السياسة و الادارة.. متى يكون التنافر صحيحا؟
قد لا يكفي النفور من الاداء السيء، سواء صدر من الادارة التنفيذية ام من السياسي خارج العمل التنفيذي، او من كل مركز له قرار، اذا ما جانب القاعدة الدستورية، بل يجب ان يقترن بالعمل في حدود المسموح للرفض.
بصراحة تامة، هناك من عمل و يعمل للذهاب نحو الكارثة، و ليت الحدس يصدق فنقول ان حفظ ماء الوجه هو من يدفع قسما نحو الكلام بما لا يقبله دستور، و لا يزيد من الوضع الداخلي الا تأزما، و هذا الامر ان صح فمفهوم، اذ طالما صدرت عن شخصيات مسؤولة ما لا يصح الحديث به و عنه، و طالما جلبت تصريحات اقترنت بعمل ام لا، طالما جلبت على دول ويلات و مصائب، بعضهم كان صادقا في دوره، فجلب خسارة مقترنة بشرف مقصده و بعضهم ادعى الصدق و اثبتت الوقائع و الوثائق زيف ادعائهم.
انا افهم قسما من دوافع اندفاع فريق يدعي الفهم السياسي، فيذهب لتصريحات هو ليس مجبرا عليها، فإن كان مضطرا للحديث فما الحائل امامه ان لا يتفكر بما سيقول، فيضع كلاما متوازنا و عملا مرنة يسهل له الانسحاب او التصويب؟
كثير من التصريحات تصدر و يتم رصدها و تفسيرها، بخاصة عندما تجيء مباشرة على لسان صاحبها، فتربك العمل القضائي و النيابي و التنفيذي، وهنّ اعمال مقيدات بضوابط لم تسلم لا من بقاء التشريعات التي لم تتغير( بحسب المادة ١٣٠ من الدستور) و لا سلمن من انتقاء و بعض عدم معرفة واضحة عند كثيرين بتخصصهم، مضاف لذلك ارث السلوك الموروث من النظام السابق عند قسم آخر من شاغلي المواقع اليوم.
يجري رصد و تفسير تلك التصريحات و يفهم منها ان هناك من يرى نفسه ابعد من اي امكانية محاسبة، وهذا غرور لا يصح ان يصيب صناع قرار.
اذ ما دام ان من حق فرد ان يسعى للفوز بمنصب او مكانة عامة، فمن حق الاجهزة و الناس سؤاله و محاسبته.
ايعقل ان ذاكرة المشتغل في السياسة لم تأخذ من علم السياسة و فن الحديث شيئا؟
ايعقل ان يتحدث سياسي دون احاطة بمخاطر تعريض مصالح البلاد لخطر سببه كلامه؟
ماهي الموانع و ما هي الضمانات و ما نوع التطمينات و ممن صدرن حتى يؤخذ الكلام و يرمى و كأن المُصرّح يتكلم عن مصيره لا عن مصير شعوب و دولة هي بالاساس ليست محل ثقة مطمئنة في الاسرة الدولية؟
اي حديث لنا بعد كل هذا الاصرار على صم الاسماع و تغطية العيون عن الوضع المستعر من حولنا و داخل مجتمعنا يمكن ان يستمع او يأخذ به من يُصرّح فلا تقع عينه و لا تسمع اذنه اشباه تصريحات السابقين الذين زالوا و لا ينظر للحاضر و لا للمستقبل.
اين امثال هؤلاء من قوله تعالى(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، و اينهم من حديث نبوي كريم يقول( لو عَلِمَ احدكم موضع كلامه من عمله، قلَّ كلامه الّا فيما يعنيه)؟.
لقد صرنا مع امثال هؤلاء كما قال الشاعر دريد بن الصمة يوما يصف اضطراره لمطاوعة اهله( غزيّة) على جهالتهم مع انه يعرف انهم على خطأ لكنه لايريد تمزيق المواقف بقوله:
وهل انا الّا من غزيّة، إن غَوَت
غويتُ وإن ترَشُد غزيةُ ارشُدِ.
اخيرا وليس آخِرا
فإن كثيرا من تحديات مستحدثة فادحة الخسائر كانت بسبب عدم التحلي بالحنكة في ادارة الامور.
ان شعوبنا ما عاد بمقدرتها تحمّل مزيد من التخبط و المخاطرة بالقليل الباقي و المُهَدّد من امكانات البقاء.
ان صناعة الاوجاع لوطن جريح مثخن، وطن عاشت شعوبه تكرار ويلات جلبها كثير من قادته و كثير من ساسته الذين لا يذكرون و الا و يذكر معهم ما اجرموه بحق شعوبنا هم مثل وصف سُحيم الشاعر لما قال:
يعُدنَ مريضًا هنّ هيّجنَ داءَهُ ... ألا إنّما بعضُ العوائدِ دائيا.
ان التنافر مع افعال و اقوال و منجز مخيب للرجاء سيشكل فائدة و يعكس حكمة لفاعليها، و مصداقا للمعارضة العارفة بصواب التصرف، فمن غير سليم المنطق ان تطلق اليد بلا قيد و اللسان بلا صمت و هما يعصفان او يهددان مصالح الجميع.