مهند محمود شوقي
كاتب كوردي
الفصل العشائري في العراق.. من الگوامة إلى سؤال الحق العام
في العراق، قد يبدأ النزاع بين شخصين، لكنه نادراً ما يبقى بين شخصين.
حادث سير، مشاجرة، وفاة، إصابة، أو خلاف عائلي، يمكن أن يتوسع سريعاً من دائرة الأفراد إلى العائلة والفخذ والعشيرة. ومع اتساع النزاع يظهر قاموس كامل من المصطلحات: الگوامة، العطوة، صاحب العطوة، الأجاويد، السادة، الفرشة، الفصل، المنگول، الفريضة٫ المكور، شد الراية، الستر، والدگة العشائرية.
هذه المفردات ليست طقوساً متفرقة، بل أجزاء من منظومة اجتماعية نشأت تاريخياً بهدف منع الثأر ووقف انتقال الخصومة من شخص إلى آخر. الفكرة الأساسية كانت أن النزاع إذا لم يُحتوَ عند بدايته، يمكن أن يتحول إلى سلسلة من الدماء يصعب إيقافها.
من هنا تبدأ الگوامة، بوصفها إعلاناً عن موقف الطرف المتضرر ومطالبته بحل النزاع. ثم تأتي العطوة، وهي هدنة تمنح الأطراف فرصة للتهدئة والتفاوض، ويصبح صاحب العطوة مسؤولاً اجتماعياً عن احترام شروطها ومنع تجدد الخصومة خلال مدتها.
وخلال هذه المرحلة يتحرك الأجاويد، وهم أصحاب الوجاهة الذين يدخلون بين الطرفين لتقريب وجهات النظر، وقد يحضر السادة بما لهم من مكانة اجتماعية ودينية للمساعدة في تهدئة النفوس وتسهيل الوصول إلى حل.
أما الفرشة فهي جزء من ترتيبات مجلس الصلح، وتُدفع لتغطية نفقات الوفود والمجلس، وقد تدخل في حساب الفصل النهائي، لكنها تختلف عن التعويض الذي يقرره القانون، لأنها جزء من بنية التفاوض العشائري.
إذا نجحت الوساطة، ينتقل الطرفان إلى الفصل، وهو المقابل المالي أو العيني الذي يُتفق عليه لإنهاء الخصومة. ولا توجد قيمة واحدة يمكن تعميمها على جميع العراق، إذ تتأثر قيمة الفصل بطبيعة الواقعة وحجم الضرر والظروف الاجتماعية وقدرة الوسطاء على التفاوض.
لكن هنا تظهر المشكلة الحديثة.
فالفصل الذي كان هدفه الأصلي إنهاء الخصومة قد يتحول أحياناً إلى عبء مالي هائل، خصوصاً عندما تصل المطالب إلى مبالغ تفوق قدرة العائلات على تحملها. وعندها لا يعود السؤال متعلقاً بقيمة المبلغ فقط، بل بالأساس الذي حُددت على أساسه هذه القيمة.
على أي أساس تحددت قيمة الفصل؟
التعويض في المنطق القانوني يرتبط بالضرر ونوعه والمسؤولية والعلاقة بين الفعل والنتيجة، بينما الفصل هو، في جانب منه، نتيجة تفاوض اجتماعي تتداخل فيه مكانة الأطراف وحجم الخصومة وقوة العشيرتين ومهارة الوسطاء.
المشكلة الأكبر تظهر عندما يتحول الفصل إلى التزام جماعي يُوزع على أقارب وأبناء عشيرة لم تثبت مسؤوليتهم عن الواقعة. عندها يتحول الخطأ الفردي إلى دين اجتماعي، وقد تجد عائلة نفسها مضطرة إلى بيع ممتلكاتها أو الاقتراض لتجنب عودة النزاع.
ومع ذلك، لا يصح وضع كل التسويات العشائرية في خانة الابتزاز. فالمصالحة الرضائية بين أصحاب الحقوق يمكن أن تؤدي وظيفة اجتماعية مهمة، خصوصاً عندما تمنع الثأر وتفتح الطريق أمام إنهاء الخصومة. لكن المصالحة شيء، وإنشاء المسؤولية شيء آخر.
وهنا تظهر أهمية المنگول والفريضة. فالمنگول هو الاستعانة بشخصيات عشائرية واجتماعية من خارج طرفي النزاع للمشاركة في مجلس الصلح، بما يساعد على تقريب المواقف. أما الفريضة فهي اللجوء إلى شخص يحظى بثقة الطرفين عندما يتعذر الوصول إلى اتفاق، ليكون رأيه وسيلة لحسم الخلاف وفق العرف.
لكن هذه الآليات، مهما بلغت مكانتها الاجتماعية، لا تتحول بمجرد قبول الأطراف بها إلى قضاء رسمي.
وفي بعض الأعراف العشائرية، تأتي مرحلة شدّ الراية، أو ما يُعرف أحياناً ، بوصفها إعلاناً عن تثبيت الصلح وإنهاء النزاع بين الطرفين . وبعدها تبدأ مرحلة الستر، أي إغلاق صفحة النزاع وحفظ كرامة الأطراف، ثم يجري الاتفاق على الفصل ودفعه وفق ما تم التوصل إليه.
بهذا المعنى، يمثل الفصل في أفضل صوره وسيلة اجتماعية لمنع الثأر وإعادة الخصوم إلى الحياة الطبيعية. لكن السؤال يتغير عندما يصبح: من يدفع؟ وكم يدفع؟ ومن يمكن إجباره على الدفع؟
هنا ينتقل النقاش من العرف الاجتماعي إلى القانون والأخلاق.
فالانتماء إلى عشيرة لا ينشئ وحده مسؤولية مالية، ولا يمكن تحميل شخص ديناً عن فعل لم يرتكبه أو لم تثبت مسؤوليته عنه. وهذه هي فكرة المسؤولية الشخصية التي يقوم عليها القانون الحديث.
وتظهر أهمية هذا المبدأ بصورة خاصة في القضايا التي تحتاج إلى خبرة متخصصة. ففي الأخطاء الطبية مثلاً، لا يكفي وقوع الضرر لإثبات الخطأ. هناك فرق بين الخطأ المهني وبين المضاعفات الطبيعية للعلاج أو عدم نجاحه، وتحديد المسؤولية يحتاج إلى خبرة طبية وتحقيق قانوني، لا إلى تقدير اجتماعي وحده.
والأمر ذاته ينطبق على الفصلية، عندما تُقدم النساء في سياق تسوية النزاعات. فحين تتحول المرأة من صاحبة حق وشخص كامل الأهلية إلى أداة لإغلاق نزاع بين رجال، يصبح العرف في مواجهة مباشرة مع حقوق الإنسان.
أما الدگة العشائرية فتمثل التحول الأخطر، عندما ينتقل الضغط من التفاوض إلى التهديد أو التجمع المسلح أو إطلاق النار وترويع العائلات. عندها لا يعود الأمر مجرد خلاف بين طرفين، بل يصبح اعتداءً على الأمن العام وحياة أشخاص قد لا تكون لهم علاقة مباشرة بأصل النزاع.
فالصلح القائم على الرضا شيء، والتنازل الذي ينتزع تحت التهديد شيء آخر تماماً.
وهنا تتضح القاعدة الأهم: المصالحة لا تخلق حقاً من العدم.
يمكن للوسيط أن يقترح تسوية، ويمكن لأصحاب الحقوق أن يقبلوا بها عندما يسمح القانون بذلك، لكن لا يجوز أن يتحول مجلس عشائري إلى محكمة تنشئ مسؤولية لم تثبت، أو تلزم شخصاً بما لم يثبت عليه.
وهذا يقود إلى السؤال الأوسع: ما الفرق بين الحق الخاص والحق العام؟
الحق الخاص يتعلق بالمتضرر أو أصحاب الحق، وقد يسمح القانون في حالات معينة بالصلح أو التنازل أو التعويض. أما الحق العام فهو حق المجتمع في حماية أمنه وتطبيق القانون ومحاسبة من يرتكب الجريمة.
ولهذا تستطيع العشيرة أن تتصالح مع عشيرة أخرى، لكنها لا تستطيع أن تتصالح نيابة عن المجتمع كله.
قد يسامح أهل الضحية، وقد يقبلون التعويض، وقد يعلنون الستر وتنتهي الخصومة الاجتماعية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الواقعة لم تعد محل مساءلة أمام القضاء، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأمن المجتمع أو بحقوق أشخاص آخرين.
والدستور العراقي وضع لهذا الأمر إطاراً واضحاً: فهو يعترف بدور القبائل والعشائر، لكنه يشترط أن يكون هذا الدور منسجماً مع القانون، ويحظر الأعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الإنسان، كما يؤكد سيادة القانون ومبدأ شخصية العقوبة.
وفي المقابل، لا يعني ذلك أن القانون يتجاهل الصلح العشائري. فقد تكون للتسوية العشائرية آثار قانونية في حالات محددة عندما تستوفي الشروط التي يضعها القانون. لكن القوة القانونية لا تأتي من العرف وحده، وإنما من القانون الذي يحدد متى يكون للعرف أثر قانوني ومتى لا يكون له ذلك.
واليوم لا يحتاج العراق إلى إلغاء العشيرة، ولا يستطيع تجاهل وزنها الاجتماعي. ما يحتاجه هو وضع الحدود بوضوح: العشيرة تستطيع أن تمنع الثأر، لكنها لا تستطيع أن تمنح البراءة. تستطيع أن تتوسط، لكنها لا تستطيع أن تحكم. تستطيع أن تساعد في التعويض، لكنها لا تستطيع أن تخلق حقاً غير موجود. وتستطيع أن تعلن الستر اجتماعياً، لكنها لا تستطيع أن تغلق ملفاً يخص الحق العام.
ويبقى السؤال الذي تختصر فيه هذه المنظومة كلها:
إذا كان للمتضرر حق خاص يستطيع أن يتنازل عنه، فمن يملك الحق العام؟ وهل تستطيع عشيرتان أن تتصالحا نيابة عن مجتمع كامل؟
ربما يكون هذا هو الخط الفاصل الذي يحتاجه العراق اليوم: أن يبقى للفصل مكانه كوسيلة للصلح ومنع الثأر، لكن من دون أن يتحول الصلح إلى قضاء، أو التعويض إلى إتاوة، أو الستر إلى إخفاء جريمة، أو العشيرة إلى سلطة موازية للقانون.