يوم الشهيد الآشوري .. ذاكرة أمة، وضمير وطن، ورسالة إنسانية خالدة
في السابع من آب من كل عام، يقف العراق وإقليم كوردستان ومعهما أبناء الشعب الآشوري في مختلف أنحاء العالم أمام محطة تاريخية مؤلمة يستذكرون فيها شهداء مجزرة سميل عام 1933، تلك الفاجعة التي تركت جرحًا عميقًا في الذاكرة الوطنية والإنسانية وأصبحت رمزًا لمعاناة أحد أعرق شعوب بلاد ما بين النهرين.
إن يوم الشهيد الآشوري ليس مجرد مناسبة لإحياء ذكرى الماضي بل هو دعوة متجددة لترسيخ قيم العدالة وصون الكرامة الإنسانية وتعزيز ثقافة السلام والتعايش بين جميع مكونات العراق بعيدًا عن الكراهية والعنف والإقصاء.
لقد كان الشعب الآشوري عبر آلاف السنين جزءًا أصيلًا من حضارة بلاد ما بين النهرين وأسهم في بناء الإرث الثقافي واللغوي والديني لهذه الأرض فمن نينوى إلى سهلها ومن دهوك إلى أربيل والموصل ظل الآشوريون حراسًا لذاكرة حضارية عريقة رغم ما تعرضوا له من مآسٍ وتهجير واضطهاد عبر مختلف المراحل التاريخية.
وفي صيف عام 1933، شهدت منطقة سميل وعدد من القرى الآشورية أحداثًا مأساوية راح ضحيتها آلاف المدنيين كما تعرضت عشرات القرى للتدمير ونزحت آلاف الأسر من ديارها في واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا في تاريخ العراق واقليم كوردستان وقد أصبحت تلك الأحداث تُعرف عالميًا بـ مجزرة سميل، وتُعد من أبرز المآسي التي استُحضرت لاحقًا في النقاشات القانونية حول مفهوم الإبادة الجماعية.
واليوم، وبعد مرور أكثر من تسعة عقود على تلك المأساة تبقى مسؤوليتنا الأخلاقية والإنسانية أن نحفظ الذاكرة لا لإحياء الأحقاد بل لمنع تكرارها ولترسيخ ثقافة الاعتراف بالآلام المشتركة واحترام كرامة جميع الضحايا أياً كانت قومياتهم أو دياناتهم.
لقد أكد الرئيس مسعود بارزاني في أكثر من مناسبة أن الآشوريين مكون أصيل من مكونات كوردستان، وأن حماية حقوقهم ووجودهم مسؤولية وطنية مشددًا على أن التنوع القومي والديني يمثل مصدر قوة وغنى للمجتمع وأن التعايش السلمي هو الطريق الوحيد لبناء مستقبل آمن ومستقر كما أكد أن جميع المكونات يجب أن تنعم بالحرية والكرامة والمساواة وأن هذا المبدأ سيبقى ركيزة ثابتة في اقليم كوردستان.
لقد أثبت إقليم كوردستان، رغم التحديات أنه نموذج للتعايش بين مختلف القوميات والأديان حيث يعيش الكورد والعرب والتركمان والآشوريون والكلدان والسريان والإيزيديون والأرمن وسائر المكونات في إطار من الاحترام المتبادل والشراكة وهو نموذج ينبغي الحفاظ عليه وتعزيزه للأجيال القادمة.
إن استذكار يوم الشهيد الآشوري هو استذكار لقيمة الإنسان قبل أي انتماء ورسالة تؤكد أن الدم العراقي بكل قومياته وأديانه يستحق الحياة والكرامة والعدالة.
إن المستقبل الذي ننشده لا يُبنى على ذاكرة الانتقام بل على الحقيقة والإنصاف والإيمان بأن قوة العراق وإقليم كوردستان تكمن في تنوعهما وأن حماية أي مكون هي حماية للوطن بأسره.
الرحمة لشهداء الشعب الآشوري والخلود لذكراهم والاحترام لجميع الضحايا الذين سقطوا دفاعًا عن حقهم في الحياة والحرية والكرامة.
وليبقَ السابع من آب رسالةً متجددة بأن السلام أقوى من العنف وأن التعايش أسمى من الانقسام وأن الإنسانية ستظل دائمًا المنتصرة على المآسي مهما طال الزمن.