بين الهولوكوست والأنفال.. الذاكرة، الاعتراف، والتعويض عن الجريمة التاريخية

بين الهولوكوست والأنفال.. الذاكرة، الاعتراف، والتعويض عن الجريمة التاريخية
بين الهولوكوست والأنفال.. الذاكرة، الاعتراف، والتعويض عن الجريمة التاريخية

   لا تبدو المقارنة بين اضطهاد اليهود في ألمانيا النازية وحملة الأنفال التي تعرض لها الكورد في العراق عام 1988م مقارنة سهلة أو خالية من الإشكالات؛ فلكل واحدة من التجربتين سياقها التاريخي والسياسي والأيديولوجي الخاص، كما تختلف طبيعة النظامين والظروف التي أنتجت الجريمتين والأهداف التي سعتا إلى تحقيقها. ومع ذلك، فإن المقارنة تكتسب مشروعيتها عندما لا تكون الغاية منها التسوية بين التجربتين أو المفاضلة بين الضحايا، وإنما دراسة سؤال أوسع يتعلق بمسؤولية الدولة بعد وقوع الجريمة الجماعية: كيف تتعامل الدولة اللاحقة مع إرث الجريمة؟ وكيف تنتقل المجتمعات من الذاكرة المؤلمة إلى الاعتراف، ثم إلى العدالة وجبر الضرر؟

ومن هذه الزاوية، فإن تجربة اليهود في ألمانيا وتجربة الكورد في العراق تكشفان عن مفارقة تاريخية لافتة. فقد تحولت مسؤولية ألمانيا تجاه ضحايا النازية إلى مشروع طويل الأمد من الاعتراف والتعويض واسترداد الممتلكات، بينما ما تزال قضية التعويض الكامل لضحايا الأنفال وذويهم غير محسومة، رغم اعتراف المحكمة الجنائية العراقية العليا بالأنفال بوصفها إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. وقد أعادت حكومة إقليم كوردستان في عام 2024م التأكيد على أن عائلات الضحايا لم تحصل بعد على التعويض الذي يترتب على الاعتراف القضائي بالجريمة.

أولًا: اختلاف الجريمتين لا يلغي إمكانية المقارنة

كانت اضطهادات اليهود في ألمانيا النازية جزءًا من مشروع أيديولوجي عنصري متدرج انتهى إلى الإبادة الجماعية المنظمة لليهود في أوروبا. وقد ارتبطت تلك السياسة بمنظومة قانونية وإدارية وأمنية وعسكرية واسعة، هدفت إلى إقصاء اليهود من المجتمع، ومصادرة ممتلكاتهم، وترحيلهم، ثم قتلهم بصورة منهجية.

أما الأنفال، فقد وقعت في سياق مختلف، إذ جاءت في إطار الصراع بين النظام البعثي العراقي والحركة القومية الكوردية، وترافقت مع عمليات عسكرية وتهجير قسري واعتقالات واختفاءات جماعية وإعدامات وتدمير واسع للقرى والممتلكات. وقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش عمليات التهجير الجماعي وتدمير القرى ومصادرة الممتلكات، وخلصت إلى أن الأفعال المرتكبة ضد الكورد استوفت عناصر جريمة الإبادة الجماعية.

ومن ثم، فإن المقارنة الصحيحة لا تقول إن «الهولوكوست والأنفال شيء واحد»، وإنما تقول إن كليهما يطرح سؤالًا مشتركًا: ماذا تفعل الدولة والمجتمع بعد أن ترتكب سلطة سياسية جريمة جماعية بحق جماعة سكانية؟ وهنا تبدأ المقارنة الحقيقية.

ثانيًا: الضحية بين الموت وفقدان المستقبل

 في كلتا التجربتين، لم يكن الضرر مقتصرًا على قتل الأفراد. فالجريمة الجماعية تهدف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تفكيك شروط الحياة الطبيعية للجماعة المستهدفة.

ففي حالة اليهود، لم يكن الأمر متعلقًا بقتل الأشخاص فقط، بل بمصادرة البيوت والمحال والأموال والمصانع والأراضي، وتدمير المؤسسات الاجتماعية والثقافية، وقطع الروابط التي حافظت على وجود الجماعات اليهودية في أوروبا.
وفي حالة الكورد، لم تكن الأنفال مجرد عملية عسكرية تستهدف مقاتلين؛ فقد شملت قرى مدنية، وهجّرت سكانًا، ودمرت البيوت والمدارس والمساجد والآبار والممتلكات، وأحدثت انهيارًا واسعًا في الاقتصاد الريفي الكوردي. وتوثق هيومن رايتس ووتش أن مئات الآلاف من السكان تعرضوا للتهجير القسري، وأن كثيرًا من القرى دمرت بصورة كاملة.

وهكذا يصبح مفهوم الضرر أوسع من مفهوم الموت. فالإنسان الذي يقتل يفقد حياته، لكن المجتمع الذي يفقد أبناءه وبيوته وأرضه ومصادر رزقه يفقد جزءًا من قدرته على إعادة إنتاج ذاته.

ومن هنا، فإن التعويض لا ينبغي أن يُفهم باعتباره ثمنًا للحياة؛ إذ لا توجد قيمة مالية يمكن أن تعادل فقدان إنسان. وإنما هو اعتراف بأن الجريمة لم تكن رمزية أو معنوية فقط، بل خلفت أضرارًا مادية واجتماعية واقتصادية قابلة للقياس، وأن على الدولة مسؤولية في معالجة آثارها.

ثالثًا: ألمانيا بعد النازية؛ من الهزيمة إلى الاعتراف

تكمن إحدى أهم نقاط الاختلاف بين التجربتين في مسار الدولة بعد انتهاء الجريمة.

فبعد الحرب العالمية الثانية، لم تنته قضية اضطهاد اليهود بانهيار النظام النازي. بل بدأت عملية طويلة ومعقدة لإعادة الاعتبار للضحايا ورد الحقوق والممتلكات وتعويض الناجين.

وفي عام 1952م أبرمت ألمانيا الغربية ما يعرف باتفاقيات لوكسمبورغ، التي شكلت نقطة تحول في تاريخ التعويضات. فقد التزمت ألمانيا الغربية بدفع ثلاثة مليارات مارك لإسرائيل، كما وافقت على دفع 450 مليون مارك إلى مؤتمر المطالبات المادية اليهودية بألمانيا، بالتوازي مع التزامها بتشريع تعويضات فردية لضحايا الاضطهاد النازي.

ولم تتوقف العملية عند ذلك الاتفاق؛ فقد تطورت لاحقًا منظومة قانونية واسعة للتعويض، شملت معاشات ومدفوعات فردية واسترداد الممتلكات وبرامج اجتماعية للناجين. وتشير مؤسسة Claims Conference إلى أن ألمانيا دفعت، نتيجة المفاوضات والبرامج المختلفة، عشرات المليارات من الدولارات للناجين، واستمرت برامج التعويض والرعاية حتى العقود الأخيرة.

وهنا تظهر فكرة فلسفية مهمة: التعويض ليس مجرد إجراء مالي، بل هو اعتراف رسمي بأن الضحية كانت ضحية، وأن الدولة تتحمل مسؤولية تاريخية وأخلاقية وقانونية عن معالجة آثار الجريمة.

رابعًا: العراق والأنفال؛ الاعتراف القضائي دون اكتمال جبر الضرر

في الحالة الكوردية، حدث تطور مهم بعد سقوط نظام صدام حسين؛ إذ اعترفت المحكمة الجنائية العراقية العليا بحملة الأنفال باعتبارها إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. وكان هذا الاعتراف ذا أهمية تاريخية وقانونية كبيرة؛ لأنه نقل الأنفال من مجال الذاكرة السياسية والقومية إلى مجال الاعتراف القضائي الرسمي.

لكن المشكلة تظهر في المرحلة التالية: الاعتراف بالجريمة لا يساوي بالضرورة جبر آثارها.

فقد بقيت مسألة التعويضات غير مكتملة، وظلت عائلات الضحايا تطالب الحكومة الاتحادية بتنفيذ مسؤوليتها. وفي عام 2024م أكدت حكومة إقليم كوردستان أن ضحايا الأنفال وعائلاتهم لم يحصلوا على التعويض رغم الاعتراف القضائي بالجريمة.

وفي عام 2026م، جددت حكومة إقليم كوردستان التأكيد على أن الدستور العراقي يلزم الدولة بتعويض المتضررين من سياسات النظام السابق، وأن قضية التعويضات الخاصة بضحايا الأنفال ما تزال موضع مطالبة.
وهنا تتشكل مفارقة مؤلمة: الدولة العراقية اعترفت قضائيًا بطبيعة الجريمة، لكنها لم تحول هذا الاعتراف بصورة كاملة إلى سياسة شاملة لجبر الضرر.

خامسًا: هل المال يعوض الضحية؟

قد يبدو الحديث عن التعويض المالي بعد الإبادة وكأنه محاولة لاختزال المأساة الإنسانية في المال. لكن هذا التصور يغفل المعنى الحقيقي للتعويض.

فلا ألمانيا دفعت المال لأنها تستطيع أن تعيد الموتى إلى الحياة، ولا يمكن للعراق، حتى لو دفع أضعاف ما يطالب به الضحايا، أن يعيد الأب إلى أبنائه أو الابن إلى أمه أو يعيد الحياة إلى قرية دمرت. التعويض إذن ليس ثمنًا للموت، وإنما اعتراف بالضرر.

وهذه نقطة جوهرية في فهم التجربة الألمانية؛ إذ تؤكد Claims Conference نفسها أن الأموال لا يمكن أن تعيد ما فقده الناجون من عائلات وحياة وممتلكات، وإنما تمثل شكلًا من أشكال الاعتراف بالمعاناة والظلم.

وبذلك يمكن القول إن التعويض يؤدي ثلاث وظائف متداخلة: وظيفة مادية لمعالجة الخسائر، ووظيفة أخلاقية للاعتراف بالضحية، ووظيفة سياسية وقانونية لإثبات مسؤولية الدولة.

سادسًا: الفرق بين الاعتراف والعدالة

تكشف التجربتان عن حقيقة مهمة: الاعتراف هو بداية العدالة وليس نهايتها.

فيمكن للدولة أن تعترف بأن الجريمة وقعت، وأن تسمي الضحايا، وأن تقيم النصب التذكارية، وأن تدخل الحدث في المناهج الدراسية؛ لكن العدالة تظل ناقصة إذا بقيت ممتلكات الضحايا مهدورة، وظلت عائلاتهم دون تعويض، ولم تكتمل عمليات البحث عن المفقودين وإعادة رفاتهم.

وهنا تختلف التجربة الألمانية في أنها حولت الاعتراف تدريجيًا إلى منظومة مؤسساتية وقانونية للتعويض ورد الممتلكات ورعاية الناجين. وقد أصبح التعويض جزءًا من عملية أوسع للتعامل مع الماضي النازي، لا مجرد قرار سياسي مؤقت.

أما في العراق، فإن استمرار المطالبة بتعويض عائلات الأنفال يكشف عن فجوة بين الاعتراف القانوني بالجريمة وبين ترجمة هذا الاعتراف إلى سياسة شاملة لجبر الضرر.

سابعًا: أثر عدم التعويض في الذاكرة الكوردية

لا يقتصر عدم التعويض على الجانب الاقتصادي؛ إذ يمكن أن يؤثر في الطريقة التي تتشكل بها الذاكرة الجماعية.

فالضحية التي ترى أن الدولة تعترف بمأساتها لكنها لا تتخذ الإجراءات الكافية لمعالجة آثارها قد تتولد لديها قناعة بأن الاعتراف رمزي أكثر منه فعلي. ومن هنا يمكن أن تتحول الذاكرة من أداة للمصالحة إلى مصدر دائم للشعور بعدم الإنصاف.
وهذا مهم جدًا في الحالة الكوردية، لأن الأنفال ليست مجرد حدث تاريخي انتهى في عام 1988م؛ بل هي جزء من ذاكرة الأسر التي ما تزال تبحث عن مصير المفقودين، ومن ذاكرة القرى التي دمرت، ومن الأجيال التي ورثت قصص الموت والتهجير.

وعندما يغيب التعويض، تصبح الذاكرة نفسها حاملة لشعور بأن الماضي لم يغلق صفحته بعد.

ثامنًا: بين تجربتين ودرس واحد

إن المقارنة بين ألمانيا والعراق لا ينبغي أن تنتهي إلى القول إن ألمانيا «عوضت اليهود» بينما العراق «لم يعوض الكورد» بصورة مجردة، لأن مسار التعويض الألماني نفسه كان طويلًا ومعقدًا ومتنازعًا عليه، ولم يشمل جميع الضحايا بصورة متساوية منذ البداية. كما أن التعويض الألماني لم يكن نتيجة تلقائية لاعتراف أخلاقي فوري، بل جاء بعد صراعات سياسية وقانونية ومطالبات مستمرة من منظمات الناجين واليهود وإسرائيل والمجتمع الدولي.

لكن الفرق الجوهري يكمن في أن المطالبة اليهودية تحولت إلى مسار مؤسساتي مستمر للتعويض ورد الممتلكات والرعاية، بينما لم يتحول الاعتراف العراقي بالأنفال إلى منظومة مماثلة مكتملة لجبر الضرر.

وهنا يمكن استخلاص درس فلسفي أوسع: الدولة لا تتحرر من ماضيها بمجرد إدانة النظام السابق. فالدولة التي تقول إن النظام السابق ارتكب جريمة لا يكفي أن تتبرأ من الفعل؛ بل عليها أن تتعامل مع نتائجه.

إن مسؤولية الدولة اللاحقة ليست بالضرورة مسؤولية جنائية شخصية عن أفعال نظام سابق، لكنها قد تكون مسؤولية قانونية وأخلاقية في جبر الضرر وحماية حقوق الضحايا وفق القوانين النافذة والالتزامات الدستورية والدولية.

خاتمة: العدالة بوصفها ذاكرةً حية

تكشف المقارنة بين اضطهاد اليهود في ألمانيا والأنفال في العراق أن الإبادة الجماعية لا تنتهي بانتهاء عمليات القتل. فبعد أن يهدأ صوت السلاح تبدأ مرحلة أخرى أكثر تعقيدًا: مرحلة الذاكرة، والاعتراف، والبحث عن المفقودين، واسترداد الممتلكات، والتعويض، وإعادة بناء الثقة.

لقد أدركت ألمانيا، بعد مسار طويل ومليء بالتوترات، أن الاعتراف بجرائم النازية لا يكتمل من دون تحمل أعباء مادية وأخلاقية تجاه الضحايا. ولذلك أصبحت التعويضات جزءًا من عملية أوسع للتعامل مع الماضي النازي، واستمرت هذه العملية لعقود.

أما بالنسبة إلى الكورد، فإن الاعتراف القضائي بالأنفال بوصفها إبادة جماعية يمثل خطوة مهمة، لكنه لا ينبغي أن يكون الخطوة الأخيرة. فهناك فرق بين أن تقول الدولة للضحية: «لقد كنت ضحية»، وبين أن تقول لها: «ونحن مستعدون لتحمل مسؤولية معالجة آثار ما حدث لك».

ولهذا فإن التعويض لا ينبغي النظر إليه باعتباره مطلبًا ماديًا فحسب، ولا باعتباره محاولة لشراء ذاكرة الضحايا؛ بل هو جزء من الاعتراف الكامل بالإنسان الذي تعرض للجريمة.

فالعدالة التي لا تصل إلى حياة الضحية اليومية تبقى عدالة ناقصة، والاعتراف الذي لا يترجم إلى فعل قد يتحول إلى مجرد ذكرى رسمية. ومن هنا فإن السؤال الذي تتركه الأنفال للأجيال القادمة ليس فقط: من ارتكب الجريمة؟ وإنما أيضًا: ماذا فعلنا نحن بعد أن عرفنا الحقيقة؟

وهذا هو الاختبار الحقيقي للعدالة التاريخية: ليس أن نتذكر الموتى فحسب، وإنما أن نثبت للأحياء أن موتهم لم يكن أمرًا يمكن أن يمر بلا مسؤولية، وأن كرامة الضحية لا تنتهي عند القبر، بل تستمر في الحق في الحقيقة والعدالة والاعتراف وجبر الضرر.

إن استحضار الأنفال عامًا بعد عام ينبغي ألا يتحول إلى إعادة إنتاج للمأساة في الخطب والشعارات، أو إلى مناسبة لاستثارة العواطف ورفع منسوب الخطاب القومي على حساب معاناة الضحايا وذويهم. فالمطلوب أن تبقى ذكراها مجالًا للتأمل في أسباب المأساة ونتائجها، لا وسيلة لإعادة تدوير الألم أو توظيفه في الصراع السياسي. كما ينبغي ألا تنتهي الذكرى بانتهاء المراسم، ثم يعود المسؤولون إلى مواقعهم وكأن شيئًا لم يتغير. إن القيمة الحقيقية للأنفال تكمن في استخلاص الدروس، وترسيخ ثقافة احترام الإنسان وحقوقه، والعمل على منع تكرار المأساة.