أطول صراع جيوسياسي في هذا العصر

أطول صراع جيوسياسي في هذا العصر
أطول صراع جيوسياسي في هذا العصر

يُعد الصراع بين أمريكا وإيران أحد أطول النزاعات الجيوسياسية في العصر الحديث، والذي بدأ بشكل مباشر منذ عام 1979، ويمكن وصفه بأنه حرب استنزاف متقطعة ومُنهكة دون تحديد موعد لمواجهة شاملة ومباشرة.
أهذا الصراع عبثي؟

يعتمد ذلك على الزاوية التي تنظر منه إليها. هناك حجتان قويتان متعارضتان حول سبب رؤية الكثيرين له كصراع عبثي:

أ- غياب منتصر واضح بعد 46 عاماً:

على الرغم من العقوبات، والاغتيالات، والحروب بالوكالة، وإسقاط الطائرات، والهجمات على السفن، لم يتمكن أي طرف من تغيير سلوك الطرف الآخر بشكل جذري. لا تزال إيران تمتلك نفوذاً إقليمياً واسع النطاق، بينما تظل أمريكا القوة المهيمنة في الخليج.

ب- تكلفة اقتصادية باهظة:

ألحقت العقوبات مئات مليارات الدولارات من الخسائر بالاقتصاد الإيراني إلى جانب ضرر كبير في صادرات النفط، وأدت إلى التضخم والفقر داخل إيران. في المقابل، تكبدت أمريكا وحلفاؤها مليارات الدولارات لتوفير الوجود العسكري في الخليج، والدفاع الصاروخي، وضمان حركة الملاحة البحرية.

ج- دفع الثمن من قبل طرف ثالث:

لم يعد الصراع محصوراً بين واشنطن وطهران، بل انتقل إلى العراق، سوريا، لبنان، اليمن، وغزة. وتتحمل المنطقة، بما فيها إقليم كردستان والعراق، وزر غياب الاستقرار، وارتفاع أسعار الطاقة، والتهديدات التي تواجه الملاحة البحرية.

د- فشل ردع شامل:

لم تمنع أقسى العقوبات البرنامج النووي، ولم تردع الصواريخ والمسيرات الإيرانية هجمات أمريكا وإسرائيل. وكل تصعيد يعقبه تصعيد مضاد.

من منظور هذه الزاوية، يبدو الأمر وكأننا في حلقة مفرغة: ضغط > مقاومة > تصعيد > مفاوضات مؤقتة > انهيار المفاوضات > العودة إلى الضغط.

من هنا، لماذا ترى واشنطن وطهران الصراع ضرورياً وغير عبثي؟

لكل طرف منطق استراتيجي يدفعه للاستمرار:

من منظور واشنطن:

-    منع إيران من حيازة سلاح نووي يُعد هدفاً رئيسياً للأمن.

-    حماية أمن إسرائيل، وحلفائها في الخليج، وحرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز الذي يمر عبره عشرون بالمائة من نفط العالم.

-    السيطرة على ما تراه شبكة من الوكلاء المسلحين الذين يهددون مصالحها.

من منظور طهران:
- تعتبر البرنامج النووي والصاروخي ضمانة لبقاء النظام ورقة مفاوضات.
- تعتبر نفوذها الإقليمي عمقاً استراتيجياً يمنع تطويقها.

  • تعتبر المقاومة ضد الوجود الأمريكي جزءاً من شرعيتها الثورية ومبدأ السيادة.

  • بالنسبة لصناع القرار في كلا البلدين، ليس الصراع عبثياً، بل هو إدارة للمخاطر الوجودية بتكلفة أقل من خوض حرب شاملة ومباشرة.

إذا كان المعيار الأساسي هو الحل النهائي للمشكلة، فنعم، الصراع عبثي حتى الآن، لأنه لم يسفر عن اتفاق دائم فحسب، بل هو إدارة لأزمة طويلة الأمد.

أما إذا كان المعيار هو تحقيق الأهداف التكتيكية وتجنب الأسوأ، فإن كل طرف يعتقد أن الاستمرار أفضل من خيارين: إما حرب شاملة ومباشرة ستكون كارثية، أو استسلام تام يفقد فيه جميع أوراقه.

لهذا السبب يطلق عليه العديد من الباحثين: "لا حرب، لا سلام" - حالة من توازن الردع الضعيف والمستمر لأن تكلفة إنهائه تبدو للجانبين أعلى من تكلفة إبقائه.

الصراع الأمريكي الإيراني ليس مجرد "حرب عبثية" بمعناها المطلق، بل هو صراع معقد تديره استراتيجيات دقيقة ومصالح متباينة، على الرغم من أن ضريبته الباهظة وتكلفتها البشرية والاقتصادية تجعله في نظر الكثيرين عبثياً وممخرباً للمنطقة. لفهم طبيعة هذا الصراع وما إذا كان عبثياً أم لا، يمكن تحليله عبر أبعاد المستقبل:

- الأبعاد الاستراتيجية للصراع (لماذا يستمر؟)

  منظور الهيمنة والنفوذ الإقليمي: تسعى إيران لتثبيت نفوذها ومداها الحيوي عبر شبكة من الحلفاء والذراع الإقليمية لضمان أوراق ضغط تبعد التهديدات عن حدودها المباشرة. وفي المقابل، تهدف السياسة الأمريكية إلى منع بروز قوة إقليمية مهيمنة تهدد حلفاءها التقليديين (مثل إسرائيل ودول الخليج) أو تسيطر على مسارات الطاقة العالمية ومضيق هرمز.

استراتيجية "حافة الهاوية" و حرب الوكلاء: يعتمد الجانبان على الردع المتبادل ويتجنبان المواجهة العسكرية الشاملة والمباشرة التي تكلفهما غالياً. وتُدار الحروب عبر الهجمات السيبرانية، والعقوبات الاقتصادية القاسية، والعمليات عبر الوكلاء، وهي أدوات يراها صناع القرار في واشنطن وطهران فعالة لتحقيق المكاسب دون الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة.

 أمن إسرائيل والمصالح الحيوية: بالنسبة لواشنطن، أمن إسرائيل خط أحمر استراتيجي، بينما تعتبر طهران العداء للسياسات الأمريكية والإسرائيلية جزءاً أساسياً من شرعيتها السياسية والعقائدية.

-  أوجه العبثية وغياب الجدية (منظور التكلفة والنتائج)

التكلفة البشرية والاقتصادية الفادحة: شعوب المنطقة دائماً في خط النار الأول، وتتحمل دول مثل العراق، سوريا، لبنان، واليمن التكلفة المدمرة لهذا النزاع طويل الأمد، دون أن يحقق أي طرف نصراً حاسماً يعيد رسم الخريطة بالشكل الذي يرغب فيه.

  دائرة الأزمات المغلقة: أثبت التاريخ القريب أن دورات التصعيد لا تخلق سوى مزيد من التعقيد وتعطيل مسارات التنمية، ويعاني النظام الإيراني من أزمات اقتصادية طاحنة بسبب العقوبات المرتبطة ببرنامجه النووي ونفوذه الإقليمي، بينما تعجز واشنطن عن استئصال التعقيدات أو فرض تسوية نهائية ترضي حلفاءها وتضمن استقرار الشرق الأوسط.

  البرنامج النووي كنموذج للعبثية: على الرغم من العقوبات والعزلة السياسية، تواصل إيران تطوير قدراتها النووية، بينما تتخوف واشنطن وتل أبيب من الوصول إلى نقطة لا رجعة فيها. هذا التنافس المستمر طوال سنوات طويلة بلا أفق مباشر لحل دبلوماسي شامل، يضفي طابعاً عبثياً على إدارة الأزمة عبر سياسة "إدارة الصراع" بدلاً من تسويته.

الصراع الأمريكي الإيراني ذو قيمة سياسية وعقائدية للأطراف الفاعلة التي تديره لتحقيق مكاسب النفوذ والأمن القومي الضيق، لكنه في المقابل حرب عبثية ومُنهكة طويلة الأمد للمنطقة وشعوبها التي تدفع ضريبة صراع نفوذ إقليمي ودولي لا ينتهي بحل جذري عادل.