د. محمد العرب
رئيس المركز العربي للأبحاث والرصد
الكوردي الذي تمنّيته أخي
هناك أصدقاء نلتقيهم في الطريق، وهناك أصدقاء يصبحون هم الطريق نفسه؛ يسكنون جزءاً من ذاكرتنا، ويكبرون معنا عاماً بعد عام، حتى يصعب علينا أن نعرف أين تنتهي الصداقة وأين تبدأ الأخوّة.
وكان الدكتور الراحل آري حمه رضا البرزنجي بالنسبة لي من هؤلاء.
عرفت آري منذ أيام الشباب والجامعة، يوم كانت الحياة لا تزال أمامنا صفحةً واسعة، وكانت أحلامنا أكبر من أعمارنا، وصداقاتنا أبسط وأكثر صدقاً ولم تكن بيننا آنذاك مصالح ولا حسابات ولا أضواء؛ كان هناك شابان يتقاسمان أياماً لا يعرفان أن الزمن سيحوّلها يوماً إلى كنزٍ من الذكريات.
في تلك السنوات عرفت معدن أري الحقيقي. كان حاضراً في المواقف قبل المناسبات، وفي الأيام الصعبة قبل أيام الفرح ، بعض الناس يثبتون صداقتهم بالكلام، وآري كان يثبتها بالموقف. وكم من موقفٍ في أيام الشباب والجامعة بقي محفوراً في ذاكرتي، رأيته فيه أخاً قبل أن يكون صديقاً ؛ يسأل حين ينشغل الآخرون، ويقترب حين يبتعد الناس، ويمنحك من صدقه ما يجعلك تشعر أن لك ظهراً لا يميل.
كبرنا، وتفرقت بنا الطرق، وأخذ كلٌّ منا نصيبه من الحياة. تبدلت المدن، وتكاثرت المسؤوليات، ومرّت السنوات بثقلها وانشغالاتها، لكن حبلاً واحداً لم ينقطع بيننا: حبل الوفاء.
كان آري كوردياً ، وكنت عربياً ، لكنني معه أدركت مبكراً أن الأخوّة الحقيقية لا تسأل الإنسان عن قوميته قبل أن تفتح له القلب. كان بالنسبة إليّ الكوردي الذي تمنّيته أخاً من دمي ؛ لا لأن بيننا اختلافاً تجاوزه الود، بل لأن صداقتنا كانت أكبر أصلاً من أن ترى ذلك الاختلاف حاجزاً.
استمر تواصلنا حتى أيامه الأخيرة، وكأن السنوات الطويلة لم تستطع أن تهزم تلك الصداقة التي وُلدت في زمن الشباب. كنا كلما تحدثنا نعود، ولو للحظات، إلى أول الطريق؛ إلى الجامعة، والوجوه القديمة، والأحلام التي كنا نحملها، والأيام التي لم نكن نعرف كم ستكون غالية حين تصبح ذكريات.
ثم جاء الخبر الذي لم أكن مستعداً له ،
رحل آري…
ومنذ رحيله وأنا أكتشف أن موت بعض الأصدقاء لا يعني غياب شخصٍ واحد؛ بل يعني أن جزءاً كاملاً من عمرك قد أُغلق بابه فجأة. رحل الرجل، وبقيت المواقف. غاب الصوت، وبقي صداه. انتهت المكالمات، لكن الحديث معه ما زال مستمراً في داخلي.
يا آري، يا صديق الشباب ورفيق العمر، كنت وفيّاً في زمنٍ أصبح الوفاء فيه عملة نادرة، وكنت أخاً لم تلده أمي، لكن ولدته الأيام والمواقف.
سأبقى أذكرك كما عرفتك: نقيّاً، أصيلاً، كريم الموقف، ثابت الود.
نم بسلام يا صديقي.
فقد رحلتَ عن الدنيا، لكنك لم ترحل من تلك المساحة في القلب التي حجزتها منذ أيام الجامعة.
سلامٌ على الكوردي الذي تمنّيته أخي…
فكان لي أخاً حتى آخر الطريق