حدود الوطن والمواطنة؟

حدود الوطن والمواطنة؟
حدود الوطن والمواطنة؟

الوطن ليس حدوداً مرسومة على الخريطة فقط، ولا هو حكومة تتغير، أو حزب يصل إلى السلطة ثم يغادرها. الوطن أوسع من ذلك كله. هو المكان الذي يفترض أن يشعر فيه الإنسان بأنه ينتمي، وأن حقوقه مصانة، وأن هويته ليست سبباً للانتقاص من مواطنته.  لكن في العراق، بعد عام 2003، ظهر سؤال مختلف: هل تغير مفهوم الوطن فعلاً، أم تغير النظام السياسي فقط؟

سقط النظام المركزي، وكتب العراق دستوراً جديداً، وأعلن نفسه دولة اتحادية، واعترف بإقليم كوردستان وسلطاته، وأقر بالتعدد القومي والديني واللغوي، ووضع أساساً دستورياً جديداً للعلاقة بين المركز والأقاليم.

لكن المشكلة أن الانتقال من دولة مركزية إلى دولة اتحادية لا يحدث بمجرد كتابة كلمة «اتحادية» في الدستور.

الفيدرالية ليست اسماً.

وليست تنازلاً مؤقتاً من المركز.

وليست منحة تقدمها الحكومة الاتحادية للإقليم.

الفيدرالية نظام دستوري يقوم على توزيع السلطة، ويعترف بأن هناك صلاحيات للحكومة الاتحادية وصلاحيات للأقاليم، وأن العلاقة بين الطرفين يجب أن تحكمها النصوص الدستورية، لا المزاج السياسي للحكومة الأقوى.

وهنا تبدأ قصة العراق بعد 2003.

إقليم كوردستان والاختبار الحقيقي

كان الاعتراف بإقليم كوردستان في دستور 2005 أحد أهم التحولات في تاريخ العراق الحديث.

فالإقليم لم يعد مجرد واقع سياسي نشأ في ظروف استثنائية، بل أصبح جزءاً من النظام الاتحادي الذي اختاره العراقيون دستورياً.

وهذا الاعتراف لم يكن مجرد اعتراف بمنطقة جغرافية، وإنما اعتراف بخصوصية سياسية وقومية وبحقوق ضمن عراق اتحادي.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:

هل تعاملت الحكومات الاتحادية المتعاقبة مع هذا الواقع باعتباره حقاً دستورياً، أم باعتباره امتيازاً يمكن التراجع عنه أو الضغط من خلاله متى اختلفت الحسابات السياسية؟

هنا تكمن المشكلة.

فالضغط على إقليم كوردستان لا يمكن النظر إليه دائماً باعتباره خلافاً عادياً بين حكومتين.

هناك فرق بين خلاف سياسي طبيعي داخل دولة اتحادية، وبين استخدام أدوات الحكومة الاتحادية للضغط على إقليم يتمتع بوضع دستوري واضح.

عندما تصبح الموازنة والرواتب والموارد والصلاحيات أدوات للضغط السياسي، فإن المسألة تتجاوز الخلاف الإداري.

إنها تمس جوهر الفيدرالية نفسها.

لأن المواطن الكوردي لا يفترض أن يدفع ثمن العلاقة السياسية بين بغداد وأربيل.

هو مواطن عراقي، وحقوقه الدستورية لا ينبغي أن تكون قابلة للتعليق تبعاً لمستوى التفاهم السياسي بين الحكومتين.

المشكلة ليست في وجود إقليم

من السهل النظر إلى إقليم كوردستان باعتباره استثناءً داخل العراق.

لكن الدستور لم ينظر إليه بهذه الطريقة.

العراق اختار بعد 2003 النظام الاتحادي.

وبالتالي فإن وجود الإقليم ليس خروجاً عن الدولة، بل جزء من شكل الدولة.

وهنا يجب التفريق بين وحدة العراق ومركزية العراق.

العراق يمكن أن يكون موحداً من دون أن يكون مركزياً.

يمكن أن تكون له حكومة اتحادية قوية من دون أن تكون كل الصلاحيات بيد المركز.

ويمكن أن تكون له سيادة واحدة، وجيش اتحادي، وسياسة خارجية واحدة، وفي الوقت نفسه يمتلك إقليم كوردستان صلاحياته التي كفلها الدستور.

الفيدرالية لا تعني تقسيم الوطن.

بل تعني توزيع إدارة الوطن.

وهذه نقطة يبدو أن العراق الاتحادي لم يحسمها سياسياً حتى الآن.

من يملك الوطن؟

السؤال الذي يختبئ خلف العلاقة بين بغداد وأربيل هو سؤال أكبر:

من يملك الحق في تعريف الوطن؟

إذا كانت الحكومة الاتحادية هي التي تحدد وحدها معنى الدولة، فإننا نعود بطريقة أو بأخرى إلى منطق المركز.

أما إذا كان الدستور هو المرجع، فإن الحكومة الاتحادية والإقليم والمواطن جميعهم يخضعون له.

وهنا يصبح الدستور أهم من الحكومة.

وهذا هو جوهر الدولة الحديثة.

الحكومة لا تمنح الحقوق الدستورية.

الحكومة تنفذها.

والإقليم لا يمنح حقوق مواطنيه من عنده.

بل يمارس صلاحياته ضمن الدستور.

والمواطن لا ينبغي أن يضطر إلى التفاوض للحصول على حق كفله له الدستور.

المواطن الكوردي والسؤال العراقي

ربما تكون تجربة المواطن الكوردي هي الاختبار الأكثر وضوحاً للمواطنة في العراق الاتحادي.

قبل 2003، كانت القضية الكوردية مرتبطة بصراع طويل مع الدولة المركزية، وشهدت عقوداً من القمع والتهجير والأنفال وحلبجة وسياسات التعريب.

بعد 2003، تغيرت المعادلة.

أصبح هناك دستور يعترف بإقليم كوردستان، ويقر بالتعدد، ويضع أساساً جديداً للعلاقة بين الكورد وبقية العراق.

لكن الاعتراف الدستوري يجب أن يتحول إلى ممارسة.

فإذا بقي المواطن الكوردي يشعر أن حقوق الإقليم يمكن أن تتقلص بالضغط المالي أو السياسي، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بالإقليم وحده، بل بمفهوم المواطنة العراقية نفسه.

لأن المواطن لا يستطيع أن يشعر بالمساواة إذا كان الكيان الدستوري الذي يعيش ضمنه معرضاً باستمرار للضغط السياسي.

وهنا لا نتحدث عن الكوردي وحده.

إنها قاعدة يمكن أن تنطبق على كل العراقيين.

إذا كانت الحقوق الدستورية خاضعة لموازين القوة، فإن المواطن في أي مكان سيكون مهدداً بأن تتحول حقوقه إلى أوراق تفاوض.

الفيدرالية والمواطنة

الفيدرالية ليست فقط توزيعاً للسلطات.

إنها أيضاً طريقة لحماية التنوع.

في بلد مثل العراق، متعدد القوميات والأديان والمذاهب والمناطق، يمكن للنظام الاتحادي أن يكون وسيلة لحماية هذا التنوع بدلاً من اعتباره مشكلة.

الكوردي يستطيع أن يحافظ على خصوصيته داخل العراق.

والعربي يستطيع أن يحافظ على هويته.

والمسيحي والصابئي والإيزيدي والتركماني وبقية المكونات يستطيعون أن يكونوا جزءاً من العراق من دون أن يطلب منهم التخلي عن خصوصياتهم.

لكن ذلك يحتاج إلى دولة تؤمن بأن التنوع لا يهدد الوحدة.

الذي يهدد الوحدة هو شعور جزء من المواطنين بأن حقوقهم أقل من غيرهم.

بعد أكثر من عشرين عاماً

بعد أكثر من عقدين على سقوط النظام السابق، لا يمكن أن يبقى العراق أسير السؤال: هل نحن مع المركز أم مع الإقليم؟

السؤال الصحيح يجب أن يكون:

هل نحن مع الدستور أم مع تفسير السلطة للدستور؟

هذه هي المعركة الحقيقية.

فالحكومة الاتحادية ليست خصماً لإقليم كوردستان، كما أن الإقليم ليس خصماً للحكومة الاتحادية.

لكن عندما تتعامل السلطة المركزية مع الحقوق الاتحادية باعتبارها تنازلات سياسية، فإن المشكلة تصبح أكبر من خلاف بين حكومتين.

تصبح مشكلة في فهم طبيعة الدولة نفسها.

العراق الاتحادي يحتاج إلى أن يثبت أن الفيدرالية ليست مرحلة انتقالية يمكن العودة عنها كلما تغيرت موازين القوى.

فإذا كان الدستور قد اختار العراق الاتحادي، فإن احترام هذا الخيار يجب أن يكون ثابتاً، لا خاضعاً للتفاوض في كل أزمة.

الوطن أكبر من المركز

الوطن ليس بغداد وحدها.

كما أنه ليس أربيل وحدها.

الوطن هو العراق كله.

لكن العراق كله لا يعني أن كل شيء يجب أن يدار من مركز واحد.

هذه هي الفكرة التي يجب أن تنضج في الوعي السياسي العراقي.

وحدة العراق لا تحتاج إلى إلغاء خصوصية إقليم كوردستان.

وقوة الحكومة الاتحادية لا تحتاج إلى إضعاف الإقليم.

بل إن قوة الدولة الاتحادية الحقيقية تظهر عندما تحترم صلاحيات مكوناتها وأقاليمها، وتضمن في الوقت نفسه وحدة السيادة والدستور.

المواطن لا يريد أن يعيش بين حكومتين متصارعتين.

يريد أن يعيش في دولة واحدة، يعرف فيها حقوقه، وتعرف فيها كل سلطة حدودها.

وهنا نصل إلى جوهر المواطنة.

المواطنة ليست أن تطلب من الكوردي أن يثبت أنه عراقي.

وليست أن تطلب من العربي أن يثبت ولاءه.

وليست أن تطلب من أي مكوّن أن يتخلى عن هويته لكي يصبح جزءاً من الوطن.

المواطنة الحقيقية هي أن تقول الدولة للمواطن:

أنت عراقي، وحقوقك ليست منحة من الحكومة، وإنما حق يكفله الدستور.

ومن هنا فإن السؤال عن حدود الوطن لا يتعلق بالحدود الجغرافية فقط.

الحدود الأهم هي حدود السلطة.

إذا تجاوزت الحكومة الاتحادية صلاحياتها، أضرت بالفيدرالية.

وإذا تجاوز الإقليم صلاحياته، أضر بالفيدرالية.

أما إذا احترم الجميع الدستور، فإن العراق يصبح أقوى.

ولهذا فإن مستقبل العراق الاتحادي لن يتحدد فقط بمن يملك السلطة، وإنما بمدى قدرة الجميع على احترام حدودها.

فالوطن لا يصبح أقوى عندما يصبح المركز أقوى من الجميع.

الوطن يصبح أقوى عندما يكون الدستور أقوى من الجميع.

وهنا تبدأ المواطنة الحقيقية.

وهنا أيضاً يصبح إقليم كوردستان ليس مشكلة في الدولة العراقية، بل اختباراً لقدرة العراق على أن يكون دولة اتحادية بالفعل، لا دولة مركزية ترتدي ثوب الفيدرالية.