اليوم من الفاتيكان : صفحةٌ احترقت… ولم يحترق معناها

اليوم من الفاتيكان : صفحةٌ احترقت… ولم يحترق معناها
اليوم من الفاتيكان : صفحةٌ احترقت… ولم يحترق معناها

في قلب روما؛ في الفاتيكان، كان اليوم ٢١ من آب ٢٠٢٦ بالنسبة لي أكثر من لقاء؛ كان يوماً مباركاً سيبقى راسخاً في الذاكرة والوجدان.

سعدت اليوم، إلى جانب نخبة من القيادات والشخصيات الكاثوليكية من وزراء ورؤساء برلمانات ومشرّعين ومستشارين وأعضاء في الكونغرس، قدموا من الولايات المتحدة وأوروبا وإفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، أن ننال البركة الأبوية من قداسة البابا ليو الرابع عشر، وأن نستمع إلى كلماته، ونرفع الصلاة معه من أجل الإنسان والسلام، ومن أجل كنيسةٍ لا تزال تحمل رسالتها ورجاءها وسط عالمٍ بالتحديات والصعوبات ومثقل بالحروب والألم.

وفي هذه المناسبة المباركة، تشرفت بأن أقدّم لقداسته هديةً متواضعة في حجمها، لكنها بالنسبة لي تحمل تاريخ شعبٍ وذاكرة وطنٍ ورسالة وجود:

صفحةً باللغة السريانية من كتاب صلاة قديم، أكلت النار جزءاً منها، لكنها لم تستطع أن تأكل كلماتها.

هذه الصفحة كانت من كتاب صلاة تضرر خلال ما حلّ بكنائسنا العريقة التي يعود تاريخها لفجر المسيحية على يد تنظيم داعش الإرهابي، ثم استُعيد بعد تحرير مناطقنا على يد قوات البيشمركة البطلة، بقيادة الرئيس مسعود بارزاني، وبالتعاون مع القوات الأمنية العراقية وبدعم قوات التحالف الدولي.

لم تكن هديتي لقداسة البابا مجرد صفحةٍ قديمة نجت من الحريق؛ بل أردتها أن تكون شاهداً حياً على قصة المسيحيين في أرضهم التاريخية في بلاد الرافدين والشرق، قصة من وقف معهم في وقت المحنة والتجارب الصعبة. 

فالنار التي لامست أطرافها تشبه النار التي مرّت على قرانا وكنائسنا وبيوتنا وذاكرتنا. والجزء الذي فُقد منها يذكّرنا بما فقدناه نحن أيضاً: أرواحاً، وبيوتاً، وكنائس، وقرى، وعائلات اضطرت إلى الهجرة، وحضوراً مسيحياً تقلّص في أرضٍ كان فيها منذ فجر المسيحية.

لكن ما بقي من الصفحة هو الأهم.

بقيت الكلمات.
بقيت الصلاة.
بقيت اللغة.
وبقي الإيمان.
وبقيت الكنيسة.

وكذلك نحن.

قد يكون وجودنا المسيحي في الشرق قد جُرح، وقد تكون أجزاء عزيزة منه قد فُقدت أو تشتت في المنافي وبلدان الانتشار، لكنه لم يفقد معناه، ولم تنطفئ رسالته، ولم تنقطع جذوره عن الأرض التي احتضنت آباءنا وأجدادنا منذ آلاف السنين.

واللغة السريانية التي كُتبت بها هذه الصلاة، لغة تراثنا وتاريخنا الكلداني والآشوري والسرياني والآرامي، ليست مجرد حروفٍ باقية على ورقٍ محترق؛ إنها صوت كنائسنا، وصلوات آبائنا، وذاكرة شعبٍ أصرّ، رغم الاضطهاد والمجازر والتهجير والإرهاب، على أن يبقى شاهداً للمسيح في أرضه.

لهذا، وأنا أضع هذه الصفحة بين يدي الأب الأقدس، شعرت بأنني لا أقدّم له أثراً من الماضي فحسب، بل أضع أمامه رسالةً من مسيحيي كوردستان والعراق والشرق إلى الكنيسة الجامعة والعالم:

لقد حاولوا أن يحرقوا كتاب الصلاة، فبقيت الصلاة.
حاولوا أن يهدموا الكنائس، فبقي الإيمان.
حاولوا أن يقتلعونا من أرضنا، وما زالت جذورنا فيها حيّة راسخة.

هذه الصفحة المحترقة ليست رمزاً لنهايتنا، بل شهادة على بقائنا.

وما دام في هذه الأرض مسيحيٌّ يرفع صلاةً بلغته، وجرس كنيسةٍ يُقرَع، وأمٌّ تعلّم أبناءها إيمان آبائهم ولغة أجدادهم، فإن قصة المسيحية في بلاد الرافدين والشرق لم تنتهِ، ولن تكون صفحةً تُطوى.

شكراً لقداسة البابا ليو الرابع عشر على بركته الأبوية وصلاته وقربه من مسيحيي الشرق.

وفي يومٍ كهذا، لا نطلب امتيازاً ولا شفقة؛ بل نرفع صلاةً ورجاءً بأن نبقى في أرضنا، أحراراً وآمنين ومتساوين، نحمل إيماننا وتراثنا ورسالتنا، ونشارك إخوتنا وشركائنا في بناء وطنٍ يسع الجميع بعدالة ومساواة.