الإمام الشافعي رمز روحي للكورد في مصر و مسجده وقبته تاريخ ممتد من العمارة عبر العصور
قد يبدو غريبًا أن تجد في بهو المسجد أو حول الضريح من يتحدثون باللغة الكوردية، فيتبادر إلى الذهن السؤال: لماذا للإمام الشافعي مريدون من الكورد في مصر؟
وقبل تفسير تلك العلاقة، فإن ضريح ومسجد الإمام الشافعي من الآثار التي يحرص العراقيون والكورد على زيارتها. ففي قلب قرافة القاهرة، حيث تتجاور طبقات التاريخ الإسلامي وتتعانق شواهد العلماء والسلاطين، تقف قبة الإمام الشافعي واحدةً من أهم المعالم الدينية والمعمارية في مصر، ليس فقط لأنها تحتضن ضريح أحد أكبر أئمة الفقه الإسلامي، وإنما لأنها تختصر في بنائها قصة طويلة من العلم والسياسة والعمارة والرعاية، امتدت لأكثر من ثمانية قرون.
معلم ومرجع
والثابت حسب المصادر التاريخية أن الكورد يرون في الشافعى معلما ومرجعا ، ومريدوه كثيرون ،كما أسهم العلماء الكورد من أتباع المذهب الشافعي إسهامًا كبيرًا في ترسيخ أصوله، وتمحيص مسائله، وتدريس علومه، والتأليف فيه على امتداد قرون طويلة، حتى أصبح اسم الكورد يرتبط في كثير من المصادر التاريخية والعلمية بالمذهب الشافعي.
إذ أن أغلب العلماء الكورد، ، تشفَّعوا في مذهبهم الفقهي، وأصبح لهم الباع الطويل في خدمة هذا المذهب عن طريق تدريسه والتأليف فيه ونشره والإفتاء على قواعده.
قبة ومسجد وحي شاهد على تاثيره
في مصر يعد حي افمام الشافعي مركزا وسطا للقاهرة القديمة ، وهو من أكثر الأحياء الشعبية التراثية فيه مساجد وقباب وبيوت قديمة جدا لعلماء وفقهاء وشخصيات أثرت في التاريخ القديم .. تكتسب قبة الامام الشافعي خصوصية إضافية لدى الكورد، الذين ارتبطوا بالمذهب الشافعي ارتباطاً تاريخياً وثيقاً، ثم كان للأيوبيين ذوي الأصل الكوردي دور أساسي في إحياء المذهب الشافعي في مصر، وفي إقامة البناء الذي أصبح لاحقاً واحداً من أشهر آثار القاهرة الإسلامية.

من هو ؟
وهو الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، القرشي المطلبي، ولد في غزة سنة 150هـ/767م، ونشأ في مكة، ورحل في طلب العلم بين الحجاز والعراق، والتقى بالإمام مالك بن أنس، ثم انتقل إلى مصر سنة 198هـ/813م، حيث أمضى سنواته الأخيرة وطور مذهبه الذي عرف بالمذهب "الجديد". ولم تكن إقامته في مصر طويلة، إذ توفي سنة 204هـ/820م، ودُفن في قرافة بني عبد الحكم، في مقبرة أسرة تلميذه عبد الله بن عبد الحكم. ومع مرور الوقت أصبح قبره موضع زيارة وتقدير، ثم تطور المكان تدريجياً حتى أصبح واحداً من أهم المزارات العلمية والدينية في القاهرة.
وتكمن أهمية الشافعي بالنسبة إلى الكورد في أن المذهب الذي حمل اسمه أصبح، منذ القرون الوسطى، من أكثر المذاهب السنية انتشاراً في المناطق الكوردية. وتشير الدراسات التي تناولت تاريخ المذاهب لدى الكورد إلى أن الشافعية بدأوا في الانتشار بينهم بصورة واضحة منذ القرن الرابع الهجري، ثم أصبح المذهب الشافعي، إلى جانب العقيدة الأشعرية، الغالب بين قطاعات واسعة من الكورد، وبرز علماء وفقهاء أكراد أسهموا في التدريس والتأليف والقضاء وخدمة المذهب. وكانت مدن مثل أربيل والموصل وديار بكر والجزيرة مراكز مهمة للتعليم الشافعي، وظهرت فيها مدارس شافعية منذ القرون الوسطى.

مكانة خاصة في الذاكرة الدينية
ومن هنا يمكن فهم السبب الذي جعل ضريح الإمام الشافعي يحتل مكانة خاصة في الذاكرة الدينية والثقافية الكوردية؛ فالكورد لا ينظرون إليه باعتباره ضريح إمام مصري عاش في القاهرة فحسب، وإنما باعتباره رمزاً لإمام المذهب الذي أصبح جزءاً مهماً من تاريخهم الديني والعلمي. وتزداد هذه الصلة وضوحاً عندما نصل إلى الدولة الأيوبية، التي أسسها صلاح الدين الأيوبي، المنحدر من أسرة كوردية، وكان هو نفسه شافعياً. وقد ارتبط المشروع الأيوبي في مصر والشام بإحياء المؤسسات السنية، وفي مقدمتها المؤسسات التي تعنى بالمذهب الشافعي. وتشير دراسة أكاديمية عن جهود صلاح الدين في إحياء المذهب السني إلى أنه أنشأ مدارس للشافعية والمالكية، وجعل القضاء في مصر في المرحلة الأولى من عهده بيد فقهاء شافعية، ومن أبرزهم القاضي صدر الدين عبد الملك بن درباس الكوردي.
ولهذا لم تكن عناية صلاح الدين بالإمام الشافعي منفصلة عن مشروعه العلمي والديني العام. ففي سنة 572هـ/1176م أقام صلاح الدين مبنى على قبر الإمام الشافعي، وهو أول بناء مهم أقيم فوق القبر وفق ما توضحه وزارة السياحة والآثار المصرية. وكان إنشاء هذا الضريح في تلك المرحلة يحمل معنى دينياً وعلمياً واضحاً، في وقت كانت فيه الدولة الأيوبية تعيد تنظيم الحياة الدينية في مصر بعد نهاية الدولة الفاطمية، وتوسع حضور المدارس السنية، وخاصة الشافعية.

ترميم البنايات والقباب
وافتُتحت القبة بعد انتهاء مشروع الترميم في أبريل 2021، لتعود إلى استقبال الزائرين في صورة أكثر حفاظاً وإضاءة وتوثيقاً. وتذكر وزارة السياحة والآثار أن أعمال الترميم استمرت قرابة خمس سنوات وبلغت تكلفتها أكثر من 22 مليون جنيه، وأن المشروع تضمن أيضاً تطوير نظام الإضاءة وتوثيق مبنى القبة وتفاصيله الزخرفية توثيقاً شاملاً.
ومن المهم هنا التمييز بين "الرعاية الكوردية التاريخية" و"الترميم الحديث": فالمشروع الحديث لم يكن مشروعاً كردياً، وإنما مشروع مصري أثري شاركت فيه مؤسسات دولية ومبادرة مجتمعية، تحت إشراف وزارة السياحة والآثار. أما الصلة الكوردية فتعود أساساً إلى العصر الأيوبي، وإلى المكانة التي احتلها الإمام الشافعي والمذهب الشافعي في الثقافة الدينية للكرد، وإلى الدور الذي لعبه سلاطين أيوبيون من أصل كردي في بناء الضريح وتطوير المؤسسات الشافعية حوله.
وهنا تظهر المفارقة الجميلة في تاريخ القبة: إمام ولد في غزة، وتعلم في مكة والعراق، ثم جاء إلى مصر فأصبح واحداً من أهم أعلامها؛ ومذهب خرج من مدرسة ذلك الإمام فأصبح بعد قرون مذهباً واسع الانتشار بين الكورد؛ وأسرة كوردية وصلت إلى حكم مصر فوجدت في ضريح الإمام الشافعي رمزاً دينياً وعلمياً يستحق البناء والرعاية؛ ثم تحولت القبة نفسها إلى أثر مصري عالمي يجمع في طبقات عمارته بين الفاطمي والأيوبي والمملوكي والعثماني والحديث.
ولهذا فإن زيارة الكورد لضريح الإمام الشافعي في مصر ليست مجرد زيارة لضريح عالم جليل، وإنما تحمل معنى ثقافياً يتجاوز حدود الجغرافيا.

صلة روحية للكورد
إنها صلة بين إمام ارتبط اسمه بالمذهب الشافعي، ومجتمع كوردي أصبح المذهب الشافعي جزءاً أصيلاً من تاريخه الديني، ودولة أيوبيّة كوردية جعلت من القاهرة مركزاً لإحياء هذا المذهب، وأثر مصري ظل شاهداً على ذلك كله. وإذا كان صلاح الدين الأيوبي قد وضع إحدى اللبنات الأولى في العمارة الكبرى التي أحاطت بقبر الإمام، فإن الملك الكامل بن العادل هو الذي منح المكان صورته المعمارية الأساسية في سنة 608هـ/1211م، ثم جاءت الأجيال اللاحقة لتضيف وتجدد وتحفظ، إلى أن وصلت القبة إلى مشروع الترميم الحديث الذي اكتمل وافتتح في 2021.
وهكذا تبدو قبة الإمام الشافعي أكثر من قبة فوق ضريح؛ إنها ذاكرة ممتدة للعلاقة بين مصر والمشرق، وبين العلم والسلطة، وبين الفقه والعمارة، وبين الأيوبيين والكورد من ناحية والإمام الشافعي ومذهبه من ناحية أخرى. وفي خشبها ورخامها وجصها ورصاصها وطبقاتها الأثرية حكاية أكثر من ثمانية قرون، بدأت بقبر عالم، ثم صارت مدرسة للعلم والزيارة، ثم تحولت إلى ضريح ملكي أيوبي، ثم إلى تحفة مملوكية وعثمانية، وصولاً إلى أثر مصري جرى ترميمه علمياً في العصر الحديث. ولذلك ظل الإمام الشافعي حاضراً في الذاكرة الكوردية، وظلت قبته في القاهرة واحدة من أبرز الأماكن التي يلتقي عندها التاريخ الكوردي بالتاريخ المصري في مشهد معماري وروحي واحد.