بارزان… حين تتحول القيم إلى نهج، والنهج إلى وطن والقائد إلى رمز
في السادس عشر من آب، لا نقف أمام ذكرى عابرة في روزنامة السياسة الكوردستانية؛ بل أمام تلاقي تاريخين في يوم واحد: الذكرى الثمانين لميلاد الرئيس والزعيم مسعود بارزاني، والذكرى الثمانين لتأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
ثمانون عاماً، ولكن جذور الحكاية أقدم من الحزب، وأقدم من الدولة العراقية الحديثة نفسها؛ لأنها تبدأ من بارزان، من تلك البقعة الصغيرة في جغرافيتها، الكبيرة في معناها، حيث وُلد قبل أكثر من قرن نهجٌ لم يكن مجرد حركة سياسية أو دينية، وإنما مدرسة في الإنسان والعدالة والحرية والكرامة.
ففي زمنٍ كانت فيه مفاهيم حقوق الإنسان والقانون الدولي والمؤسسات الأممية لم تتبلور بعد بصورتها المعاصرة، كان الشيخ الشهيد عبدالسلام بارزاني يطرح مشروعاً لصون الإنسان و للإصلاح الاجتماعي سبق عصره: الوقوف بوجه الإقطاع، وإعادة الأرض إلى الفلاحين، والدفاع عن حقوق المرأة، ورفض الزواج القسري، وترسيخ مفهوم أن البشر إخوة في الإنسانية، وربط الإيمان بالأخلاق والعدالة ومقاومة الظلم.
ثم جاء جناب الخودان الشيخ أحمد البارزاني ليحمل هذه الأمانة ويحافظ عليها ويعمّقها؛ حتى أصبحت بارزان فضاءً يتجاور فيه المسلم والمسيحي واليهودي والأديان الأخرى، ويكون التنوع الديني جزءاً من قوة المجتمع لا سبباً لإقصائه وإضعافه .
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن تلك المدرسة لم تحصر مفهوم الأخلاق في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، بل وسّعته ليشمل علاقته بالأرض والطبيعة. فمنع قطع الأشجار بلا ضرورة قصوى، ووُضعت قيود صارمة على الصيد والإضرار بالحيوانات، وترسخت ثقافة احترام المياه وعدم الإسراف فيها. وما زالت آثار هذا الإرث البيئي حاضرة في بارزان إلى اليوم.
إنها، بمفاهيم علم السياسة المعاصر، لم تكن مجرد سلطة محلية، بل محاولة مبكرة لبناء عقد اجتماعي يقوم على العدالة والمسؤولية والتكافل والكرامة.
وهنا تكمن فرادة نهج بارزان.
فالدولة، كما يعلمنا التاريخ السياسي، لا تُبنى بالقوة وحدها. والمؤسسات لا تعيش بالقوانين وحدها. إنما تحتاج الأمم، قبل ذلك كله، إلى منظومة قيم تمنح السلطة شرعيتها، والمجتمع تماسكه، والنضال معناه.
وبينما كانت أجزاء واسعة من العالم، بما فيها أوروبا، تدخل خلال النصف الأول من القرن العشرين في أتون القومية المتطرفة والحروب والمجازر والاضطهاد الديني والعرقي، كانت بارزان، بإمكاناتها البسيطة، تؤسس لفكرة مختلفة: أن قوة الجماعة لا تأتي من إلغاء المختلف، وإنما من حماية كرامته وإشراكه في المصير.
ومن هنا انتقلت الفكرة من الإصلاح الاجتماعي إلى حركة التحرر الوطني.
حمل البارزاني الخالد الملا مصطفى ذلك الإرث، ولم يقبل ابداً ان تكون ثورة أيلول المجيدة حرباً بين الكورد والعرب، بل نضالاً ضد الظلم ومن أجل حقوق شعب كوردستان بكل مكوناته القوميّة والدينية. ولهذا استطاعت الثورة أن تضم في صفوفها الكورد والمسيحيين الكلدان والآشوريين والسريان والأرمن والتركمان والعرب وغيرهم، وأن تتحول من ثورة قومية بمفهومها الأولي إلى قضية حرية وحقوق وكرامة ووطن.
وكان من أبرز ثمار هذا النضال اتفاق الحادي عشر من آذار عام 1970، حين اضطرت الدولة العراقية للمرة الأولى إلى الاعتراف رسمياً بالحقوق القومية للكورد والكوردستانيين ومبدأ الحكم الذاتي لكوردستان.
ثم جاءت ثورة گولان امتداداً لذلك الطريق بعد مؤامرة اتفاقية الجزائر السيئة الصيت عام 1975، وبقيت شعلة المقاومة حية حتى انتفاضة آذار المجيدة عام 1991، عندما نهض شعب كوردستان، بمختلف قواه ومكوناته، ليحوّل عقوداً من التضحية إلى واقع سياسي جديد.
وفي هذه السلسلة الطويلة من الوفاء لا يمكن أن نمر من دون أن نبعث السلام والصلاة إلى روح الشهيد إدريس ملا مصطفى بارزاني، الذي رحل في ريعان عطائه، وبقي اسمه مرتبطاً بالسعي وتحقيق السلام الداخلي ووحدة الصف الكوردستاني، وكان سنداً وأخاً ورفيقاً للرئيس مسعود بارزاني في واحدة من أصعب مراحل التاريخ الكوردستاني.
ومن هنا نصل إلى الرئيس والقائد والرمز كاك مسعود بارزاني.
فالقيادة في الفكر السياسي ليست أن يرث الإنسان موقعاً؛ بل أن يرث مسؤولية تاريخية ويستطيع نقلها إلى زمن جديد ويضيف اليها من فكره وعمره وحياته ونضاله وشخصيته.
وهذا، في تقديري، هو مفتاح قراءة تجربة الرئيس مسعود بارزاني.
لقد انتقل نهج بارزان معه من زمن الثورة والجبل إلى زمن المؤسسات والدستور والعلاقات الدولية؛ ومن الدفاع عن الوجود إلى بناء كيان سياسي له برلمانه وحكومته ومؤسساته وعلاقاته الإقليمية والدولية.
وهذا التحول من الثورة إلى الدولة والمؤسسة هو من أصعب التحولات التي تواجه حركات التحرر في التاريخ. فكثير من الثورات نجحت في إسقاط واقعٍ قديم، لكنها أخفقت في بناء واقع جديد. أما تجربة كوردستان، وعلى الرغم من الحروب والحصار والإبادة والأنفال والاقتتال الداخلي والأزمات المتلاحقة، فقد استطاعت أن تنتقل تدريجياً من حركة مقاومة إلى تجربة حكم ومؤسسات بقيادة الرئيس بارزاني.
والأهم أن جوهر النهج لم يتغير بل تطور.
فعندما عصفت الفتنة الطائفية بالعراق، أصبحت كوردستان ملاذاً للهاربين منها. وعندما اجتاح إرهاب داعش مساحات واسعة من العراق عام 2014، فتحت كوردستان أبوابها أمام النازحين والمهجرين من المسيحيين والإيزيديين والعرب والتركمان وغيرهم.
وبالنسبة لنا نحن المسيحيين، لم يكن هذا مفهوماً سياسياً نظرياً؛ بل تجربة عشناها ورأيناها. لقد أصبحت كوردستان وطناً آمناً لعشرات الآلاف من عوائل أبناء شعبنا الذين اقتلعهم الإرهاب من بيوتهم، وكانت عنكاوا شاهداً حياً على أن قيم العيش المشترك التي بدأت قبل أكثر من قرن في بارزان لم تبقَ حبيسة التاريخ، وإنما تحولت عند المحنة إلى موقف ومسؤولية.
واليوم، ومع حكومة إقليم كوردستان برئاسة الأخ مسرور بارزاني، تدخل التجربة مرحلة أخرى: مرحلة تثبيت المؤسسات، وتحديث البنية التحتية، والإصلاح الاقتصادي، والتحول الرقمي، وتنويع مصادر الطاقة والاستثمار وربط كوردستان بالعالم؛ وكل ذلك في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، وفي ظل أزمات مالية وسياسية وأمنية لم تتوقف.
وهنا أيضاً تظهر قيمة المدرسة السياسية أكثر من قيمة الظرف السياسي.
فالقائد قد ينجح في إدارة مرحلة، أما النهج فهو الذي يستطيع العبور بين الأجيال.
من الشيخ الشهيد عبدالسلام بارزاني، إلى جناب الخودان الشيخ أحمد البارزاني، إلى البارزاني الخالد الملا مصطفى بارزاني، إلى الشهيد إدريس بارزاني، وصولاً إلى الرئيس مسعود بارزاني، لم تكن السلسلة مجرد أسماء متعاقبة؛ بل استمرارية لفكرة مركزية ونهج ثابت:
الإنسان قبل السلطة، والكرامة قبل المكاسب، والأرض أمانة، والاختلاف لا يلغي الأخوّة، والحرية حق، والسلام قوة، والوطن يتسع للجميع.
ولهذا فإن الاحتفال بالذكرى الثمانين لميلاد الرئيس مسعود بارزاني والذكرى الثمانين لتأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني ليس احتفاءً بالعمر والزمن فحسب، وإنما مناسبة لقراءة ثمانين عاماً من التاريخ السياسي، وأكثر من قرن من نهج بدأ اجتماعياً وأخلاقياً في بارزان، وتحول إلى ثورة للتحرر، ثم إلى مشروع سياسي، ثم إلى مؤسسات وتجربة حكم وكيان دستوري ومشروع وطن.
وفي عالمنا اليوم، حيث تعود خطابات الكراهية والقومية المتطرفة والصراعات الدينية والإثنية بأشكال جديدة، ربما تكون الرسالة الأهم من كل هذه المسيرة بسيطة في كلماتها، عظيمة في معناها:
يمكن للإنسان أن يتمسك بهويته دون أن ينكر هوية الآخر؛
ويمكن للشعب أن يناضل من أجل حقوقه دون أن يسلب حقوق غيره؛
ويمكن للقوة أن تحمي الحرية بدلاً من أن تقمعها؛
ويمكن للاختلاف أن يصبح مصدر غنى بدلاً من أن يكون سبباً للصراع.
ويمكن للإنسان ان يصبح مركز الحياة، بدلاً ان يكون عبأً
هذه هي، بالنسبة لي، روح نهج بارزان.
وفي هذه المناسبة العزيزة، أتقدم بأحر التهاني وأصدق الأمنيات إلى فخامة الرئيس مسعود بارزاني في ميلاده الثمانين، متمنياً له العمر المديد والصحة والعافية، وإلى قيادة وكوادر وجماهير الحزب الديمقراطي الكوردستاني في الذكرى الثمانين لتأسيسه.
ثمانون عاماً مرّت…
لكن الأفكار العظيمة لا يُقاس عمرها بالسنوات، بل بقدرتها على البقاء، والتجدد، وصناعة المستقبل.
كل عام والرئيس مسعود بارزاني بخير.
وكل عام وكوردستان أكثر أمناً وازدهاراً وحريةً وتعايشاً.