كنعان وصفي.. رحلة الفنان الكوردي من أزقة الموصل إلى عرش الدراما المصرية
برز اسم الفنان الكوردي العراقي كنعان وصفي كعلامة فارقة ورمز حي لتلاقح الثقافات العربية والإقليمية. لم يكن كنعان وصفي مجرد فنان عابر في شريط السينما المصرية أو الدراما التلفزيونية، بل كان طاقة إبداعية شاملة تحركت من بيئة الموصل التاريخية العريقة، مروراً بأروقة بيروت وسحرها، وصولاً إلى استوديوهات ومسارح القاهرة. تحول هذا المبدع من شاب ملهم يمسك بالفرشاة ليرسم وجوه الفنانين، إلى واحد من أشهر وأعتى وجوه الشر والصرامة على الشاشة العربية، وموسيقي ورسام ملحن أثرى الساحة بأعماله الخالدة.
شهادة نادية الجندى عنه
عند قراءة سيرة هذا الفنان الاستثنائي، لا يمكن غض الطرف عما قالت عنه نجمة الجماهير الفنانة نادية الجندي، وهي شهادة تجمع بين التقدير النبيل وفهم عميق لطبيعة هذا النجم الشامل؛ فقد صرحت نادية الجندي قائلة إن كنعان وصفي “فنان متعدد المواهب برع في أدوار الشر.. لكنه كان طيب القلب هادئ الطباع، ملحن وممثل ومغنى، قلما تجد مثله من الفنانين، وكثيرون لم يعرفون جنسيته من المصريين لأنه عاش وأحب مصر ومثل فيها عشرات الأفلام”.
هذه الكلمات المتدفقة من نجمة وقفت أمامه في أشرس وأعقد المشاهد السينمائية تختصر حجم المسافة بين التجسيد الدرامي الصارم والشخصية الإنسانية الحقيقية، إذ اعتوض كنعان وصفي عن بنيته القوية ونظراته الحادة بأخلاق دمثة، ورقة متناهية، وحس موسيقي مرهف للغاية في حياته الخاصة. ولم تكن شهادة نادية الجندي مجرد انطباع عابر، بل كانت وليدة تجربة عمل واستحقاق فني متكامل، ظهر بوضوح في التسعينيات حين وقفت أمامه في الفيلم الشهير “مهمة في تل أبيب”، حيث تجسدت في ذلك العمل قمة المهارة الأدائية لدى وصفي حين لعب شخصية رجل الموساد الإسرائيلي “بنحاس سابير”، وقدم الأدوار المركبة بكفاءة مذهلة جعلت الجمهور يتعاطف مع براعته الأدائية ويخشى قسوة الشخصية في آن واحد، وهو ما يؤكد على تقمصه التام لأدواره دون أن يفقد نبض إنسانيته ورقة قلبه الفنية التي أشادت بها نجمة الجماهير.
ولد الفنان كنعان علي محمد وصفي آل عقراوي في مدينة الموصل بشمال العراق، وتختلف المصادر التاريخية والتأريخية المؤثقة في تحديد سنة ميلاده بدقة، إذ تذهب بعض السجلات وقواعد البيانات كـ”السينما.كوم” إلى أنه ولد في 8 سبتمبر من عام 1932، بينما تشير مصادر ومدونات أخرى إلى أن ميلاده كان في عام 1930. ولكن الثابت والراسخ يكمن في انتمائه الأصيل والمباشر للقومية الكوردية العراقية، واستقراره المبكر في مدينة الموصل ذات التاريخ الحضاري الممتد. كانت الموصل بمثابة الحاضنة الأولى لمخيلته الفتية، إلا أن طموحه الفني الشامل دفعه للحركة بين العواصم.
الموصل وبغداد بداية الرحلة
تنقل بين بغداد وحلب ثم بيروت، قبل أن يحط رحاله نهائياً في مصر في خمسينيات القرن الماضي. كانت البداية الأولى لكنعان وصفي بعيدة تماماً عن كواليس السينما وخشبة المسرح، ففي عام 1948 تفتح عوده على فن الرسم واشتغل برسم صور الفنانين والشخصيات العامة. وفي بيروت عام 1951، أُوكلت إليه مهمة رسم وتصميم ديكورات المسرح الصيفي بكازينو “بطرس”، وهناك وقعت حادثة فارقة غيّرت مسار حياته الفنية بأكملها؛ فقد كان وصفي أثناء إنهائه لأعمال الديكور والدهان يترنم بصوته العذب بأغنيات الموسيقار محمد عبد الوهاب، فصادف أن سمعته صاحبة الكازينو، السيدة “نادية شمعون”، التي أُعجبت بخامة صوته الشجي ودفئه الغنائي، وطلبت منه فوراً الاعتلاء على المسرح والغناء لجمهور الكازينو. حقق وصفي نجاحاً كبيراً وأصداء إيجابية واسعة دفعته لتأسيس فرقة فرعية قدم معها عروضاً غنائية واستعراضية، كان من أبرزها تقديم قصة “طرزان” الغنائية.
محطات مهمة في تاريخه
كانت القاهرة بالنسبة إلى كنعان وصفي العاصمة الفنية الشاملة التي تجتذب أفذاذ العالم العربي، فوصل إليها منتصف الخمسينيات ملتحقاً بالمعهد العالي للموسيقى ليرسخ موهبته الفطرية بالدراسة الأكاديمية. ولم تكد تتفتح زهور مسيرته بالقاهرة حتى شهدت مصر العدوان الثلاثي عام 1956، وهنا تجلت الوطنية الصادقة للفنان الكوردي الذي اعتبر مصر بلده الثاني، فشكّل ثلاثياً غنائياً وطنياً لافتاً مع القامتين الغنائيتين كارم محمود وفايدة كامل، وقدموا معاً مجموعة من الأغاني الوطنية الحماسية التي أدت به إلى مصاف النجومية الغنائية في مصر، ومن بينها إعادتهم وتأديتهم البارزة لروائع سيد درويش مثل أغنية “بلادي بلادي”. كما امتد عطاؤه الغنائي ليشمل الاستعراض والأوبريت المسرحي، فقدم بصوته وألحانه أوبريت “مهر العروسة” بمشاركة شريفة فاضل، وأوبريت “وداد الغازية” برفقة الفنانة هدى سلطان، ناهيك عن مشاركاته في أوبريتات شهيرة مثل “حمدان وبهانة” و”الشاطر حسن”. وتتويجاً لتألقه الموسيقي، شهد عام 1963 نقطة تحول استثنائية على خشب المسرح المصري، إذ خضع كنعان وصفي لاختبارات أداء اختيار بطل الأوبريت العالمي الشهير “الأرملة الطروب”، ووسط منافسة شرسة مع كبار مطربي وقامات مصر في ذلك الوقت، ومنهم محرم فؤاد وكارم محمود، وقع اختيار المخرج النمساوي العالمي “توني نيسنار” على كنعان وصفي لتأدية دور البطل الرئيسي “دانيلو”، ليكون ذلك العرض بمثابة الإعلان الرسمي عن ميلاد نجم مسرحي غنائي جديد متكامل.
موسيقار وملحن ورسام وممثل
رغم تنوع موهبته وتدفق حسه الموسيقي، إلا أن السينما المصرية رأت في كنعان وصفي بنية جسدية ضخمة، وملامح حادة، ونظرات حازمة تؤهله لتقمص الشخصيات القوية والمركبة. سرعان ما وضع المخرجون كنعان وصفي في خانة أشرار السينما، ورجال العصابات، وقادة الجيوش، والأجانب، وأصحاب النفوذ والخصوم، دون أن يسجنوه في نمطية تكرارية، بل قدم هذه الأدوار بحضور طاغٍ جعله جزءاً أصيلاً من الذاكرة البصرية للسينما العربية. بدأت مسيرته السينمائية الأولى في عام 1960 من خلال فيلم “صراع في الجبل” للمخرج حسام الدين مصطفى، وشارك في بطولته أمام رشدي أباظة ومحمود المليجي وبرلنتي عبد الحميد. لتتوالى بعد ذلك مشاركاته الكبرى، فظهر في الفيلم الملحمي “الناصر صلاح الدين” عام 1963 للمخرج يوسف شاهين، حيث قدم شخصية “رينو مساعد”، محققاً حضوراً لافتاً وسط نخبة من النجوم مثل أحمد مظهر وصلاح ذو الفقار ونادية لطفي. كما تألق في الفيلم الديني “الشيماء أخت الرسول”، مبرهناً على قدرته الجبارة في تقمص الأدوار التاريخية الصعبة من خلال شخصية “عكرمة بن أبي جهل”، وهي الشخصية التي علقت بأذهان الجماهير لعقود طويلة. وامتدت أعماله السينمائية لتشمل مشاركات متميزة في أفلام مثل: “أمير الدهاء”، “فارس بني حمدان”، “الحب سنة 70”، “عاشور قلب الأسد” أمام عبد السلام النابلسي، “عنتر يغزو الصحراء” للمخرج نيازي مصطفى، “أخطر رجل في العالم” و”المساجين الثلاثة” مع فؤاد المهندس، و”هي والشياطين”، و”ساعة الصفر”. ولم ينفصل كنعان وصفي عن وطنه العراق، إذ شارك في أحد أهم الإنتاجات السينمائية العراقية التاريخية، وهو فيلم “القادسية” الذي أخرجه الراحل صلاح أبو سيف، وقدم فيه وصفي دور القائد الفارسي “الهرمزان” بإتقان وموهبة عالية، إلى جانب مشاركته في فيلم “فتى الصحراء” بدور والد عنترة بن شداد.
برع في الأدوار التاريخية
تجلت براعته في المسلسلات التاريخية والدينية وأعمال الجاسوسية، فقدم شخصية القائد المغولي “كتبغا” في مسلسل “الفرسان” للمخرج حسام الدين مصطفى، وجسد شخصية “تال” في المسلسل الجاسوسي الشهير “السقوط في بئر سبع”، كما شارك بدور متميز في مسلسل “الوعد الحق” أدى فيه شخصية أحد يهود المدينة المنورة. وضمت قائمة أعماله التلفزيونية مسلسلات أخرى بارزة مثل: “الأبطال”، “حساب السنين”، “الحفار”، و”بركان الغضب”. وفي موازاة نشاطه الدرامي بمصر، حافظ وصفي على ارتباطه الإبداعي ببلده الأم العراق، حيث تولى في الثمانينيات منصب مدير وحدة الموسيقى والغناء بالمؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون العراقي لعدة سنوات. وقدم لسمع المكتبة الموسيقية العراقية والعربية ما يزيد عن 300 أغنية ولحن، فلحن لعشرات الأصوات العراقية المرموقة من أمثال: فاضل عواد، وأنوار عبد الوهاب، وصباح السهل، ومائدة نزهت. كما لم تتخل ألحانه عن القضايا القومية، فوضع لحن النشيد الخالد “عالربابة”، الذي يُعد أحد أبرز أناشيد الثورة الفلسطينية.
كانت حياة كنعان وصفي الشخصية امتداداً لاندماجه الكلي في النسيج الثقافي والاجتماعي المصري. ففي عام 1963، وأثناء تحضير وبروفات أوبريت “الأرملة الطروب” بالمعهد العالي للموسيقى بالقاهرة، التقى بزوجته عازفة البيانو المصرية الراحلة حليمة الهنيدي (والتي تذكر بعض المصادر أنها شقيقة الفنان الكوميدي الراحل أمين الهنيدي). أثمر هذا الزواج عن ثلاثة أبناء هم: كريم، وناغين، وسالين. وقد امتدت الجينات الفنية في هذا البيت، إذ أصبح نجله كريم وصفي ملحناً وموسيقاراً وعازف تشيللو معروفاً على الساحتين العراقية والمصرية. كان كنعان وصفي يصف نفسه دائماً بمحبة وفخر بـ “الفنان الكوردي المصري”، مشيراً إلى أن مصر لم تكن بالنسبة له مجرد ساحة عمل، بل كانت وطناً روحياً تحتضن إبداعه ورسوماته وألحانه. إلا أن عام 1992 حمل له صدمة إنسانية قاسية برحيل زوجته ورفيقة دربه حليمة الهنيدي، وهو الحدث الذي ترك أثراً عميقاً في نفسه وأدخله في حالة من الحزن والاضطراب النفسي، وجعله يتنقل في سنواته الأخيرة بتوتر وصمت بين بغداد والقاهرة. تراجع حضور كنعان وصفي الفني تدريجياً مع أواخر التسعينيات، حتى فارق الحياة في عام 2000، تاركاً خلفه ثروة فنية هائلة تتنوع بين اللوحات التشكيليّة، والألحان الموسيقية الوطنية والعاطفية، والأغاني الاستعراضية، والأدوار الخالدة في تاريخ السينما والتلفزيون.
إن رحلة كنعان وصفي، من أزقة الموصل الكوردية التاريخية إلى مقاهي بيروت واستوديوهات القاهرة، تسرد فصلاً أنيقاً من تاريخ الفن العربي في عصره الذهبي، يوم كانت الهوية الفنية تشتعل بالموهبة والقدرة الإبداعية قبل أن تتأطر بالحدود الجغرافية. لقد أثبت كنعان وصفي أن الفنان الصادق يستطيع أن يجمع في شخصه المتناقضات المبدعة: أن يرسم بالفرشاة، ويصمم الديكور، ويلحن للشجن، ويغني للوطن، ثم يطل على الشاشة في أدوار الشر والصرامة بكل اقتدار. وتظل شهادة نجمة الجماهير نادية الجندي وثيقة إنصاف لهذا النجم الذي استطاع أن يخفي خلف ملامحه الحادة قلباً رقيقاً محباً للموسيقى والحياة، ليظل اسمه شاهداً على تجربة فنان كوردي موصلي، أحب مصر وأحبته، وصنع لنفسه مكاناً لا يمحى في ذاكرة الدراما والسينما العربية.