عندما جمع المظفر حاكم أربيل طقوس المولد النبوي بين الكورد والمصريين.. الحلوى والأناشيد توثّق وحدة الاحتفال
عادات كثيرة تربط ما بين الشعبين المصري والكوردي لعل أكثرها ما يرتبط بالحياة الاجتماعية والطقوس الدينة ومنها احتفالات شهر رمضان ومناسبات مثل "المولد النبوي الشريف" الذى يحل علينا يوم الثلاثاء، 25 أغسطس 2026
فحين يقترب شهر ربيع الأول، وتبدأ الأسواق المصرية في عرض علب حلوى المولد، وتظهر عروسة السكر وحصانها في واجهات المحال، تبدو الحكاية وكأنها واحدة من أكثر العادات المصرية رسوخًا في الذاكرة الشعبية، غير أن وراء هذه الصورة المصرية تاريخًا أوسع تتقاطع فيه مصر مع العراق والشام وكوردستان، وتكشف صفحاته عن تشابه لافت في مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي، خاصة في العلاقة بين المناسبة والحلوى والموائد والصدقات وإطعام الناس.
وفى منطقة أسواق القلعة وقد زرتها تتناغم كل أنواع الحلوى والمكسرات العراقية والسورية والكوردية في بوتقة واحدة ، وتجدها في مصر بنفس الإسم يقال لك "من وسلوى" كوردي، ومن وسلوى عراقي، ومكسرات كوردية ومكسرات سورية حتى أصبحت محال بيع الحلوى في مصر تتفاخر بان بها تلك الأنواع في الإحتفال بالمولد النبوي .
تقاليد المولد الشعبي المصري قريبة جدا من الكوردي . وهو ما يعكس بوضوح عمق التقارب الديني والثقافي والاجتماعي بينهما، ويكشف عن جسور حضارية امتدت عبر قرون، حتى تبدو بعض طقوس المولد في أربيل قريبة من تلك التي عرفها المصريون، في الإنشاد والدفوف والحلوى والموائد وفرحة الناس الجماعية.
وفي قلب هذا التاريخ تبرز أربيل الكوردية، التي شهدت في العصر الأيوبي واحدًا من أشهر وأضخم احتفالات المولد التي نقلتها كتب التاريخ، بقيادة الملك المظفر أبو سعيد كوكبوري، حاكم أربيل وصاحب الصلة الوثيقة بالبيت الأيوبي وصلاح الدين.
وتكتسب حكاية كوكبوري أهمية خاصة لأنه لم يتعامل مع المولد باعتباره مناسبة محدودة، وإنما حوله إلى احتفال عام يستقطب العلماء والفقهاء والقراء والمنشدين والوافدين من مناطق مختلفة، وتقام خلاله الموائد الضخمة وتقدم الأطعمة والحلوى وتوزع الصدقات. وتذكر المصادر التاريخية أن الاحتفال كان بالغ الفخامة، حتى نقل السبط ابن الجوزي عن أحد الحاضرين وصفًا لسماط المولد، وتحدث عن آلاف الذبائح والدجاج وكميات هائلة من الطعام، من بينها ثلاثون ألف صحن من الحلوى. ومهما كانت الأرقام في روايات العصور الوسطى تحتاج إلى قراءة نقدية، فإنها تكشف بوضوح أن الحلوى كانت عنصرًا أساسيًا في احتفالات كوكبوري، وليست تفصيلًا عابرًا على مائدة الاحتفال.
وكان كوكبوري، الذي حكم أربيل في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع الهجريين، مرتبطًا بالأسرة الأيوبية ارتباطًا مباشرًا، إذ تزوج ربيعة خاتون شقيقة صلاح الدين الأيوبي، ولذلك فإن قصة احتفالاته بالمولد لا يمكن فصلها عن العالم السياسي والثقافي الذي نشأ حول الدولة الأيوبية في مصر والشام والعراق والجزيرة. وفي ذلك العصر كانت المدن الإسلامية الكبرى مترابطة بحركة العلماء والتجار والفقهاء والأمراء والجنود، وكان انتقال الناس بين القاهرة ودمشق وحلب والموصل وأربيل وسائر مدن المنطقة يؤدي بالضرورة إلى انتقال العادات والتقاليد وطرائق الاحتفال والطعام والضيافة.
وتذكر كتب التراجم أن العالم أبا الخطاب ابن دحية مر بأربيل، ورأى عناية كوكبوري بالاحتفال بالمولد، فألف له كتابه الشهير (التنوير في مولد البشير النذير)، فأجازه كوكبوري بألف دينار، وهو ما يكشف المكانة التي بلغها المولد في بلاط أمير أربيل. وهكذا ارتبط اسم كوكبوري في المصادر التاريخية بواحد من أضخم الاحتفالات بالمولد في العصر الأيوبي، وأصبح اسمه من أبرز الأسماء الكوردية التي ارتبطت بهذه المناسبة.
وعندما ننتقل من أربيل إلى القاهرة، نجد أن مصر كانت قد عرفت بدورها تقاليد مبكرة للاحتفال بالمولد في العصر الفاطمي، وأن الحلوى ارتبطت بهذه المناسبات ارتباطًا وثيقًا. وتشير المصادر المصرية إلى أن صناعة الحلوى ازدهرت في العصر الفاطمي، وأن روايات عدة تربط ظهور عروسة المولد والحصان بهذه المرحلة. وتذكر الهيئة العامة لقصور الثقافة أن من الروايات المتداولة أن ديوان الحلوى في العصر الفاطمي كان يصنع عرائس من الحلوى، بينما تربط روايات أخرى ظهور العروسة بموكب إحدى زوجات الحاكم بأمر الله، حيث قيل إن صناع الحلوى صنعوا قالبًا يجسدها وإلى جوارها فارس يمتطي جواده. كما تذهب روايات أخرى إلى أن الحصان كان رمزًا للخليفة المنتصر أو للفارس الذي يظهر إلى جوار عروسه.
ومن هنا تبدو أوجه التشابه بين التجربتين أكثر وضوحًا؛ ففي أربيل الكوردية كان المولد مناسبة ضخمة ترتبط بالموائد والحلوى وإطعام الناس والصدقات والإنشاد، وفي القاهرة الفاطمية ارتبطت المناسبة كذلك بالمواكب والولائم وتوزيع الحلوى، ثم تطورت في مصر عبر القرون لتصبح الحلوى جزءًا أصيلًا من الذاكرة الشعبية للمولد. وفي الحالتين تحولت المناسبة من مجرد تجمع ديني إلى ظاهرة اجتماعية يشارك فيها عامة الناس، وتصبح فيها الضيافة والطعام والحلوى وسيلة للتعبير عن الفرح والكرم.
والحقيقة أن ما يجمع التجربتين ليس شكل الحلوى وإنما ثقافة الاحتفال نفسها. فكوكبوري جعل من المولد مناسبة لإطعام الناس وتقديم الحلوى واستقبال الوافدين، بينما صنعت مصر مع مرور الزمن منظومة كاملة من الحلوى الخاصة بالمناسبة، وتحولت عروسة السكر وحصانها إلى رمزين للطفولة والأسرة والفرح، وأصبحت علب الحلوى هدية يتبادلها المصريون في ربيع الأول.
وفي مصر ارتبطت حلوى المولد بأصناف متعددة مثل الفولية والحمصية والسمسمية والملبن والجوزية وغيرها، ثم أخذت الصناعة أشكالًا أكثر تنوعًا مع تطور الحرفة. أما العروسة والحصان فاحتفظا بمكانتهما الخاصة، حتى أصبح من الصعب تصور المولد المصري من دونهما. وتؤكد المصادر الرسمية المصرية أن العروسة والحصان من أشهر مظاهر الاحتفال الشعبي بالمولد، وأن صناعتهما التقليدية تقوم على إعداد قوالب خشبية يصب فيها خليط السكر، ثم تضاف الزينة والألوان والأوراق لإخراج الشكل النهائي.
وهنا تظهر المفارقة الجميلة في الحكاية: في أربيل، ارتبط المولد باسم أمير كوردي هو كوكبوري، وبموائد ضخمة قيل إنها ضمت عشرات الآلاف من أطباق الحلوى، وفي مصر ارتبط المولد لاحقًا بعروسة السكر وحصانها، وبأسواق الحلوى والشوادر التي أصبحت من علامات الموسم. الشكل اختلف، لكن الجوهر واحد: المولد مناسبة للفرح، والكرم، وإطعام الناس، وتبادل الحلوى والهدايا.
وإذا كانت بعض الروايات الشعبية تحاول أن تجعل الكورد أصحاب السبق المطلق في الاحتفال بالمولد أو أصحاب الريادة في صناعة حلوى المولد، فإن التاريخ يحتاج إلى صياغة أكثر دقة. فالمصادر تشير إلى احتفالات فاطمية بالمولد في مصر قبل عصر كوكبوري،
وفى الواقع أن أربيل الكوردية كانت في العصر الأيوبي من أبرز وأشهر مراكز الاحتفال بالمولد، وأن احتفالات كوكبوري تعد من أضخم الاحتفالات التي وصلتنا أخبارها في المصادر التاريخية.
أما مصر، فقد طورت للمناسبة شخصية شعبية خاصة بها، حتى أصبحت حلوى المولد جزءًا من هوية الاحتفال المصري، وتحولت العروسة والحصان إلى رمزين لا يكادان ينفصلان عن ذاكرة المصريين. ولهذا فإن البحث في العلاقة بين الكورد والحلوى في مصر لا ينبغي أن ينتهي عند سؤال (من اخترع الحلوى؟)، وإنما يتسع إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف تشابهت ثقافة الاحتفال بالمولد بين القاهرة وأربيل، وكيف انتقلت عادات الطعام والضيافة والحلوى بين المجتمعات الإسلامية المتجاورة؟
والإجابة تقودنا إلى حقيقة تاريخية واجتماعية أوسع؛ فمصر وكوردستان لم تكونا عالمين منفصلين في العصور الوسطى. كانت هناك صلات سياسية وثقافية وعلمية مستمرة، وتعاقبت الهجرات والرحلات بين مصر والشام والعراق والجزيرة، وكان الكورد جزءًا مهمًا من الحياة السياسية والعسكرية في الدولة الأيوبية. وفي هذا المناخ يمكن فهم التشابه بين تقاليد الاحتفال، من دون الحاجة إلى اختراع علاقة مباشرة بين وصفة حلوى وأخرى.
وقد يكون الجانب الأكثر إثارة في هذه القصة هو أن الحلوى نفسها أصبحت وثيقة اجتماعية؛ فهي لا تحفظ أسماء السلاطين والأمراء فقط، وإنما تحفظ طريقة الناس في التعبير عن الفرح، وكيف كانوا يطعمون الفقراء، وكيف يستقبلون الضيوف، وكيف تتحول المناسبات الدينية إلى مواسم اجتماعية واقتصادية.
وما حدث في أربيل مع كوكبوري يوضح ذلك بجلاء، وما حدث في القاهرة مع تطور حلوى المولد يثبت أن هذه الثقافة أخذت في مصر شكلًا خاصًا واستمرت حتى اليوم.