عدالة معلّقة على الحدود: لماذا أنصف القانون «رفحاء» وتجاهل مهجّري كوردستان 1991؟
لم يبدأ تهجير الكورد عام 1991؛ فقد سبقته سنوات من الترحيل القسري وتدمير القرى وحملات الأنفال والقصف الكيميائي. لكن بالتزامن مع فرار عراقيين من الجنوب عقب إخماد الانتفاضة الشعبانية عام 1991 إلى مخيم «رفحاء» بالسعودية، اندفعت أعداد هائلة من العائلات الكوردية إثر انتفاضة آذار 1991 ونقض النظام السابق للعهود نحو الحدود التركية والإيرانية في واحدة من أكبر مآسي التهجير الجماعي. وهنا يبرز السؤال الحقوقي الجوهري: إذا كان جميع هؤلاء قد فرّوا من بطش النظام نفسه وفي العام ذاته (1991)، فلماذا أصبح الوصول إلى «رفحاء» أساساً لمركز قانوني خاص ومستقل لمكون ومحيط جغرافي محدد، بينما أُهمل مهجّرو كوردستان لعام 1991 الذين عاشوا الظروف الإنسانية المأساوية ذاتها على الحدود؟
تجلّت هذه المفارقة التشريعية والتمييز الفئوي بعد عام 2003 عند صدور قانون مؤسسة السجناء السياسيين رقم (4) لسنة 2006، وتعديله رقم (35) لسنة 2013، الذي نصّ صراحة على «محتجزي رفحاء» وشمل فئة محددة من ضحايا حلبجة لعام 1988. وتبرز الإشكالية القانونية في التساؤل الآتي: كيف تجاوز المشرّع القيد الزمني المفترض للاستحقاق ليشمل أحداث عام 1988، في حين تجاهل بصورة كاملة تهجير كوردستان عام 1991، رغم تزامنه الزمني والموضوعي مع أحداث رفحاء؟ إن هذا الانتقاء التشريعي يمثّل إخلالًا بمبدأ المساواة ونكوصًا عن مفهوم الشراكة الوطنية، إذ صيغ القانون بمنطق جغرافي وفئوي حصر الامتيازات بمكوّن محدد، متجاهلًا المادتين (14) و(16) من دستور جمهورية العراق اللتين تكفلان المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص (جريدة الوقائع العراقية، العدد 4012، 2005، ص 2–4؛ والعدد 4291، 2013، ص 1–8).
ومن ثمّ يبرز تناقض واضح في الخطاب الدستوري، إذ لا يستقيم قانونًا الاحتجاج بالدستور لتقييد صلاحيات إقليم كوردستان أو اتهامه بعدم الالتزام بأحكامه، في الوقت الذي تُقر فيه السلطة التشريعية قوانين تُثار بشأنها إشكالات دستورية تتعلق بمخالفة المبادئ ذاتها التي نص عليها الدستور، ولا سيما مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص. فاحترام الدستور لا يتحقق بالاستناد إلى نصوصه عند محاسبة طرف دون آخر، وإنما يقتضي تطبيق أحكامه على جميع السلطات والجهات دون انتقائية أو تمييز، وإلا فقد الدستور وظيفته بوصفه المرجعية القانونية العليا، وأصبح أداة تُوظَّف وفق موازين الأغلبية والاعتبارات السياسية، لا وفق مبدأ سيادة القانون الذي يجب أن يخضع له الجميع.
ورغم محاولات بعض النواب الكورد عام 2013 لتدارك هذا الخلل التمييزي عبر تقديم اعتراضات ومقترحات تعديل، مرّ القانون في مجلس النواب دون أخذها بنظر الاعتبار (التغطية الصحفية والاعتراضات البرلمانية: صحيفة الزمان، عدد 20 تموز 2013؛ وأرشيف صحيفة طريق الشعب، عدد 4 أيلول 2013)، وحتى مع صدور التعديل الثاني بالقانون رقم (10) لسنة 2025 الذي نصّ على شمول معتقلي وسجناء الإقليم، بَقِيَ المعيار التشريعي محصوراً بالإثبات الفردي للاعتقال السياسي فقط، دون أن يستوعب مفهوم «التهجير والنزوح الجماعي القسري» أسوة بمخيم رفحاء (النص التشريعي الرسمي: جريدة الوقائع العراقية، القانون رقم 10 لسنة 2025). إن إثارة هذا الخلل اليوم تنطلق من واقع أن التشريع لا يزال نافذاً وآثاره الحقوقية والمالية مستمرة، مما يجعل مراجعته وتصحيح معاييره استحقاقاً دستورياً لا يسقط بالتقادم، ويضع التمثيل السياسي والبرلماني أمام مسؤولية مباشرة عن السكوت على قوانين تجزّئ العدالة الانتقالية.
واليوم، أتساءل بصفتي مواطنة ومن مهجّري 1991: أين المساواة الدستورية؟ إن العدالة الانتقالية تُبنى على حجم الضرر والاضطهاد، لا على اسم المخيم أو الجغرافيا. لقد هُجّرتُ من بطش النظام ذاته وفي الظروف عينها، فلماذا صار طريق رفحاء اعترافاً قانونياً واستحقاقاً مالياً، بينما توقفت العدالة عند جبال كوردستان؟