د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
إرادة البناء أقوى من محاولات الترهيب بالمسيّرات
تأتي محاولة الاستهداف الغادرة الأخيرة في قضاء بيرمام، عبر طائرتين مسيّرتين مفخختين أُطلقتا من داخل الأراضي الإيرانية باتجاه مكتب السيد مسرور بارزاني، رئيس حكومة إقليم كوردستان ومقر إقامة مدير وكالة الحماية (البارستن)، لتعكس محاولات بائسة ومكشوفة لزعزعة الأمن والنأي بالإقليم عن مساره التنموي والسياسي الواعد.
إن هذا الاعتداء الجبان لا يستهدف مجرد مواقع إدارية وأمنية، بل يشكل اعتداءً صارخاً على سيادة العراق وإقليم كوردستان، ومحاولة مكشوفة لجر المنطقة إلى أتون الصراعات الإقليمية والتجاذبات العسكرية المحتدمة.
وفي مواجهة هذه التحديات، يبرز الدور المحوري لرئيس حكومة إقليم كوردستان، الذي يواصل ترسيخ معالم حوكمة قائمة على البناء والازدهار والارتقاء بالمستوى الخدمي والاقتصادي، رافضاً الخضوع لمحاولات الترهيب أو التراجع عن الالتزام بالمسؤولية الوطنية تجاه أبناء الشعب.
كيف لطائرات مسيّرة عابرة في أثير العنف أن ترهب من تسري في عروقه جينات الجبل؟
إن مسرور بارزاني، سليل مدرسة البيشمركة الأبية، ونجل الرئيس و المرجع الکوردستاني مسعود بارزاني، وحفيد الخالد مصطفى بارزاني، يحمل في وجدانه إرثاً تاريخياً وثقافة نضالية علّمته أن السيادة لا تُصان بالخوف، وأن الأوطان لا تبنى بالإذعان.
في فلسفة و عقیدة هذه السلالة الوطنية، ليست الطائرات المسيرة سوى ظلال زائلة أمام صلابة الشمم الكوردستاني، فالذي تربى في أحضان الثورة واختبر صمود الجبال يدرك أن أذى الطائرات لا يثني صاحب الحق، وأن الشجاعة الحقيقية تجسدها القدرة على تحويل التهديد إلى إصرار مضاعف على البناء.
إن رؤية قيادة الإقليم أثبتت تمسكها بالاستقرار والنأي بالنفس عن خوض الحروب بالإنابة، وجعل كوردستان واحة للتعايش السلمي والتطور العمراني وملاذاً آمناً للجميع، مع إبقاء أولوية التنمية الاقتصادية وحماية المقدرات الوطنية فوق كل اعتبار.
ولأن المحن والاعتداءات الخارجية طالما كانت صخرة تتحطم عليها أوهام المعتدين، فإن هذه الهجمات الغادرة لا تجد في كوردستان سوى نتيجة عكسية لمساعي منفذيها، إذ تزكي روح التلاحم الكوردستاني وتزيد الشعب ثباتاً واصطفافاً خلف قيادته الحكيمة.
إن الوقفة الجماهيرية الصلبة والتفاف كافة أطياف المجتمع الكوردستاني حول القيادة الشرعية والمؤسسات الأمنية يعكسان إدراكاً عميقاً بأن استهداف القيادة هو استهداف للمشروع التنموي والكيان الدستوري بأكمله.
هذا التماسك الشعبي يعيد تأكيد الحقيقة الراسخة بأن وحدة الصف هي الحصن المنيع والجدار الأقوى الذي يحمي الإقليم من كل المخططات الخارجية.
ويكتمل هذا المسار العقلاني بالتناغم والتعاون الاستراتيجي مع الحكومة الاتحادية برئاسة السيد علي الزيدي، إذ يشكل التنسيق المباشر والعمل المؤسساتي المشترك بين أربيل وبغداد صمام أمان حقيقي لحماية أمن البلاد وسيادتها وتثبيت أركان الاستقرار.
إن توحيد الرؤى والخطاب بين الإقليم والعاصمة الاتحادية يوجه رسالة حازمة مفادها أن العراق بكل مكوناته حريص على صون حدوده ومؤسساته الدستورية وحصر السلاح بيد المؤسسات النظامية، مع رفض كل أشكال الانتهاكات الخارجية للسيادة الوطنية.
وعلى صعيد العلاقات الدولية والدبلوماسية، يرسخ إقليم كوردستان موقعه كشريك دولي موثوق وركيزة للاتزان في الشرق الأوسط، متخذاً من مبادئ احترام السيادة، وحسن الجوار، والالتزام بالقوانين والمواثيق الأممية نهجاً ثابتاً.
ويرفض الإقليم بشكل قاطع جعل أراضيه منصة للاعتداءات أو ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، مواصلاً تعزيز شراكاته الاستراتيجية مع المجتمع الدولي والتحالفات الأممية في مجالات مكافحة الإرهاب، وترسيخ الأمن، ودعم التنمية المستدامة عبر أدوات الدبلوماسية الوقائية والحوار البنّاء.
ختاماً، إن الرهان على لغة الترهيب والطائرات المسيرة لم ولن يفلح في فرض واقع سياسي جديد أو إثناء إقليم كوردستان عن خياراته الوطنية.
إن رسالة أربيل اليوم حاسمة وواضحة: السيادة الوطنية خط أحمر، والاستقرار أولوية لا مساومة عليها، وخيار التنمية والتعايش قدر محتوم.
وستظل إرادة السلام والإعمار لدى القيادة والشعب أقوى من كل الضغوط الخارجية والرسائل العسكرية الصريحة أو المشفرة، محصنةً بالتلاحم الشعبي والتوافق الوطني، وبإصرار لا يلين لصيانة المكتسبات الدستورية وبناء المستقبل.