لينا ساليي
كاتب
جدارية (هه ڵپەڕکێ) الكوردية في زنازين أبو غريب
هەڵپەرکێ أو الدبكة الكوردية في الوعي الكوردي ليست مجرد تسلية أو تعبير عن الفرح، هي طقس يترجم تاريخاً طويلاً من التمسك بالهوية والأرض و ليست انفعالاً عابراً مع اللحن،بل هي تأريخٌ حركي بالدم وبيانٌ وجودي يُصاغ بأجسادٍ ترفض التلاشي،إنها اللحظة التي تتحول فيها الجغرافيا إلى جسد و التاريخ إلى إيقاع.
لا تبدأ الدبكة الكوردية كخط مستقيم له بداية ونهاية، بل تميل دائماً إلى الانغلاق في دائرة أو نصف دائرة تلتف حول مركز غير مرئي. هذا الدوران هو محاكاة لـ الأبدية والديمومة القومية، حلقة لا تنكسر. أما قائد الصف،(السرچوبي) الذي يلوح بالمنديل في المقدمة، فإنه ليس مجرد راقص ماهر، بل هو الرمز الحي لـ القيادة والريادة، المنديل في يده يرتفع كراية ثورية تُوجّه الحشود، يضبط الخطى ويقود الجمع نحو مصير موحد، مانعاً (یکڕێزی)بلكوردية، في الـ (هەڵپەرکێ) يذوب الأنا الفردي، ليولد اللحن القومي.
كَيْ نأتي ونَتَعَرَّفَ على معنى هذه الدبكة الكوردية الثورية الأصيلة، وما المغزى من هذه الدبكة؟ حتى نصل معكم إلى جوهر الحكاية، لنزيح الستار عن دلالات هذه الحركات الملحمية. فما الذي ترويه الأقدام حين تضرب الأرض؟ وما الذي تعنيه تلك الهزات والخطوات المتلاحمة؟ دعونا نتعرف عليها الآن:
1-عندما يمسك الراقصون بأيدي بعضهم البعض بقوة، فهذا ليس مجرد ربط للأجساد، بل هو تجسيد حي لـ الاتحاد والوحدة الوطنية، القبضة المشدودة تعني أنه لا يمكن اختراق هذا الصف، وأن مصير المجموعة واحد إذا تماسك الأفراد، يصبح المصير واحداً والقضية واحدة.
2- ضرب الأقدام بقوة على الأرض (قاچ کوتان بەزەوی)
هذه الحركة هي إعلان ملكية وصمود. الارتطام القوي للأقدام بالتراب ليس عشوائياً، بل هو رسالة تقول: نحن متجذرون هنا، هذه الأرض لنا، ونحن ندب عليها لنحميها. إنه فعل دفاعي نفسي يثبّت الهوية الكردية في وجه محاولات الإزاحة، ويؤكد على الرابطة الأزلية بين الكوردي وجغرافيته.
3-وحدة الإيقاع والمنهج
التحرك الجماعي المتناغم، والميلان الموحد مع الموسيقى دون أي خطأ أو خلل في الصف، يرمز إلى السير على منهج واحد ورؤية مشتركة. السيناريو البصري للصف وهو يتحرك بانتظام يعكس الانضباط، والتلاحم، والقدرة العالية على التنظيم الجماعي في مواجهة التحديات.
4- الصوت العالي للضربات وتخويف العدو
رفع الأرجل وإسقاطها بقوة تُحدث صوتاً هادراً ك الرعد، هذا الصوت في الموروث القومي يُعد بمثابة أناشيد حربية صامتة ترسل رسالة ترهيب للأعداء، وتؤكد أن الأرض تهتز تحت أقدام أصحابها الشرعيين.
5- حركة الأكتاف المتساوية وسلسلة الجبال
هذه الملاحظة بالذات تنضح بالشعرية والعمق؛ الأكتاف المتلاصقة والمتساوية في الـ "هەڵپەرکێ" تحاكي تماماً سلاسل جبال كردستان الشاهقة. الجبال التي طالما كانت الحليف والملجأ التاريخي للكرد. أما هزّ الكتف، فهو لا يعبر عن الضعف، بل يرمز إلى كبرياء تلك الجبال التي لا تهتز أو ترقص إلا تفاعلاً مع أبنائها.
إن هذا التحليل الذي قدمتِيه يثبت أن الذاكرة الشعبية للكورد استطاعت تحويل الفن إلى أداة للمقاومة السلمية والحفاظ على الإرث.الـ (هەڵپەرکێ) هي جيومورفولوجيا و تاريخ وسياسة، رُسمت كلها بحركات أجساد تأبى أن تنسى جذورها.
إنها فلسفة قومية بالغة التعقيد، حيث يتحول الفرح إلى سلاح، وتتحول الأغنية إلى خندق، ويتحول الطقس الاجتماعي إلى استعراض عسكري سلمي يُثبت أن الكورد أمة تنبض بالحياة، وتتحدى الفناء بالرقص، وتجعل من تلاحم أيدي أبنائها سياجاً عصياً على الانكسار.
قصتنا تبدا في سجن أبو غريب في عام 1998 لم يكن سجن أبو غريب مجرد مكان للاعتقال، بل كان آلة صُممت خصيصاً لطحن الكبرياء البشري. الجدران الإسمنتية الرطبة كانت تتشرب الآهات، والظلام بالداخل له ثقل يضغط على الأنفاس. في ذلك الممر المعتم (القسم الخاص)كانت يفوح دائمًا مزيج مرعب من رائحة الدم والديتول الرخيص والوجع الكامِن في زاوية الزنزانة رقم (4)، كانت (دڵشاد) يجلس محتضناً ركبتيه، كانت جدران سجن من إسمنت بارد، سجن أبو غريب لم يكن فقط سجن بل كان وحشاً جائعاً من الحجر، يقبع في خاصرة بغداد ليقضم أعمار الأحرار. من الخارج، تبدو أسواره العالية كأذرع رمادية ميتة تحجب السماء، تلفها الأسلاك الشائكة كأكاليل من شوك الأسى. أما من الداخل، فالأمر أشبه بالهبوط إلى قاع الجحيم، ممرات ضيقة ورطبة تفوح منها رائحة الخوف، العدوانية هناك لم تكن سلوكاً، بل كانت هواءً يتنفسه الحراس المدججون بالأحقاد والبنادق. كانت الزنازين تضج بصدى الآهات، وكان للكورد في تلك العتمة نصيب الأسد، فصائل من الأجساد النحيلة التي نُقلت من قمم الجبال لتُدفن حية في غياهب النسيان. دلشاد – صاحب القلب الطيب كَانَ نَحَّاتًا يدرس في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، مقيماً في أقسامها وفجأة، ودون سابق إنذار، اقتحمت قوات نظام البعث القسم الداخلي، لتعتقل ذاك الشاب الذي لم تكن أصابعه تعرف سوى لغة النحت وفي الوقت ذاته، لم يسلم والداه العاجزان هناك في كركوك من يد البطش، إذ سِيقوا هم الآخران ليجمعهما القدر جميعاً في سجن أبو غريب ،في زاوية منسية من إحدى تلك الزنازين الانفرادية محبوسين معاً، كان ذنبُ دلشادَ الوحيدُ هو أنَّ أخاهُ بيشمركة، وكان ذنبُ الوالدَينِ أنَّ ابنَهُما بيشمركة.
اجتمعت العائلة في ذلك الحيز الضيق، ولم يكن اجتماعهم لِقاءً، بل كان ارتطامًا بالفجيعة. حين تلاقت الأعين، لم يتعرفوا على الوجوه التي ألِفوها، فقد أعاد الرعب رسم الملامح. كانت تقاطيعهم مشدوهة، تغشاها صفرة الموت، وتتقاذفها دهشة شلت العقول. الأيدي التي تلوح بالسلام عادةً، كانت ترتجف كأوراق خريفية تعبث بها الريح، ترتعش عاجزة حتى عن التشبث ببعضها،اندفع دلشاد نحوهم، يجر خطاه وثقل الذهول يعميه، ارتمى في أحضانهم كمن يبحث عن ملاذ أخير.
التفت إليهم وعيناه متسعتان من هول المفاجأة، وبصوت مخنوق بالأنفاس المتسارعة همس ( ما الذي أتى بكم إلى هنا؟ لِمَ لمْ تفروا بجلدكم؟ لِمَ تركتم النجاة خلفكم؟
كانت الأم في حالة من الذعر الهستيري، تطوق ابنها بساعدين واهنين لكنهما أقوى من القيد، تحجب جسده بجسدها كأنها تحاول إعادته إلى رحمها لحمايته من هذا الجحيم. وفي تلك الأثناء، كان الأب واقفًا كالسد المتداعي، تتنازعه نظرات الخوف على شريكة عمره وفلذة كبده، يلتفت يمنة ويسرة بجسد يرتجف، محاولًا أن يكون درعًا لزوجته وابنه، لكن العجز كان أسرع من خطاه.
أما الابن فقد هرب عقله من فرط الهول، ودخل في غيبوبة الصدمة. غابت الدنيا عن عينيه، ولم يعد يرى سوى الباب المغلق. اندفع نحو الخشب المصمت بخطوات مجنونة، يركض ويرتطم به، ويهوي بقبضتيه عليه بكل ما أوتي من غيظ وخوف. كانت الضربات تتردد في المكان كدقات طبول الإعدام، وهو يصرخ بصوت مبحوح ومزقته الغصة
أخرجونا من هنا! أمي وأبي لا جريرَة لهما ولا ذنب! أنا غريمكم.. أنا المتهم بينكم.
ولم يكن في الحقيقة متهمًا، بل جُرت إليه التهمة جرًا، ليكون كبش الفداء الذي يُذبح على مذبح هذه المصيبة، وتُغسل بدمائه خطايا الآخرين
لم يكد صدى صراخ دلشاد يرتد عن جدران تلك الزنزانة الضيقة، حتى انخلع الباب بعنف جارف. اندفعت إلى الداخل دون مقدمات، انهالوا على دلشاد بضرب مبرح، الضابط عريب معي مجموعة من العساكر وقال بصوت مرعب ينفث الحقد محاولاً إخراسه، بالكلمة التي يتردد صداها في الممرات.
بێدەنگ! (اسكت).. بێدەنگ!
و حين شلّ العساكر حركة دلشاد الواهن، التفت الضابط نحو الأب. رمقه بنظرة خبيثة، وقال بنبرة مسمومة لقد أوقعنا بابنك الصغير، والدور قادمٌ لا محالة على ابنك الأكبر في قادم الأيام.. ولكن، دعني أسألك: كيف لامرأة بهذا البهاء وهذه الفتنة أن تقترن بك؟ ألا تستحق حسناء كهذه أن يمتع الضابط ناظريه بها قليلاً؟
كانت الكلمات سياطاً من نوع آخر، تحرشٌ علني ينهش عرض العائلة. تجمد الأب في مكانه، صامداً كالصخر لكن أحشاءه كانت تغلي بغيرة تكفي لإحراق المكان. كبح جماح رجولته وغضبه بمرارة تفوق الوصف،فالكلام كان فخاً مستفزاً، وأي حركة منه تعني انتزاع زوجته أمامه أو تصفيتهما معاً
وسط هذا العجز، ومن بين الدماء، جمع دلشاد ما تبقى من كبريائه وبصق في وجه أحد العساكر. استشاط الضابط غضباً وصرخ( خذوا هذا الحقير.. جرّوا هذا الكوردي إليّ إلى غياهب التحقيق)
في أقبية التحقيق، تعرض دلشاد لتعذيب صاعق يهد الجبال. سألوه عن مكان أخيه البيشمركة، فرفع رأسه المثقل بالدماء وقال بكل شموخ:
(مهما ضربتني، سيبقى لساني أشرف منك.. لن أبيع نفسي، ولن أقول كلمة واحدة عن أخي)
أمسكه( الضابط عريب) بشدة، مهدداً: سأعلمك كيف تعترف أيها الشريف. لكن دلشاد، وقد أدرك أن جسده لم يعد ملكه، استلّ سلاحه الوحيد والأوحد في تلك اللحظة، سلاح الكلمة والهوية.
ئەی ڕەقیب -أي رقيب)) بنشيد القومي مع كل سوط يهوي على جسده، كان صوته يعلو، يتردد و يقول
متدفقاً بالقوة، مستفزاً جلاديه، وكأنه يحول آلامه إلى ترنيمة حرية تزلزل كبرياءهم ويقول:
ئەی ڕەقیب هەر ماوە قەومی کورد زمان
ناشکێنێ دانەیی تۆپی زمان
أيها العدو، ما زال قومُ الكوردِ، أهلُ اللغة الكوردية، باقين
لا تفنيه قذيفةٌ من قذائف الزمن
كان السوط ينهش جسد دلشاد الواهن، ومع كل لسعة لاهبة تمزق جلده، كان يولد في حنجرته صوتٌ أقوى من القيد
فلم يستعطف، بل التقت عيناه بعيني عريب، وبدأ يشدو بصوت زلزل عتمة القبو:
ئەی ڕەقیب ھەر ماوە قەومی کورد زمان
( أيها الرقيب.. ، ما زال حيًا وباقيًا هذا الشعب الذي ينطق بالكوردية)
كان الجلاد يزداد جنونًا، فيهوي بالسياط بكل غلظة محاولًا إخماد الأنفاس، لكن دلشاد، والغصة تخنق حنجرته المدمّاة، كان يعلو بصوته مع كل ضربة تنال منه، ليرد الصاع صاعين بكلمات النشيد:
(ناشکێنێ دانەیی تۆپی زمان)
(اضرب ما شئت، فامتدادنا لن ينكسر، وهامتنا لن تنحني، ولن تطأطئ رأسها حتى لو قصفتها مدافع الزمان)
كانت كل ضربة تتلقاها أضلاعه تتحول في تلك الزنزانة إلى نبضة إيقاع ترافق نشيد الحرية، كأن جسده المستباح صار هو الأرض التي يرفض أن يبيعها.
فشلت المحاولة. دلشاد لا يعترف. بإشارة مقتضبة من المحقق، أُعيد إلى زنزانته تحت حراسة مشددة، تاركًا خلفه علامات استفهام لا تنتهي،عندما أعادوه إلى الزنزانة جسداً هامداً، جفّت الدماء في عروق الأم وهي ترى فلذة كبدها مدمىً وغائباً عن الوعي. انخرطت في بكاء هستيري، وارتمت فوقه، تطوقه بساعديها وتضمه إلى صدرها بذات الحرارة والرهبة التي ضمت بها جسده الصغير يوم ولدته
نظرَت إلى السقف وعيناها مغرورقتان بالدموع و رفعت رأسها بقلب منفطر متضرعة:
(يا ربي.. إن كنتَ تقبل مني دعوة واحدة كأم، فإنني أرى ابني يتجرع من العذاب ما لا تطيقه الجبال.. يا رب، خذه إليك، اقبض روحه لتريحه من هذا الجحيم، فإني راضيةٌ بقضائك، فقط لينتهي من هذا العذاب الصاعق).
ثم سقطت فوقه وفقدت وعيها من فرط الكمد ، في هذا المسلخ البشري،كانت القساوة تفوق طاقة البشر. في كل يوم، كان يفتح باب الزنزانة بصرير مرعب، ويتأهب الحراس لجر والديه العجوزين إلى غرف تعذيب وكان دلشاد يثب كالأسد الجريح يرمي بيجسده أمامهم ويصرخ بجنون (عذبوني أنا أضربوني أنا بدلاً منهما )
فكانوا يأخذونه ب غلّ، ينهالون عليه بالضرب والتعذيب أربع أو خمس مرات في اليوم الواحد، حتى يتورم جسده وتسيل دماؤه على الممر البارد.لكن، في كل مرة كانوا يعيدونه فيها مزقاً من اللحم البشري
حين أُعيد دِلشاد إلى الزنزانة هذه المرة، كان جسده حطامًا مستباحًا من شدة الإنهاك. فتح عينيه المثقلتين ليرى أمه وأباه هناك، قد أُلقي بهما لتوّهما بعد جولة تعذيب وحشية. لم يحتمل جسده الرؤية، غاب عن وعيه وسقط أرضًا
حين استردّ وعيه بعد وقت لا يعلمه، كان أول ما اخترق سمعه هو صراخ الشباب الكوردي الذي يملأ ردهات المسلخ البشري تحت وطأة السياط. انتصب واقفًا بصعوبة، ونظر إلى ، أمّه وأباه اللذين كانا فاقدي الوعي. تائهًا، ثبّت نظراته على جدار الزنزانة الرمادي البارد. غرق في ذلك الجدار لفترات طويلة، تجمّد الزمن في عينيه وهو يتذكر دروسه الجامعية، وكيف علّموه قواعد النحت وتطويع الصخر. لكن في تلك النظرة بالذات، تسلل إلى قلبه خوف مبهم وبارد.. صمتٌ مريب يلفّ المكان
أنصت بجوارحه، فلم يسمع أنفاس أمه، ولا أنفاس أبيه، ركض نحوهم بجنون يصارع قيداً غير مرئي، ليتكشف له المشهد الذي يفوق كل طاقة بشرية على الاحتمال: أمّه وأبوه مرميان في زاوية الزنزانة المظلمة.. جسدان بلا حراك، فارقا الحياة من كثرة التعذيب.
في تلك اللحظة، لم ينفجر دِلشاد بالبكاء، بل تحول العزاء والموت العادي عنده إلى صدمة نفسية زلزلت كيانه. جثا على ركبتيه، اندفع نحوهما، احتضن جثتيهما الباردتين بلهفة هستيرية، راح يقبّل جباههما وأيديهما اللتين أنهكهما القيد،
غرس أصابعه المرتعشة في ثياب أمه الممزقة، ثم في شعر أبيه المخضب بالدماء. لم يعد في وجهه ملمح حي، سوى حدقتين جاحظتين من فرط الذعر والإنكار. ألصق شفتيه المتشققتين بوجنة أمه الباردة، وبدأ يهمس بنحيبٍ هستيري يمزق نياط القلوب
أمي.. لا تذهبي.. أرجوكِ لا تروحي وتتركيني هنا! ألم تدركي أنكِ كنتِ السقف الوحيد فوق رأسي؟ كنتِ الحضن الدافئ الذي يغطيني من صقيع هذه الزنزانة الباردة.. كيف تتركيني وأنا ما زلتُ ألمس كفّكِ؟
يا( دايه) أو امي، لو أطبقوا السماء على الأرض، وصاح بي كل جلادي هذا المسلخ بأن جسدكِ قد بَرَد، سأصرخ في وجوههم وأشهد بالله أنكِ ما زلتِ دافئة حتى وإن رأيتُ موتكِ بعيني، سأقول إنكِ حية.. أرجوكِ خلّيني أسمع نَفَسَكِ لمرة واحدة، تكلمي معي.. التفتي إليّ وانظري لوليدكِ..
كنتُ في كل مرة يجرونني فيها إلى مقصلة التعذيب، وأعود مثخناً بالدماء، أنظر إلى عينيكِ فأنثني في حضنكِ فيزول تعبى .. كنتِ أنتِ علاجي، وبكِ وحدكِ يتلاشى ألمي.. فكيف لي الآن، كيف لي أن أداوي ألم الروح بعدكِ؟
التفت بعينين غائمتين نحو جثة أبيه المستلقية بجانبها، وجمع رأسيهما بين يديه، كمن يلم شتات وطن محترق، وانفجر بصوت مخنوق بالدموع والدم
يا أبي.. يا أمي.. تذكرا معي! في كل جولة تعذيب، في كل مرة كانوا يرفعون السياط فوق رؤوسكم، كنتُ أرمي بجسدي الغض فوقكم.. كنتُ أتلقى الضربات عنكم، وأفتديكم بظهري لكي أحميكم! كنتُ أقول ليت الموت يأكلني أنا ولا يمسكم بضر..
ولكن هذه المرة إلى مَن أرمي جسدي؟ مَن أحمي بدمي؟ ومن يحميني؟ لقد رحلتم معاً.. ذهبتم وتركتموني وحيداً..
إن ألم الجسد هين يا أهلي.. ألم الجسد للوطن والتراب أفديه بكل رضا.. ولكن روحي! روحي لمن أفديها بعد الآن وقد أخذتموها معكم؟ مَن يخفف ألم روحي التي تتشظى في العتمة؟
سكت لثوانٍ، تجمعت فيها كل مرارة الأرض في حلقه، ونظر إلى الدماء التي سالت من جراحهما لتختلط بدمائه على أرض الزنزانة، فهزّ كتفيهما بذهول طفولي مرعب
يا دايه.. يا بابه .. قتلوكم لأننا كورد؟ قتلوكم ليحرموا (دِلشاد) من الدفء والبلاد؟ وحق كل سوط مزّق جلودكم، وحق شيبتك يا أبي، وحق طهر دموعكِ يا أمي.. لن أدعهم يشمتون بكسرتي! سأجعل من ألم روحي الميتة ناراً تحرق قيدهم
رحلتم إلى الجنة، وتركتم في صدري قضيةً تزن الجبال.. من دمي ودمكم سأصنع القيامة
توقفت الكلمات في حنجرته، ولم يعد يسمع في الزنزانة سوى لهاثه المذعور. زحف بجسده المنهك نحو الجدار الأصم، وقبض بيده المدمومة على حجر مدبب سقط من السقف، وبدأ يحفر صخر السجن بغضب أعمى ودموع تجري كالأنهار كان ينحت جدارية يغرس ملامح أمه وأبيه والشباب المعذبين في جوف الحجر، يشبك أيديهم معاً في دبكة حرية أزلية (هەڵپرکێ)الكوردية
في هذا لحضه اندلعت في أعماق دِلشاد الشرارة القومية وتصاعدت لتلامس أعلى القمم. انسلخ الخوف من قلبه وحلّ محله عناد يهدّ الجبال. وبدلاً من العويل، انطلق صوته في عتمة السجن وهوه يصرخ بملء حنجرته نحو السقف حتى الصباح
منشدًا النشيد الوطني الكوردي، وظل يغني للقومية والوطن حتى مطلع الصباح. كان يصرخ بملء حنجرته المتعبة متحديًا الجلادين: بژی کورد ... بژی کورد (عاش الكورد).. مهما حاولتم أن تقتلوا، ومهما حاصرتم الحدود، سنبقى أقوى منكم، وقاماتنا أثبت وأعلى من طغيانكم
ومع كل جملة ينطقها وكل لحن ينشده، تذكر أصابعه الماهرة. قبض على حجر حاد أو بقايا مسمار سقط في الزنزانة، وبدأ ينحت بغضب وثورة على ذلك الجدار الأصم. لم يعد جداراً للسجن، بل صار لوحة للتاريخ. راح يحفر بأظافره ودمائه جدارية ملحمية (هەڵپرکێ) مجموعة من النساء والرجال الكورد، متشابكي الأيدي، يقفون كتفاً بكتف، يرقصون دبكة الحرية والحياة في وجه الموت. كان ينحتهم وكأنه يبعث أمه وأباه والشباب المعذبين من جديد، يرقصون معًا حتى الصباح، أحراراً عصيين على الكسر.
كانت هذه الصورة هي سياجه، سلاحه السري، ونقطة القوة البديلة في مكان عُجرد فيه من كل سلاح. كان الحراس عندما يدخلون ويرون الرسم، يستشيطون غضباً ويمسحونه بأحذيتهم الغليظة، شاعرين أن هذا الرسم البسيط هو نقطة الضعفلتي لا يستطيعون كسرها فيه. وكلما أهانوا كرامته، كان عناده يتغذى من تلك اللوحة، فيعود ليرسمها من جديد مع أول خيط ضوء يتسلل من الشباك العالي.
في ليلة شديدة السواد، دخل ضابط السجن المدعو (العقيد ضياء) وهو يجر سوطه العنيف، ووقف أمام الجدار الذي أُعيد رسم الدبكة عليه للمرة الألف. نظر إلى (دڵشاد) المستلقي على الأرض بنبضات قلب واهنة، وسأله بنبرة حاقدة ومستغربة:
لك.. أنت ما تتعب؟ كل يوم نمسحها وترجع ترسمها.. لماذا تحب أن تُضرب وتُعذب كل يوم لأجل هذا الرسم التافه؟ ما معنى هؤلاء الرجال الذين يمسكون أيدي بعضهم على جداري؟
تمسك دڵشاد بالجدار، وتحامل على جراحه حتى وقف مستنداً بأكتافه المهشمة، ونظر في عيني الضابط بوقار قومي وافتخار أعمى عين العقيد، وقال بصوت متحشرج لكنه هادر كالجبل:
هذا ليس رسماً تافهاً.. أنت لا تفهمه لأنك لا تملك أرضاً تحبك. هؤلاء هم عائلتي، شعبي، بيشمركتي. هذا التشابك (دەستگرتن) يعني أنكم مهما عذبتمونا، فلن تكسروا اتحادنا (یەکگرتن). وضربات أقدامهم هذه (قاچ کوتان) تخبركم أن هذه الأرض لنا، وهي تهتز تحتنا كبرياءً، وستلفظكم يوماً ما. أنا أتحمل سوطك لأنني في كل ضربة أسمع دقة الـ (دەهۆڵ- الطبل)، وفي كل ألم أسمع صرخة الـ (زوڕنا- المزمار).. هذه اللوحة هي حريتي التي لا تستطيع سجنها.
جن جنون الضابط من هذا الكبرياء الكوردي الخالص، وصرخ: سأرى إن كان طينك هذا سينقذك ، وانهال عليه بالضرب العنيف، مستخدماً كل أدوات التعذيب، حتى خمد صوت دلشاد تماماً وسقط كجثة هامدة. انخفضت نبضات قلبه إلى حد التلاشي، وظن الحراس، غباءً منهم، أنه قد مات وفاضت روحه من شدة الضرب.
رمى الحراس جسد (دلشاد) شبه الميت في شاحنة القمامة والمخلفات ليتخلصوا منه خارج أسوار السجن، لكن نبتة الجبل لا تموت بسهولة. عندما لامس الهواء النقي وجهه، وتحت جنح الظلام، انبعثت الروح في جسده مجدداً. زحف، ثم مشى، ثم ركض مستعيناً بإرث أجداده حتى وصل إلى تلك المنطقة النائية، كان أرضٌ قاحلة لا خيار فيها ولا مفر، يقطعها طريقٌ موحش لا أثر للحياة فيه. وسط ذلك الفراغ، لمحت عيناه الشاحبتان شبح سيارة يتقدم من بعيد. وقف بكبرياءٍ مكسور، يلوح بيدين ترتجفان، يصرخ بصوتٍ مبحوح تبتلعه الرياح، راجياً أن تتوقف.
في البداية، تجاوزته السيارة وتابعت طريقها، لكن السائق لم يستطع محو تلك الصورة من مرآته. لمح من خلف الزجاج رجلاً يترنح من الإنهاك، ثيابه ممزقة، وجسده يحمل آثار دربٍ طويل من الإهانة والتعذيب، ينزف دماً من كل جهة. كان المنظر كفيلاً بأن يصرخ بالحقيقة، هذا إنسانٌ هارب من جحيم أبو غريب.
كان عريب يقود سيارته مبتعداً، لكن عينيه كانتا معلقتين بمرآة السيارة ومن ذاك الزجاج الصغير، كان يرى الشاب من بعيد يصارخ بصوتعالٍ مستغيثاً يطلق صرخات مخنوقة ينادي (راوەسته كاكه -أرجوك أخي توقف) كان يراه يلوح بيدٍ واهنة ويصرخ بكل ما بقي في حنجرته.
بدا الشاب كخيالٍ مكسور كان يقف بنصف جسدٍ مائل، يضغط بيده الارتجافية على جرحه العميق الذي كان يتدفق بدمٍ قرمزي حار، يصبغ ثيابه ويمتصه التراب من تحته. كانت الطعنات والضربات قد تركت على جسده حزوزاً غائرة، وجراحاً نازفة تشق جلده كأخاديد من الألم الخالص، بينما كان وجهه شاحباً كوجه الموتى، وعيناه زائغتين تبحثان عن طوق نجاة في أثر السيارة المبتعدة.
في تلك اللحظات، كان التشتت والذعر يأكلان ملامح عريب. كان وجهه شاحباً كرماد، يداه ترتجفان فوق مقود السيارة، وعرقه البارد يتصبب على جبينه. كان مشتتاً، ضائعاً، مرعوباً لا يدري ماذا يفعل هل يتوقف ويعود ليواجه مصيراً مجهولاً، أم يهرب بجلده؟ تملكه خوفٌ بدائي شل تفكيره، وضغط على دواسة الوقود ليتوارى عن المشهد، مخلفاً وراءه الشاب وجراحه، وفرَّ عريب من المنطقة هرباً من رعب اللحظة، ليعود إلى بيته.
ولكن، ما إن دخل منزله، حتى تحولت الجدران إلى سجن ضيق يتردد في أرجائه صدى تلك الصرخة(برا راوەسته -أخي ارجوك توقف) لم يكن البيت ملاذاً، بل ساحة لجلد الذات، حيث غرق في بحر من الندم ولم يعد يقوى على احتمال سوط اللوم الذي يجلد قلبه. لم يطق المكوث، أدار محرك سيارته وانطلق مسرعاً، يشق عتمة الطريق بلهفة الخائف النادم، عائداً إلى ذات البقعة الحزينة التي خلف فيها دلشاد ينزف.
هناك، راح يجوب المكان بعينين مغرورقتين بالدموع، وقلبه يخفق ذعراً من أن يكون الموت قد سبقه إليه. وفي تلك الأثناء، كان دلشاد قد استهلك كل طاقته، زحف بجسده المنهك وأنفاسه المندثرة نحو شجرة ثمر باصية (باسقة) قريبة، تنشر ظلالها كأنها تحنو على انكساره. استلقى تحت فيئها يلوذ ببعض السكينة لروحه المتعبة، منتظراً ما سيأتي به القدر.
اقترب عريب بخطوات واجفة، تكاد تعجز عن حمله من فرط الخجل والأسى، وما إن تبيّن الملامح تحت ظل الشجرة حتى تمزق قلبه.. إنه دلشاد. تقدم نحوه بروح مكسورة، وفي تلك اللحظة الفاصلة، رفع دلشاد عينيه المثقلتين بالدموع والتعب، فالتقت النظرات.. نظرة عتب حزينة تفيض بالانكسار والخذلان، ونظرة ندم باكية من عريب، تبحث في عيون ضحيته عن غفران مستحيل.
عادت السيارة، ترجّل منها السائق، رجلٌ عربي ذو ملامح جنوبية أصيلة يدعى عريب نظر إلى بالشفقة، وقال بنبرةٍ حذرة
قاله عريب :لا أستطيع مساعدتك.. أنت هاربٌ من السجن، أليس كذلك؟
ارتجف من الخوف وجاوب دلشاد وهو يتشبث بآخر حبال الأمل
نعم.. أرجوك، ساعدني.. الله يخليك، لا تتركني هنا
عوريب مدّ يده بهدوء ليضعها على كتف دلشاد
لا تخف.. أنا عريب. أظن من لهجتك أنك كوردي، أليس كذلك؟
دلشاد التقط الأنفاسه بصعوبة وهزّ رأسه
نعم.. أنا كوردي
ابتسم عريب وقال بطمأنينة
لا داعي للقلق بعد الآن.. قد لا أملك القدرة على حل مشكلتك تماماً، لكنني أستطيع مداواة جراحك، وتوصيلك إلى المكان الذي تقصده. اسمي عريب، وأعيش بمفردي في هذا العالم، لا أهل لي ولا أبناء.. وحيدٌ تماماً. تعال معي إلى بيتي، كن ضيفي هذه الليلة.
مدّ عريب يده، وسند كتف دلشاد الارتجافي، مقوداً إياه نحو السيارة. فتح له الباب بعناية كما يُفتح باب الحياة لشخص شارف على الغرق. انطلقت السيارة تطوي العتمة، وكان صمت المقاعد مشحوناً بنظرات متبادلة يملؤها الحذر
كان دلشاد ينظر إلى عريب بعينين غير مطمئنتين، يعتصره القلق والشك، لكنه يعلم في قرارة نفسه أنه لا يملك حيلة أخرى لقد وصل إلى حافة الموت، وهذه النخوة المباغتة هي قشة النجاة الوحيدة. في المقابل، كانت يد عريب على مقود السيارة ترتجف قليلاً كان يسرق النظرات نحو دلشاد والخوف يأكل قلبه من أن ينكشف أمره، فقد ورّط نفسه في أمرٍ قد يُفسر سياسياً بأنه خيانة عظيمة. في زمنٍ لا يرحم
وصلوا أخيراً، أدخل عريب سيارته بسرعة وأغلق الباب الخارجي. أسند دلشاد وأدخله إلى البيت. وبمهارة وهدوء، بدأ ينظف جراحه، ويمسح الدم عن جسده الممزق، ويضمد الشقوق العميقة برقة مذهلة، كأنه طبيب متمرس
نظر إليه دلشاد بدهشة وقال بصوت مبحوح
هل أنت طبيب؟
أبتسم عريب بأسى وهو يربط الشاش
لا، لست طبيباً. لكنني عشت سنوات أعمل عند طبيب، وتعلمت منه كيف أداوي أجساد الناس.. والآن أداوي أقداماً أتعبها المسير.
نهض عريب غائباً في المطبخ لدقائق، ثم عاد يحمل طبقاً دافئاً من شوربة العدس مع أرغفة من الصمون العراقي. قدمه لدلشاد قائلاً
كُلْ هنيئاً.. ليس عندي شيء آخر أقدمه لك. أنا إنسان وحداني كما أخبرتك، وهذا زاد يومي
جلس الاثنان متقابلين الشيعي العربي الذي يسكن الجنوب، والكوردي الهارب من غياهب أبو غريب. وهنا دار بينهما حديث العمر
سؤال عريب الأول
يا دلشاد.. كيف جرفتْك الأقدار إلى هذا الحد، وكيف قطعتَ كل هذه المسافات من جبالك حتى انتهى بك المطاف دماً مسكوباً على أسفلت الجنوب وفي أقبية أبو غريب؟
إجابة دلشاد
يا عريب، الجرح واحد وإن تباعدت التضاريس. من يملك وطناً ينام في سريره، ومن سُلب وطنه تصبح الأرض كلها مشنقته أو ممشاه. جئتُ مسوقاً بظلمٍ لا يعرف لغة ولا قومية، ظلمٌ أراد صهر هويتي، فجعل جسدي جسراً بين زنزانة الموت وأرضك هذه معضلة الثقة في زمن الخوف.
سؤال دلشاد الثاني
أنت عربي شيعي، وتعرف عقوبة إيواء أمثالي في هذا الزمن.. كيف وثقت بي بهذه السرعة؟ كيف أمنتَ لرجلٍ غريب، مدمى، وهارب؟
إجابة عريب
الظلم يا دلشاد يملك عيوناً متشابهة. في سحنتك لم أقرأ (قومية صعبة)، بل قرأتُ وجعاً أعرفه جيداً. نحن في الجنوب ذقنا من مرارة التهميش والإقصاء ما يجعلنا نميز رائحة المظلوم فوراً. عندما اهتز ضميري في الطريق، أدركتُ أن الأمان لا يُشترى بالخوف، بل يولد عندما يمد إنسان يده لأخيه الإنسان، دون أن يسأله عن هويته
سؤال عريب الثالث
كيف ترى العدالة بيننا اليوم؟ هل تظن أن كل العربي يراك عدواً، أم أن السلطة هي من تصنع هذه الفجوة بين الكورد والعرب؟
إجابة دلشاد
العدالة ليست ميزاناً في قصور الحكام، بل هي هذا الطبق من الشوربة الذي قدمتَه لي. العدالة الحقيقية هي أن يدرك العربي أن حريته لا تكتمل إذا كان جاره الكوردي مكبلاً، وأن يدرك الكوردي أن مظلومية العربي تحت سوط الاستبداد لا تقل عن مظلوميته السوط واحد يا عريب، لكن ظهره يمتد من زاخو إلى البصرة
سؤال عريب الرابع
سؤالٌ يؤرقني يا أخي.. لماذا كُتب على الكورد أن يكونوا بلا وطن مستقل يجمع شتاتهم؟ لماذا تبدو الجبال ملاذكم الوحي دائماً؟
إجابة دلشاد
لأن الجغرافيا كانت قاسية علينا، والتاريخ كُتب بأقلام المنتصرين الذين قسّموا جسدنا كالغنائم. جعلوا حدودهم تمر فوق قلوبنا. نحن شعبٌ يعشق الأرض، لكن المعاهدات الدولية جعلت أرضنا بلا اسم على الخارطة الرسمية. ومع ذلك، فالوطن ليس مجرد حدود وجواز سفر الوطن هو الهوية التي نحملها في صدورنا.
بعد هذا الحديث الذي غسل هموم الأنفس، غلبهما النعاس. نام دلشاد نومةً عميقة ومطمئنة لأول مرة منذ زمن، وافترش عريب الأرض قريباً منه يحرس أنفاس ضيفه.
مع خيوط الفجر الأولى، وقبل أن تتضح معالم الطريق للعيان، نهض عريب بهدوء. جهّز سيارته والتأكد من وقودها، ثم دخل إلى الغرفة، ووضع يده برفق على كتف دلشاد ويهزه هزات خفيفة.
يا دلشاد.. قم يا أخي. الفجر لا ينتظر، والعيون لا تنام. اتبعني.. دعني أوصلك إلى الحدود قبل أن يستيقظ النهار
تلك الرحلة لم تكن مجرد قطع مسافات على الأرض، بل كانت عبوراً شاقاً بين الموت والحياة، يمتد من سهول الوسط المنبسطة والخانقة بالخوف.
خرجت السيارة من أزقة بغداد غبشاً، والمدينة لم تستيقظ كاملة بعد. كان الطريق الممتد نحو الشمال يمر عبر السهول الوسطى أرض مكشوفة ومبسطة تزيد من توتر عريب الذي كان يضغط على المقود بملامح متصلبة التفت دلشاد نحو عريب، وعيناه تملؤهما حيرة مشوبة بالقلق، وسأله بصوت خفيض، إلى أين نذهب يا عريب؟
رد عريب وعيناه شاخصتان نحو الأسفلت الممتد، نحن ذاهبون إلى السليمانية، اتسعت عينا دلشاد دهشة، فهو يعلم بُعد المسافة وتعقيد الطريق، فقال مستغرباً، إلى السليمانية؟ وهل تعرف أين تقع السليمانية ومسالكها؟ ضحك عريب ضحكة مكتومة ليخفف من وطأة الخوف النامي في صدره، وقال بثقة، أعرفها.. أعرفها جيداً يا أخي، لا تقلق. نمتلك دليلاً في قلوبنا قبل الخارطة و هنا.
بدأت الرحلة الفعلية، للوصول إلى السليمانية، كان عليهما اجتياز الطوق الأمني الخانق المحيط ببغداد. من بعيد، بدأت تلوح ملامح السيطرة العسكرية الكبرى جنود مدججون بالسلاح، وحواجز إسمنتية تتلوى كالرصاص، وعيون ترصد كل شاردة وواردة.
دبّ الرعب في أوصال دلشاد، فجسده المنهك وثيابه المستعارة لا يمكن أن تخفي حقيقته. التفت إليه عريب بسرعة ونبرة حاسمة، دلشاد انبطح فوراً واختبئ في أرضية السيارة الخلفية.. تغطّ بهاتين البطانيتين ولا تتحرك، أرجوك لا تتنفس
انكمش دلشاد تحت المقاعد، عاد إلى وضعية السجين الذي يحبس أنفاسه لئلا يسمع السجان دقات قلبه. في تلك اللحظات، بدا وكأن القدر يتدخل بإنصاف، كانت السيطرة مزدحمة، والجنود يبدون متعبين من نوبة الحراسة الليلية
تقدم عريب ببرود أعصاب مصطنع. أشار إليه الجندي بيده فجأة ليتوقف.
هويتك.. وإلى أين الوجهة في هذا الفجر؟
مدّ عريب يده بالهوية بثبات عزّ نظيره في تلك اللحظة، وقال مستخدماً لهجته الجنوبية الصافية
أهلاً سيدي.. متوجه نحو الشمال، إلى السليمانية.
نظر إليه الجندي بريبة، تفحص الهوية ثم قال متسائلاً بلهجة جافة
وماذا يفعل ابن الجنوب في السليمانية في مثل هذا الوقت؟ هل تذهب لشراء الأغنام والماشية من هناك؟
التقط عريب خيط السؤال بسرعة، وابتسم مجارياً الجندي لتبديد الشكوك
نعم بالضبط سيدي.. أذهب لأرى سوق الماشية هناك، تجارة كما تعرف
نظر الجندي نظرة سريعة إلى داخل السيارة، لكن عناية السماء والبطانيات المتراكمة حجبت جسد دلشاد المنكمش. أعاد الجندي الهوية وأشار بيده إيذاناً بالمرور،الله معك.. تحرك.
مرت السيارة مرور الكرام، وعبرت الحاجز. كانت هذه أول علامة على أن القدر الذي قسا على دلشاد طويلاً، بدأ يفتح له باب النجاة، كأنما يتهيأ لإنصافه بعد كل ذلك العذاب.
تنفّس دلشاد الصعداء بعدما سمح له عريب بالنهوض. تابعت السيارة مسيرها الجغرافي، تجاوزت ديالى بتلالها الحمين المتموجة، وبدأت الأرض تتغير تدريجياً. غادرت السيارة استواء السهل الرسوبي ودخلت في المنطقة المتموجة
ممروا بأطراف كركوك، حيث بدأت الأفق يتسع، ونسمات الهواء تصبح أكثر برودة وجفافاً. ومع كل كيلومتر يقطعانه، كانت التلال تزداد ارتفاعاً، حتى بدأت تلوح في الأفق البعيد السلاسل الجبلية الشاهقة المحيطة بمحافظة السليمانية.
تحول الطريق من خط مستقيم ممتد إلى منعطفات حادة تباعاً، تلتف حول الجبال الصخرية العتيقة. تداخلت الأخاديد العميقة مع المرتفعات المكسوة ببعض الشجيرات الجبلية المرنة التي تتحدى الصخر، وبدت الطبيعة هنا قاسية لكنها مهيبة، تعكس تماماً وعورة الحرية التي يبحث عنها دلشاد.
نظر دلشاد من النافذة إلى تلك القمم التي بدأت تعانق الغيوم، وشعر لأول مرة منذ زمن بأن قيده قد انكسر فعلياً وسط هذه الجبال الشاهقة التي طالما كانت حامية لأبناء جلدته.
كلما توغلت السيارة في جغرافيا الشمال، وبدأت ملامح جبال السليمانية المهيبة تلوح في الأفق، كان قلب (دلشاد) ينخلع من مكانه. نظر من النافذة إلى تلك القمم الشامخة، فانفجرت في داخله آلاف الذكريات الكامنة. انسابت من عينيه دموع حارقة، وبدأ صوته المرتجف يهمس بالنشيد الوطني الكوردي الذي كان يتردد صدى كلماته سراً في زنازين أبو غريب المعتمة. كان يعيد في ذاكرته تلك الأبيات كأنها صلاة شكر للقدر الذي منحه فرصة النجاة ليأخذ حقه يوماً ما.
يراقب دموعه الساخنة ونحيبه الصامت دون أن يفهم الكلمات، لكنه فهم الوجع. وطوال الطريق، كان عريب ويهدئ روعه بصوته الجنوبي الدافئ، هونها يا أخي.. هونها يا دلشاد، لقد وصلنا.
دخلت السيارة السليمانية توقفت السيارة ونزل دلشاد ورغم أن الأرض كانت ترزخ تحت قدم دلشاد ورغم وطأة الاحتلال العسكري، إلا أن مرأى الناس وهم يسيرون بملابسهم الكوردية التقليدية، والحديث بلغتهم الأم في الطرقات، خفف غصّة الألم والمهانة التي عاشها في السجن ،التفت إليه عريب بحذر، وهمس له وهو يتلفت يمنة ويسرة،يا دلشاد، لا تنظر حولك هكذا بذهول، قد يثير منظرنا الشبهات ويبلغون عنا. قل لي الآن، أين نذهب؟ أين أهلك؟
ابتلع دلشاد غصته وقال،ليس لي أحد هنا.. سوى أختي، متزوجة وتعيش في السليمانية، لنذهب إليها توجهت السيارة الي بيت أخت دلشاد.
توقفت السيارة أمام بيت. تقدم دلشاد بخطوات ثقيلة ودق الباب،فتحت الأخت الباب، ولثوانٍ تجمّد الزمن
عندما رأت الأخت أخاها، عجز عقلها فوراً عن الربط بين صورة أخيها الشاب المعافى في ذاكرتها، وبين هذا الشبح النحيل الممزق الثياب، المدمى الجسد، الذي يقف أمامها.
تظهر الصدمة هنا كشلل مؤقت في التعبير، حيث يتوقف العقل عن استيعاب الواقع كآلية دفاعية لحماية النفس من الانهيار المفاجئ، قبل أن تنفجر العاطفة المكبوتة على شكل بكاء هستيري، بمجرد حدوث التلامس الجسدي الذي يثبت للعقل أن الشخص حقيقي وليس طيفاً.
ارتمت في حضنه بانفجار عاطفي مدوٍ، وبكيا بحرقة اختصرت سنوات العذاب والفراق. قادتهما خطواتهما إلى الداخل، وبدأ دلشاد يروي لها بنبرة متقطعة فاجعة ما حلّ بأمه وأبيه. كانت الصدمة فوق احتمال الأخت، بدأت تصرخ وتلطم وجهها، بينما انهار دلشاد يعيد ضرب نفسه ندماً وحزناً على مصير والديه.
هنا، تدخل عريب ممتلئاً بالرعب، ووضع يده على فم الأخت هامساً بهلع:
اسكتي يا أختي، أرجوكِ! الجدران لها آذان، والناس في الخارج قد يسمعون صراخكِ ويبلغون السيطرات، فيقتلونني ويقتلون دلشاد.. صمتكِ هو نجاتنا الآن.
خيم صمت ثقيل وموجع على البيت لعدة ساعات، صمتٌ لم يقطعه سوى شهيق البكاء المكتوم. نقشت الأخت عينيها في أخيها وقالت بثبات، يا دلشاد، أنت الآن في حمايتي وفي بيتي.. يا أخي وسندي، لن تذهب إلى أي مكان، ستبقى هنا
نظر إليها دلشاد، وافترت شفتاه عن ابتسامة حزينة ممزوجة بالإصرار:
لا يا أختي.. أنا لم آتِ إلى هنا لأختبئ في البيوت. سأصعد الليلة إلى الجبال، سألتحق بأخي هناك.. الجبل هو مكاني الوحيد.
صمتت الأخت بحزن أزلي وهي تعتصر يديها خجلاً، وقالت بصوت مكسور:
والله يا أخي، ليتني أستطيع إطعامكم قبل مسيركم.. نحن نموت جوعاً في هذا البيت، ولا نملك كِسرة خبز واحدة نقدمها لكم
لم يتردد عريب لثانية. أدخل يده في جيبه وأخرج بضعة دنانير كان قد خباها لنفسه ولأيام ضيقه، ووضعها في يد الأخت قائلاً بنخوة:
لا داعي للاعتذار يا أختي.. هذا المال لكِ ولأولادكِ. فقط تماسكوا، ولا تبكوا بصوت عالٍ
نزلت كلمات عريب كالعقاقير المهدئة على قلوبهم. انتظروا حتى أرخى الليل سدوله العاتية لتبدأ المرحلة الأخيرة من خطة عريب،إيصال دلشاد إلى مشارف الجبل ثم العودة إلى حياته الطبيعية في الجنوب.في تلك الليلة وركبو السيارة و ذهبوا وانطلقوا بالسارة الي مناطق جبلية سليمانية عندما وصلوا عند نقطة الفراق، حيث تبدأ المسالك الوعرة نحو القمم، التفت دلشاد إلى عريب، ونظر إليه بعينين تملؤهما الأخوة والامتنان العميق، وقال
يا عريب.. أنت لم تعد غريباً، أنت الآن واحد منا. تعال معنا إلى الجبال، عِش معنا هناك. نظر عريب إلى القمم الشاهقة، ثم ابتسم بأسى وهز رأسه برفض وقور وقال لا يا أخي..
هذه الأرض أرضكم، وهذه الجبال لكم ولدت حامية لكم. ليس لي حق في أن أخطوها أو أستوطنها معك
تعلّق دلشاد بقميصه وقال مستحلفاً بالله عليك تأتي معي! ليس لديك عائلة ولا أحد في الجنوب، ونحن سنكون أهلك وعائلتك في الجبال.
وضع عريب يده على يد دلشاد، وفكّ قبصته برقة وهو يتراجع خطوة إلى الخلف:
اذهب أنت يا أخي نحو حريتك.. أما أنا فسأعود إلى مكاني، وإلى حياتي الوحيدة. وإن كان في العمر بقية.. فسنلتقي يوماً ما بإذن الله، استدار عريب عائداً إلى سيارته في عتمة الليل، بينما غاب دلشاد بين ثنايا الجبال، يحمل في جسده جراح "أبو غريب، وفي قلبه نبلاً عربياً جنوبياً أنقذ حياته
لم تكد سيارة عريب تستدير لتقفل عائدة، حتى انشقّ صمت الليل عن هدير محركات غادرة، هجم جنود البعث بغتة، مشطين المنطقة برصاصهم الأعمى. وفي تلك اللحظة الحرجة، انحدر مقاتلو البيشمركة من قمم الجبال كالصقور، لتندلع معركة ضارية وتصادم مروع هزّ أركان الوادي.
وسط لعلعة الرصاص وشظايا الزجاج، اخترقت رصاصة طائشة جسد عريب وهو خلف مقود سيارته. رأى دلشاد المشهد، فجنّ جنونه. حاول بكل ما أوتي من قوة أن يركض نحو السيارة، أن يقتحم الموت لينتزع عريب من براثن الحديد، لكن مقاتلي البيشمركة سحبوه بقوة وأجبروه على التراجع لحمايته، بينما كان يصرخ ويبكي بحرقة تفتت الصخر، حتى انقشع ظلام الليل وبزغت خيوط الفجر الأولى.
ومع الضوء، انسحبت قوات البعث مدحورة من تلك النقطة. ركض دلشاد كالمجنون نحو السيارة، فتح الباب المخلوع، فوجد عريب شاخصاً، قد أسلم الروح لبارئها ومات في مكانه.
انهار دلشاد فوق الجسد الطاهر، حضنه باعتصارٍ مرير، بكاءٌ يشبه نحيبه يوم فقد أمه وأبيه. مسح الدم عن وجه عريب المنطفئ وصاح بنبرة تمزق نياط القلب:
يا أخي الذي لم تلده أمي.. يا ابن الجنوب. كنتَ لي أهلاً يوم عزّ الأهل، وواستني في حزني وعتمتي، ولم أستطع أن أكون لك أهلاً كما استحققت.. تركتَ بيتك لتمنحني الحياة، وتموت أنت في جبالي؟
حمله مقاتلو البيشمركة بوقار، ودفنوه هناك، في أعلى قمة جبلية من جبال السليمانية. ولأول مرة في تاريخه، برد قلب عريب من حرقة الوحدة التي نهشت روحه لسنوات، لقد مات وحيداً بلا أولاد، لكنه دُفن محاطاً بأمة كاملة تحرسه. لأول مرة، احتضنت جبال (كوردستان) الشاهقة جسداً جنوبياً، وضمت تربتها دماءً شيعية لتصبح شاهداً أزلياً على صدق تلك الصداقة النبيلة التي ولدت في ظلمة الخوف وعاشت بالدم.
مرت الأيام والشهور، والتحق دلشاد بالجبل رسمياً، حيث التقى بأخيه المقاتل (خالد) ارتمى الشقيقان في عناق طويل، وراح دلشاد يقصّ عليه بدموع لا تجف تفاصيل جحيم أبو غريب، وعن نبل ذلك العربي الجنوبي الذي قاده إلى الحرية ومات على أعتابها. بكى الأخوان معاً حزناً على ما حلّ بالعائلة، وتقاسما سلاحاً واحداً وعهداً بالثأر لكل المظلومين.
ودارت عجلة التاريخ، وتهيأت الظروف النفسية والسياسية ليأخذ المظلوم حقه. وجاء آذار عام 1991.. انطلقت شرارة (الرابرين الانتفاضة الكوردية الكبرى) من رانية، بوابة الانتفاضة، لتمتد كالنار في الهشيم.
انحدرت قوات البيشمركة من الجبال كالأمواج العاتية، تتقدمهم أطياف الشهداء. وبدأ انهزام البعث التاريخي، تساقطت مقراتهم وسيطراتهم واحدة تلو الأخرى كبيوت من ورق.في الخامس من آذار، بدأت شرارة الثورة في رانية ، وفي السابع من آذار، دخلوا إلى السليمانية،وفي الحادي عشر من آذار، دخلوا إلى أربيل،وفي الثالث عشر من آذار، دخلوا إلى زاخو وكويه،وفي الرابع عشر من آذار، دخلوا إلى دهوك، وصولاً إلى كركوك وفي العشرين من آذار، دخلوا إلى كركوك ،وكل شبر من أرض كردستان التي نفضت غبار السنين.
هنا، تشكلت الملحمة الجدارية الكبرى في وجدان دلشاد. لم تكن مجرد انتصار عسكري، بل كانت إعادة رسم لخارطة الوجود. نزل الناس إلى الشوارع، وشبكوا الأيادي في دبكة كردية عارمة اهتزت لها الأرض.
بدت حركات الأقدام وهي تضرب الأرض بقوة وثبات كأنها تكتب بالخط العريض( هذه الأرض لنا.. واليوم نعود) وكانت خطوة، السرجوبي (رأس الدبكة) العنيفة والمقدامة تنطلق من قلب الرابرين لتعطي إيقاع الحرية لكل مدينة، من زاخو الأبية، إلى سوران، إلى شقلاوة، وحلبجة التي ضمدت جراحها بالرقص فوق الموت.
وقف دلشاد وسط الحشود الهاتفة بملابسه الكوردية، ونظر نحو القمم البعيدة، حيث يرقد عريب في سلام. شعر في تلك اللحظة بالعدالة النفسية والكونية تتجلى أمامه، فالأرض التي رُويت بدم شهداء تحررت اليوم، وباتت روحه ترفرف فوق حلقات الدبكة.
لم تنتهِ القصة بموت ، بل بدأت،فالجسد الذي آوى السجين الهارب غدا جزءاً من تراب الجبل الشامخ. بقيت الصداقة الحقيقية عابرة للأنظمة والحدود، يذكرونها كلما صدح نشيد الحرية، وكلما ضربت أقدام البيشمركة الأرض في رقصة النصر الأخيرة.