإرهاب والتهديدات الخارجية، وترى أن التخلي عنه بصورة متسرعة قد يتركها أمام مخاوف أمنية وسياسية، أو يؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوة بطريقة تمس ما تعتبره حقوقًا وشراكة سياسية مكتسبة.

وفي المقابل، تنظر القوى السنية بقلق إلى استمرار أي نفوذ عسكري خارج الإطار الرسمي للدولة، لما يمكن أن يتركه ذلك من اختلال في التوازن المجتمعي والسياسي، ويعيد إنتاج هواجس الماضي بدل فتح صفحة جديدة من الشراكة الوطنية.

أما القوى الكوردية، فتتعامل مع القضية من زاوية مختلفة، ترتبط بطبيعة الدولة الاتحادية وحدود صلاحيات مؤسساتها، وبضرورة الحفاظ على التوازن والشراكة والتوافق بين مكونات العراق. وهي، في هذا السياق، تبحث عن دولة اتحادية واضحة الصلاحيات، تحفظ حقوق الجميع وتمنع عودة الاختلالات التي عرفها العراق خلال العقود الماضية.

وهذه الرؤية تنسجم مع ما يؤكد عليه دائمًا الرئيس مسعود بارزاني من أهمية التوافق والتوازن والشراكة في إدارة العراق، باعتبارها الطريق الأكثر واقعية لحماية الاستقرار ومنع عودة الأزمات.

وفي السياق نفسه، أبدى رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني تقاربًا ودعمًا واضحين لمساعي رئيس الوزراء علي الزيدي في معالجة الإشكاليات والخلافات العالقة بين بغداد وأربيل، وهي ملفات تراكمت على مدى أكثر من عقدين، من أجل الوصول إلى حلول تقوم على الدستور والحوار والشراكة.

ولذلك، فإن معالجة قضية السلاح لا يمكن أن تتم بمنطق الغالب والمغلوب، ولا عبر قرارات تفرضها موازين القوة المؤقتة. الطريق الأكثر استدامة هو بناء الثقة بين المكونات، ومعالجة المخاوف المتبادلة، وربط الجميع بمشروع دولة يشعر فيها الشيعي والسني والكوردي بأن أمنه وحقوقه السياسية والدستورية لا تحتاج إلى قوة موازية لحمايتها.

فحصر السلاح بيد الدولة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره نزعًا لمصدر قوة من مكوّن لمصلحة مكوّن آخر، بل باعتباره نقلًا لمفهوم الحماية من الانتماء إلى المؤسسة، ومن السلاح إلى القانون، ومن توازن القوى إلى توازن الدولة.
وهذه ربما هي المعادلة الأصعب، لكنها في الوقت نفسه الأكثر واقعية لبناء عراق مستقر لا تحكمه ذاكرة الخوف، بل ثقة المستقبل.
 

نحو تسوية وطنية جامعة

ولا سبيل للخروج من مأزق تقاطع مراكز القوة هذا إلا بصياغة تسوية وطنية متكاملة، تقوم في جوهرها على اعتبار الدولة الطرف الوحيد المخوّل بحيازة السلاح وإدارة القرار العسكري والأمني، بما يستوجب في الوقت ذاته تحييد الأراضي العراقية بشكل كامل عن أي استخدام لتنفيذ أجندات إقليمية أو صراعات بالوكالة، سواء كانت أمريكية-إيرانية أو إقليمية-إقليمية. ولا تكتمل هذه التسوية من دون مأسسة مسار واضح لإعادة دمج العناصر الراغبة ضمن الأجهزة الرسمية وفق معايير الكفاءة والمهنية، وتحويل الأنشطة الفصائلية تدريجياً إلى عمل حزبي مدني بحت يمارَس ضمن القواعد الدستورية. ويبقى الرافد الأخير والأكثر إلحاحاً هو الضمانات القضائية والسياسية، المتمثلة في تحصين استقلالية القضاء العراقي، وتفعيل الرقابة البرلمانية الحقيقية، وإقرار قواعد صريحة تمنع الاستقصاء السياسي أو استخدام مؤسسات إنفاذ القانون أداةً لتصفية الخصوم. فمن دون هذه الركائز مجتمعة، تظل أي تسوية هشة وعرضة للانهيار عند أول اختبار جدي.

الدبلوماسية الاستراتيجية ومعضلة الشراكات الخارجية

وبقدر ما تحتاج التسوية الداخلية إلى صياغة دقيقة، فإن إدارة السياسة الخارجية العراقية في هذه المرحلة الحساسة تتطلب اعتماد عقيدة «توازن المصالح»، لا سيما مع اقتراب موعد انتهاء الوجود العسكري للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في 30 أيلول/سبتمبر 2026، وفق التفاهمات المعلنة، مع استمرار أشكال التعاون الاقتصادي والأمني المشترك بين البلدين. فالعلاقة مع واشنطن ينبغي أن تُبنى على أساس الشراكة السيادية والتعاون الشامل، أمنياً واقتصادياً وطاقوياً ومالياً، لا على أساس الارتهان الوصائي الذي يفرغ القرار العراقي من مضمونه. وفي المقابل، فإن التعامل مع الجانب الإيراني ينبغي أن ينطلق من أهمية حسن الجوار والمصالح المشتركة، من دون السماح بأن يتحول العراق إلى ساحة نفوذ أحادية تفقد بغداد فيها قرارها المستقل. فالعراق المنشود هو ذلك الذي تتقاطع لديه المصالح الإقليمية والدولية تحت سقف السيادة الوطنية الخالصة، بعيداً عن منطق المحاور والاستقطاب الحاد.

وفي نهاية المطاف، لن تُقاس نجاحات حكومة علي فالح الزيدي بقدرتها التقنية على إصدار القرارات الإدارية وحدها، بل بقدرتها على قراءة التاريخ والمجتمع بعمق وبصيرة استراتيجية. فالمواطن العراقي، الذي دفع باهظ فاتورة الحروب والإرهاب والفساد، لا يكترث كثيراً بهويات الصراع بقدر ما يطمح إلى أبسط حقوقه الإنسانية والدستورية في العيش بأمن وكرامة واستقرار معيشي ومؤسسي.

إن الفرصة التاريخية المتاحة أمام القيادة العراقية اليوم تكمن في الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات المؤقتة إلى فضاء بناء الدولة الدستورية الحديثة؛ دولة تكون فيها المؤسسات هي المرجع، والقانون هو الفيصل، والمواطنة هي المعيار، حتى لا يظل العراق رهيناً لمعادلة «من ينتصر»، بل واحة يلتقي فيها الجميع تحت سقف الوطن الآمن.