حين يستيقظ فينا معنى محمد

ميلاد الرحمة.. و ولادة الإنسان

حين يستيقظ فينا معنى محمد
حين يستيقظ فينا معنى محمد

ليس المولد استذكارا لماض مضى، بل استحضارا لمعنى محمد في حاضر الإنسان. فالمولد النبوي ليس مجرد ذكرى لميلاد رجل غيّر مجرى التاريخ، بل مناسبة لاستعادة الرسالة التي جاء بها، واستحضار القيم التي حملها، وإعادة اكتشاف الإنسان الذي أراد الوحي أن يبنيه على هدي محمد عليه الصلاة والسلام.

كلما اقتربت ذكرى مولد رسول الله محمد عليه السلام، عاد إلى الواجهة سؤال يتردد في بعض الأذهان: ماذا يعني أن نحتفل بمولده؟ 

ولعل السؤال الأعمق ليس: هل نحتفل؟ بل: ماذا ينبغي أن يحدث فينا حين نتذكر أن محمدا عليه الصلاة والسلام قد ولد؟

فثمّة فرق شاسع بين أن نتعامل مع المولد بوصفه تاريخا في التقويم، وبين أن نتعامل معه بوصفه حدثا في تاريخ الإنسانية؛ وبين أن نراه مناسبة تنتهي بانتهاء يومها، وأن نراه فرصة لاستعادة رسالة ما زالت قادرة على صناعة الإنسان.

لقد جاء محمد "عليه السلام وأتم البركات" إلى عالم كانت القوة فيه معيارا، والعصبية رابطة، والضعيف نهبا للقوي، والإنسان يقاس بنسبه وقبيلته وثروته ومكانته؛ فجاء الوحي ليعيد بناء الإنسان من الداخل، ثم يعيد بناء المجتمع من حوله.

ومن هنا، فإن الحديث عن مولده ليس حديثا عن ميلاد شخص عظيم فحسب، وإنما عن ميلاد رسالة أعادت ترتيب سلم القيم، وأعادت للإنسان كرامته، وللرحمة مكانتها، وللعدل معناه، وللأخلاق وظيفتها في بناء الحياة.

المولد، من استذكار الذكرى إلى استعادة المعنى

قد يختلف المسلمون في الحكم الفقهي على بعض صور الاحتفال بالمولد، وهذا خلاف له تفصيله وأدلته، ولا ينبغي أن يتحول اختلاف العلماء فيه إلى خصومة بين المسلمين، فضلا عن أن يتحول إلى تبديع متبادل أو تشهير أو تنابز بالألقاب.

فالاختلاف في وسيلة الاحتفاء لا ينبغي أن يحجب الأصل الأعظم الذي يجتمع عليه المسلمون: محبة رسول الله، وتعظيمه، ومعرفة سيرته، والصلاة والسلام عليه، والاقتداء بهديه وأخلاقه.

ومن هنا يمكن أن تتحول ذكرى المولد إلى مناسبة تربوية لإحياء هذه المعاني في النفوس، وتعريف الأجيال بسيرة نبيهم، وتجديد الصلة به، وتحويل المعرفة بسيرته من معلومات محفوظة إلى أخلاق حية وسلوك يومي.

فليس المقصود أن نجعل صورة واحدة من صور الاحتفال معيارا للمحبة والإيمان، ولا أن نجعل اختلافا فقهيا في هذه المسألة سببا لتفريق القلوب؛ وإنما المقصود أن نستثمر هذه المناسبة في كل ما يوقظ المحبة، ويحيي السيرة، ويقوي الصلة بالرسول، ما دام ذلك في حدود الشرع وآدابه.

فالاحتفاء الحقيقي بمحمد عليه الصلاة والسلام لا ينتهي بانتهاء المجلس، ولا بإطفاء الأنوار، ولا بانقضاء الأناشيد والمدائح؛ وإنما يبدأ حين يعود الإنسان إلى بيته وقد أصبح أرحم بوالديه، وأصدق في معاملته، وأعدل مع خصمه، وأرفق بالضعيف، وأبعد عن الظلم والكبر.

هناك فقط يتحول المولد من مناسبة إلى منهج، ومن ذكرى إلى أثر، ومن احتفال إلى حياة.

محمد والقرءان.. حين تتجسد الرسالة في إنسان

ومن أعمق ما يمكن تأمله في شخصية رسول الله أن القرءان الكريم لم يقدمه مجرد ناقل للنص، بل قدمه نموذجا حيّا للرسالة وهي تمشي على الأرض.

قال الله سبحانه وتعالى: (وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا © وقرءانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا) سورة الإسراء: 105-106.

وقال الله سبحانه: (... قد أنزل الله إليكم ذكرا © رسولا يتلواْ عليكم ءايٰت الله مُبينٰت) الطلاق: 10-11.

وقال جل شأنه في وصفه: (وإنك لعلى خلق عظيم) القلم: 4.

ولهذا فإن العلاقة بين القرءان والنبي ليست علاقة انفصال، بل علاقة وحي يتلى، ورسالة تبين، وهدي يتجسد في السلوك البشري. وقد سئلت أم المؤمنين عائشة "رضي الله عنها" عن خلق رسول الله، فقالت: "كان خُلقه القرءان". وهي عبارة تختصر في كلمات قليلة مشروعا حضاريا كاملا: القرءان كتاب يقرأ، ومحمد عليه الصلاة والسلام نموذج يرى؛ والقرءان يهدي، ومحمد يجسد الهداية في الواقع.

ومن هنا، فإن حب القرءان لا يكتمل إذا بقيت أخلاقه بعيدة عن سلوكنا، كما أن كثرة الصلاة على النبي ينبغي أن تنعكس في معاملتنا للناس؛ فلا معنى لمحبة نرفع شعارها بألسنتنا ثم نهدم بأخلاقنا بعض ما جاء به رسول الله.

من أحب محمدا أحب آثاره

إن محبة النبي ليست شعورا معزولا عن كل ما حوله، وإنما هي محبة تتسع دائرتها كلما اتسعت معرفتنا به.

فمن أحب رسول الله تعلق قلبه بمكة، الأرض التي شهدت مولده وبدايات رسالته؛ وأحب المدينة، دار هجرته ومثوى جسده الشريف؛ وأحب القرءان، لأنه الوحي الذي جاء به إلى الناس؛ وأحب السنة، لأنها سجل هديه وطريقته في الحياة؛ وأحب العربية، لأنها اللسان الذي حمل رسالته؛ وأحب أصحابه الذين حملوا عنه الدين ونصروه؛ وأحب أهل بيته الذين لهم في قلبه مكانة لا تنفصل عن محبته. وهكذا تتسع المحبة من شخص الرسول إلى كل ما اتصل برسالته، وحمل أثره، وحفظ سنته، وشهد مسيرته.

فالمحبة الصادقة لا تقف عند الاسم، وإنما تمتد إلى الآثار؛ ولا تكتفي بالتعلق بالشخص، بل تنفتح على المنهج والقيم والذاكرة والرسالة. ولهذا فإن محبة محمد عليه الصلاة والسلام ليست مجرد عاطفة؛ إنها رابطة تربط المسلم بالوحي، والسيرة، والمكان، واللغة، والتاريخ، والقيم التي جاء بها هذا النبي الكريم.

لماذا نفرح بميلاد الرحمة؟ 

قال جل شأنه وتقدّست أسماؤه: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء: 107.

تأملوا التعبير القرءاني: رحمة للعالمين.

لم تكن رسالته رحمة لفئة دون فئة، ولا لقوم دون قوم، وإنما جاءت الرحمة في وصف الرسالة واسعة الأفق، ممتدة إلى العالمين.

وهنا تكمن إحدى أعظم الأسئلة التي ينبغي أن يطرحها المولد في زماننا: نحن نكثر من الحديث عن محمد عليه الصلاة والسلام، ولكن كم بقي من محمد في أخلاقنا؟ إذا كان رحمة، فهل نحن رحماء؟ إذا كان عفوا، فهل نحن نعفو؟
إذا كان عدلا، فهل نعدل حتى مع من نختلف معهم؟ إذا كان قد نهى عن الظلم، فهل نرفض الظلم حين يقع على خصومنا كما نرفضه حين يقع علينا؟ إذا كان قد صان كرامة الإنسان، فهل نحفظ كرامة الإنسان حين يخالفنا في الرأي أو الدين أو الموقف؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن يوقظها المولد فينا.

المولد الحقيقي.. أن يستيقظ محمد في أخلاقنا

لعل أجمل ما يمكن أن نفعله في ذكرى المولد أن نسأل أنفسنا: ما الذي ينبغي أن يولد فينا مع هذه الذكرى؟ ينبغي أن تولد الرحمة، والصدق، والعفو، والأمانة، والتواضع، وصيانة الكرامة، والشعور بالمسؤولية تجاه الضعفاء والمحتاجين.

ينبغي أن يعود إلى الأسرة شيء من دفء البيت النبوي، وإلى المجتمع شيء من روح التكافل والتراحم، وإلى علاقاتنا شيء من أدب النبوة، وإلى خلافاتنا شيء من أخلاقها. فإذا احتفلنا بمولده، ثم خرجنا من الاحتفال أكثر قسوة، وأكثر تعصبا، وأكثر ظلما، وأكثر احتقارا للآخر، فما الذي احتفلنا به إذن؟ المولد الذي لا يغير أخلاقنا يبقى ذكرى؛ أما المولد الذي يوقظ فينا إنسانيتنا فهو حياة.

بين الفرح والاتّباع

ومن حق المؤمن أن يفرح بفضل الله ورحمته. قال الله سبحانه: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) سورة يونس: 58.

والفرح بنعمة الهداية معنى راسخ في وجدان المؤمن؛ فإذا كان القرءان هداية، وكان الرسول المبلغ عن الله سبحانه، والداعي إلى رحمته، والمجسد لهدي الوحي في حياته، فإن محبته والفرح بذكره من أسمى المعاني التي تحيا بها القلوب. لكن الفرح الناضج ليس صخبا بلا مضمون، ولا منافسة في المظاهر؛ وإنما هو فرح يترجم نفسه إلى اتباع. فأصدق من قال: "نحب رسول الله" هو من حاول أن يشبهه في خلقه. وأصدق من أكثر الصلاة عليه هو من أكثر الاقتداء به. وأصدق من احتفى بمولده هو من أحيا سنته في بيته، وفي عمله، وفي علاقاته، وفي معاملاته، وفي رحمته بالناس.

لا تجعلوا الحب خصومة

ومن المؤسف أن تتحول ذكرى رسول الله أحيانا إلى ساحة للخصومة بين المسلمين. هذا يحتفل، وذاك لا يحتفل؛ وهذا يثبت المحبة بهذه الصورة، وذاك يثبتها بصورة أخرى. لكن المحبة أوسع من صورة واحدة، والسيرة أعظم من مناسبة واحدة، والإسلام أرحب من أن يتحول اختلاف فقهي في وسيلة أو عادة إلى معركة على القلوب. 

ومن رأى مشروعية الاحتفاء بالمولد فليحتف به في إطار الشرع والأدب، ومن لم يره مشروعا فليتركه من غير أن يجعل تركه سببا للطعن في محبة الآخرين أو عقيدتهم.

فليس كل اختلاف خصومة، وليس كل مخالف عدوا، وليس كل ما اختلف فيه المسلمون يستحق أن تتحول بسببه القلوب إلى ساحات اقتتال. فالذي يجمعنا أعظم بكثير مما يفرقنا: النبي واحد، والقرءان واحد، والقبلة واحدة، وأصل المحبة واحد، والصلاة والسلام على رسول الله قاسم مشترك بين قلوب المسلمين. فلماذا لا نجعل المولد جسرا بين القلوب بدلا من أن نجعله جدارا بينها؟

وفي زمن الإساءة إلى رسول الله

نحن نعيش زمنا تتعرض فيه الرموز "الوطنية" والدينية، ومنها رسول الله، للإساءة والتشويه والسخرية من جهات مختلفة، ومن الخطأ أن يكون ردنا على ذلك مجرد غضب عابر. 

إن أقوى دفاع عن نبي الله محمد "عليه الصلاة والسلام" ليس أن نرفع أصواتنا باسمه فحسب، وإنما أن نُري العالم شيئا من أخلاقه. أن يروا المسلم أمينا في تجارته، رحيما في بيته، عادلا مع خصمه، صادقا في كلمته، متواضعا في قوته، عفيفا في قدرته، رحيما بالضعيف، وفيّا بالعهد. 

حينها لا يكون محمد مجرد اسم ندافع عنه بالكلمات، بل يصبح قيمة إنسانية حية يراها الناس في سلوكنا. ولعل هذا أبلغ من ألف خطاب، وأقوى من ألف جدال.

محمد، العبد والرسول والقدوة

ومن أعظم ما في الإسلام أنه رفع مقام نبيه إلى أسمى مراتب المحبة والتوقير، مع إبقاء الحد الفاصل بين النبوة والعبودية واضحا.

قال الله جلّ شأنه: (قل إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إلي) الكهف: 110. 

فهو بشر في خلقته، ولكنه ليس بشرا عاديا في رسالته؛ وهو عبد لله، ولكنه خير عباد الله؛ وهو رسول الله وخاتم النبيين، ورحمة للعالمين، وقدوة للمؤمنين.

وهنا تتجلى عظمة النبي الخاتم في أبهى صورها: أن يبلغ الإنسان ذروة الكمال البشري دون أن يخرج عن مقام العبودية لله.

وهذه من أعظم الرسائل التي يحتاجها الإنسان المعاصر: أن الكمال الحقيقي لا يكون بالتجبر والاستعلاء، وإنما بالعبودية لله، والرحمة بالخلق، وتهذيب النفس، وإقامة العدل.

المولد الذي نحتاجه اليوم

ربما لا نحتاج في عصرنا إلى مزيد من الجدل حول المولد بقدر حاجتنا إلى مولد أخلاقي جديد. نحتاج إلى أن يولد في الأمة صدق يشبه صدقه، وعدل يشبه عدله، ورحمة تشبه رحمته، وتواضع يشبه تواضعه، وأخوة تشبه أخوته، ووعي يشبه وعيه. فالأمة التي تحتفل بمولد نبيها ثم ينهش بعضها بعضا، تحتاج إلى أن تعيد قراءة سيرته. والأسرة التي تصلي على النبي ثم تظلم أبناءها، تحتاج إلى أن تعيد قراءة سيرته. والإنسان الذي يرفع صوته دفاعا عن رسول الله ثم يظلم عاملا، أو يهين فقيرا، أو يقطع رحما، أو يأكل حقا، يحتاج إلى أن يعيد قراءة سيرته.

إن أعظم احتفال بمحمد أن يصبح محمد حاضرا في أخلاقنا.

حين لا تكون الذكرى مجرد ذكرى

بعد أيام قليلة، ستتزين المساجد والبيوت، وسترتفع أصوات الصلاة والسلام على رسول الله، وستقرأ سيرته، وستتردد المدائح والأناشيد، وستتجدد في القلوب ذكرى مولده الشريف. فدعونا لا نسأل فقط: كيف نحتفل بمولد رسول الله محمد؟ بل لنسأل السؤال الأهم: ماذا سيولد فينا من محمد؟ هل ستولد رحمة؟ هل سيولد عفو؟ هل سيولد صدق؟ هل سيولد حب؟ هل سيولد إنسان جديد؟ فمحمد عليه الصلاة والسلام لم يكن مجرد رجل ولد في التاريخ ثم مضى. 
لقد ولد المعنى.

ولد معه أفق جديد للإنسان، وأعيد ترتيب العلاقة بين القوة والرحمة، وبين العبادة والأخلاق، وبين الإيمان والسلوك، وبين حق الله وحقوق العباد. ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن نقوله في ذكرى مولده:

اللهم لا تجعل مولد نبيك ذكرى تمر على أسماعنا، بل اجعلها حياة تمر في أخلاقنا؛ ولا تجعل محبتنا له كلمات على ألسنتنا، بل نورا في قلوبنا، وهديا في أعمالنا، ورحمة في معاملتنا.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، الذي أرسلته رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكل عام وقلوبنا أقرب إلى هديه، وأخلاقنا أشبه بأخلاقه، وصلاتنا عليه أصدق من أن تكون مجرد كلمات.

فالمولد ليس أن نتذكر متى ولد محمد عليه الصلاة والسلام فحسب؛ بل أن نستيقظ نحن على هديه، وأن نسأل أنفسنا: 

هل أصبح معنى محمد حاضرا في أخلاقنا؟