د. محمود زايد
كاتب
كركوك.. والنافخون في الكير
تبقى كركوك تعيسة الأقدار ما دامت محكومة بتجاذبات داخلية وإقليمية تخرجها من كونها مجرد مدينة عراقية، إلى جعلها بمثابة بمفاعل نووي يغلي تحت رماد؛ كلما خفّت ألسنة اللهب نجد من ينفخ فيها من جديد، ليس بدافع وطني، بل لحساب أجندات خارجية وداخلية تريد إبقاءها قنبلة موقوتة تنفجر كلما اقتضت انتهازية المصالح، ولا عزاء لمعانات مواطنيها وأصحابها الحقيقيين.
الواقع الحالي يقول: إن مشكلة كركوك ليست في ديموغرافيتها، وإنما هي صراع هويات ومصالح تخطت كل الأبعاد الإنسانية.
ومع أن الجغرافيا والتاريخ قد حسموا هوية كركوك بكوردستانيتها، وأن الكورد لم يفرطوا يومًا فيها؛ بل يعدونها قلب كوردستان وقدسها، إلا أن آخرين لهم حسابات أخرى؛ فبعض التركمان فيها يعدّونها حقًا آبائيًّا وتاريخيًا لهم مع ظهور لهم فيها كان في العصر العثماني، ويدعمون بقاءها حالياً تحت إدارة بغداد لحين ترتيب وضع إقليمي جديد تكون تركيا سيدة فيه، فتضم كركوك لحزمة مطامعها التي رسمها المشروع التركي التوسعي المسمى «إصلاح الشرق» في عثمانية جديدة.
أما بعض العرب في كركوك فيرونها أرضًا عراقية رافضين أي انسلاخ منها عن سيطرة بغداد التي تُصرّ وسط هذه التجاذبات على تملك ثرواتها النفطية، وتُعدّ أي تنازل عنها بمثابة تهديد للأمن القومي العراقي.
من الطبيعي أن تجعل هذه التجاذبات كركوكَ من أعقد الملفات في العراق، وتبقيها مرآة تعكس كل تناقضات العراق، وساحة حرب باردة تُشعل نيرانها أطرافٌ لا تريد لها أن تهدأ.
لم يعجز مخلصو العراق عن وضع حل جذري لها بشكل دستوري تمثل بالمادة ١٤٠ في الدستور العراقي، تلك المادة التي حول كثيرون أبطالها بتسويف تطبيقها، والإشاعة بانقضاء عمرها، لكن المحكمة الاتحادية العليا أبطلت مساعيهم وأكدت استمرار سريان المادة حكمًا ودستورًا، مما يبقي بارقة أمل نحو حلها شريطة اتحاد كلمة الكورد السياسية، وتوفر الإرادة الشاملة في بغداد، والحد من التدخلات الخارجية.
لكن يبدو أن التوافق المأمول غير متوقع على الأمد القريب، فهاهو محافظ كركوك التركماني محمد سمعان يُشعل نارًا ويتسبب في جدلية باعتبار توليه منصب المحافظة إنهاءً لـ «حسرة استمرت ١٠٠ عام»، مشيدًا بالدعم التركي له في ذلك، غير آبه بخصوصية كركوك والآلية المتفق عليها مع الاتحاد الوطني الكوردستاني، الأمر الذي زاد من الجدل في الأوساط السياسية الكوردية، وبالتالي جاء رد القيادة الكوردية في أربيل رافضاً ربط إدارة المحافظة أو مستقبلها بالتوازنات الإقليمية أو الإملاءات الخارجية، مع التأكيد على أن كركوك لا تُدار عبر اتفاقات جزئية أو إقصائية، بل وفق الآليات الدستورية والشراكة الحقيقية التي تضمن حقوق الكورد وكافة مكونات المحافظة.
من هم النافخون في النار؟ ومن وراء اللهب المتصاعدة في كركوك؟
معلوم أن النار لا تشتعل من دون حطب، ولا يُنفخ فيها إلا من يريد استمرار الاحتراق.
في رأيي أن هناك أطرافًا عدة تتحمل تعقيد مشكلة كركوك بما فيهم بعض الكورد أنفسهم.
أولاً- الأحزاب الكوردية التي رغم دفاعها المشروع عن كوردستانية كركوك، إلا أن النزاعات الداخلية بين السليمانية وأربيل جعلت من كركوك ورقةً للتناحر، بدل أن تكون قضيةً جامعة جامعة لهم، فمنذ ٢٠١٧م وحتى الآن نشهد تفريطًا من بعض هذه الأحزاب (ولو مؤقتًا) في هذه الحقوق نكاية في حزب كوردي آخر. ولا شك إن هذا التفريط قد خدم جانبًا من التركمان في كركوك، وقصّر الطريق على مساعي وأطماع بعض الدول الإقليمية.
ثانيًا- العاصمة الاتحادية بغداد تتقن فن المماطلة والتسويف، وتستخدم كركوك ورقة مساومة مع الكورد، وتفرض مصالح بعض فصائلها السياسية بالقوة فتزيد الجرح عمقًا بدل أن تداويه وتربئ صدعه.
ثالثًا- تركيا التي تراقب كركوك بعين الطمع في عثمانيتها الجديدة، وتدعم التركمان خوفًا من أي سيطرة كوردية تُربك استراتيجياتها في المنطقة، وتعطل خط مسارها الذي بدأ قبل ذلك من الاسكندرونة، واستؤنف في إدلب وحلب في سوريا على أمل امتداده بامتداد نهر الفرات. وبالتالي فإن تصريحات محافظ كركوك محمد سمعان عن دعم أنقرة له لم تأتِ من فراغ، بل هي حلقة في سلسلة تدخلاتٍ ممنهجة.
رابعًا- إيران التي تُحيك خيوطها بحرفية وفي خفاء، وتستثمر الفوضى لصالحها، وتدعم أطرافًا ضد أطراف، وفقًا لميزان مصالحها المتقلب. وهذا واضح جدًا حتى على العملية السياسية داخل إقليم كوردستان بشكل لايزال يعطل تشكيل حكومة الإقليم رغم مرور نحو ٢٢ شهرًا على الانتخابات.
خامسًا- الميليشيات المسلحة وأصحاب مصالح ما تحت الطاولة، الذين وجدوا في كركوك سوقًا رائجةً لتحقيق المكاسب، ومسرحًا مثاليًا لإظهار القوة على القانون والحقوق.
وأخيرًا- الإعلام التحريضي الذي يموج في العراق ويُضخّم كل صغيرة وكبيرة، ويحوّل اختلافات الأرصفة وآرائها إلى حروب طائفية، ويغذّي الكراهية بكلمات مسمومة تبثّ سمومها في قلوب الناس، علمًا أن أغلبية مواطني المحافظة يعانون من فقر متقع وأزمات معيشية طاحنة.
والسؤال هنا: هل تستحق كركوك كل هذا الاحتراب والاحتراق؟ وما سرّ الجاذبية القاتلة فيها؟
لا ينكر أحد أن كركوك كنز لا يُقدّر بثمن؛ فهي تمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العراق، وموقعها الاستراتيجي يربط شمال البلاد بجنوبها، وشرقها بغربها. ومن يسيطر عليها يمسك بزمام القوة في العراق كله. لذا، بات إبقاء المشكلة معلقةً ضرورةً مُلحّةً لكل الأطراف غير الكوردية. فحل مشكلتها يعني فقدان ورقة ضغطٍ ثمينة، والاستمرار في النفخ يعني بقاء الجميع في دائرة النفوذ والابتزاز السياسي.
وهذا له تداعياته، حتى وإن تحول اللهب في بعض الأوقات إلى رماد؛ فديمومة النفخ فيه يجعل كركوك تدفع ثمنًا غاليًا، وليس بعيدا عنا ما شهدناه فيها عقب الاستفتاء من اشتباكات مسلحة ضد الوجود الكوردي فيها وضد البيشمركة من قبل القوات الاتحادية والميليشيات.
وكذلك تؤدي استمرارية النفخ في الكير إلى نزوح جديد يخلخل التركيبة السكانية من جديد، وتتحول كركوك إلى ثكنة عسكرية مليشياوية، وتموت التنمية فيها، وتترسّب الكراهية في قلوب مكوناتها، وتنهار الثقة بينهم، تلك الثقة التي هي أساس أي تعايش.
وبعد النفخ وهذا الواقع المرير، أليس في الأفق مطفأة حقيقية؟
وهل من نافذة ضوء تستثمر في حل هذه المعضلة؟
لا تخلو مشكلات الدنيا من مخرج، فلا نفق مظلم تمامًا، ولا طريق لا نهاية له.
وعليه فهناك ثمة حلولٌ لو توفرت الإرادة، ومنها:
أولًا- حتمية تجميد التدخلات الخارجية. العراقيون وحدهم قادرون على تدبير شؤون مدينتهم.
ثانيًا- تطبيق المادة ١٤٠ بجدية وشفافية، مع ضمانات حقيقية لكل المكونات.
ثالثًا- تشكيل إدارة محلية حقيقية من كل المكونات بحسب نسبها الديمغرافي، لا أن تُفرض من فوق.
رابعًا- وضع قوانين عادلة لإعادة الأراضي والمنازل، وتعويض المتضررين، بغض النظر عن هويتهم.
خامسًا- إشراف دولي (غير إقليمي) محايد على تطبيق الخطوات السابقة وما يتبعها من اتفاقات مستقبلية.
سادسًا- إطلاق مشاريع تنموية تخدم جميع المكونات، ليشعر الكوردي والتركماني والعربي أن كركوك وطنٌ للجميع، لا غنيمةٌ للغالب ولا فريسة لمنتصر.
فكركوك تستحق أن تكون مدينة سلام، لا ساحة حرب بالوكالة، وليعلم الجميع أن من ينفخ في النار اليوم يعرف أنه سيهرب غدًا عند أول انفجار، لكن أهل كركوك وأصحابها الحقيقيين سيظلون فيها يواجهون اللهيب بأجسادهم وأحلامهم.
لقد آن الأوان لإطفاء النار، لا بإغراقها بالمزيد من النفط، بل بمد جسور الثقة، والاعتراف بحق الجميع في العيش بكرامة.
كركوك ليست مدينةً تُفتح أو تُضم، بل هي رسالة؛ فإن تحقق فيها العيش الكريم لكل المكونات، فهذا يعني أن العراق كله يستطيع أن يقوم من جديد.