بين دولة القانون ودولة الظل

بين دولة القانون ودولة الظل
بين دولة القانون ودولة الظل

شهدت الساحة السياسية العراقية في الأسابيع الأخيرة تصعيداً ملحوظاً في خطوات رئيس الوزراء العراقي السيد علي فالح الزيدي لمكافحة الفساد، حيث بدا واضحاً أنه يسعى إلى تحويل شعار الإصلاح إلى ممارسة عملية تتجسد في مؤسسات الدولة وإجراءاتها اليومية، إذ أن الفساد الذي ظل لعقود أحد أبرز معوقات التنمية والاستقرار في العراق، أصبح اليوم في قلب المواجهة السياسية والإدارية، لذلك يسعى الزيدي أن يضع بصمته عبر سلسلة من القرارات التي تستهدف المال العام،والمنافذ الحدودية، والرقابة المالية.

أولى الخطوات التي أثارت الانتباه كانت إطلاق مشروع الأتمتة في المنافذ الحدودية، وهو مشروع يهدف إلى قطع الطريق أمام التلاعب والتهريب، وربط الإيرادات الجمركية والضريبية بمنظومة إلكترونية مركزية تتيح للدولة مراقبة حركة الأموال بشكل يومي، إذ أن هذه الخطوة لا تقتصر على الجانب المالي فحسب، بل تحمل أيضاً بعداً أمنياً، إذ إن المنافذ كانت لسنوات طويلة بوابة لتهريب المخدرات والأدوية والبضائع غير المشروعة، ما جعلها أحد أخطر بؤر الفساد وسوء الادارة.

الخطوة الثانية تمثلت في تشكيل المجلس الأعلى للنزاهة والرقابة، وهو كيان يضم هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والادعاء العام وقضاة مختصين، ليكون بمثابة مظلة مؤسسية تتولى التحقيق في العقود الحكومية، متابعة استرداد الأموال المنهوبة، وضمان أن القرارات المالية والإدارية تخضع لمعايير القانون والشفافية،وهذه الخطوة تعكس إدراك الزيدي أن مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون مجرد حملة إعلامية،بل تحتاج إلى جهاز متكامل يملك صلاحيات فعلية ويعمل بتنسيق مباشر مع القضاء.

أما على الصعيد المالي، فقد دفع الزيدي باتجاه تعزيز الرقابة الرقمية على الإنفاق الحكومي، من خلال اعتماد أنظمة محاسبية حديثة وربط الوزارات والهيئات بقاعدة بيانات مركزية،والهدف منها هو تقليص مساحة التلاعب بالأرقام، وضمان أن كل دينار يدخل أو يخرج من خزينة الدولة يمكن تتبعه ومراجعته، فهذه الرقمنة تمثل نقلة نوعية في إدارة المال العام، خصوصاً في بلد عانى طويلاً من غياب الشفافية وتعدد مراكز القرار المالي.

إلى جانب هذه الإجراءات، برز خطاب الزيدي السياسي الذي يربط بين مكافحة الفساد واستعادة ثقة المواطن بالدولة، لأنه يدرك أن العراقيين فقدوا الكثير من الأمل في قدرة الحكومات على مواجهة شبكات الفساد المتغلغلة، ولذلك يسعى إلى تقديم نفسه كقائد إصلاحي يضع مواجهة الفساد في صدارة أولوياته،وهذا الخطاب يتقاطع مع مطالب الشارع الذي يرى أن الفساد هو السبب الرئيس وراء تردي الخدمات،وضعف البنية التحتية، وتراجع فرص العمل.

لكن رغم هذه الخطوات، فإن التحديات أمام الزيدي لا تزال جسيمة، فحجم شبكات الفساد في العراق ليست مجرد أفراد، بل هي منظومات مترابطة تمتد إلى داخل مؤسسات الدولة وخارجها،وتملك نفوذاً سياسياً واقتصادياً يجعل مواجهتها معركة طويلة ومعقدة،كما أن نجاح هذه الإجراءات يتوقف على مدى وقوة الأجهزة الرقابية، وقدرتها على الصمود أمام الضغوط السياسية.

الزيدي فتح جبهة مواجهة مباشرة مع الفساد عبر سلسلة من الخطوات الجريئة التي تستهدف المنافذ الحدودية، العقود الحكومية، والرقابة المالية،وهذه الخطوات تمثل بداية مسار إصلاحي يحتاج إلى وقت وإرادة سياسية صلبة كي يؤتي ثماره، فيما إذا تمكن الزيدي من تحويل هذه الإجراءات إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في حياته اليومية، فإن ذلك سيشكل نقطة تحول في العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويعيد الثقة بأن العراق قادر على تجاوز إرث الفساد الذي أثقل كاهله لعقود طويلة.

خطوات الزيدي المستقبلية في محاربة الفساد تبدو وكأنها مشروع لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، فهو يسعى إلى تحويل مؤسسات الرقابة إلى جبهات متقدمة في مواجهة شبكات الفساد المتجذرة، ومن ثم التوجه نحو رقمنة أوسع للمعاملات الحكومية والذي يعكس رغبة في جعل المال العام شفافاً وقابلاً للتتبع، فيما يخطط الزيدي لتوسيع صلاحيات المجلس الأعلى للنزاهة ليصبح أداة قضائية وإدارية قادرة على تفكيك منظومات الفساد لا مجرد مراقبتها، وهذه الخطوات تحمل بعداً رمزياً يتجاوز حدودها التقنية، فهي إعلان عن إرادة سياسية تريد أن تجعل من الإصلاح مساراً دائماً لا حملة عابرة، وأن تضع العراق على طريق استعادة الثقة والكرامة الوطنية.