محمد زنكنة
محرر
صفحة جديدة لعلاقة عريقة.. وعتب أخوي
لا يسعفنا الوقت للحديث حول قوة ومتانة العلاقة بين الكورد وبيت الحكيم، وبين كل حزب من أحزاب الجبهة الكوردستانية سابقا وهذه العائلة التي لطالما كان افرادها، عبارة عن مشاريع شهداء في فترات جميع الأنظمة العراقية السابقة، ولعل كل من يعيش في إقليم كوردستان، ممن عاصر العقود الماضية او قرأ صفحات الماضي، يثمن وبكل تقدير، الموقف الإنساني المشرف لسماحة السيد محسن الحكيم رحمه الله من الكورد في عام 1964، حيث رفض كل المطالب التي عرضت عليه وكل الاغراءات من قبل الرئيس العراقي آنذاك عبد السلام عارف، مقابل اصدار فتوى تبيح للحكومة العراقية قتال الشعب الكوردي وقتلهم وابادتهم، لانهم (وبنظر عارف)، مرتدون وتجوز تصفيتهم، لكن رفض السيد الحكيم كان قاطعا ولم ينصع للدعوى العارفية اللا إنسانية، واصر على موقفه الإنساني بأن الشعب الكوردي شعب مسلم، ولا يجوز التصرف معهم بهذه الطريقة.
ولم تقف هذه العلاقة عند هذه النقطة، بل كان لسماحة شهيد المحراب محمد باقر الحكيم، وسماحة السيد عبدالعزيز الحكيم رحمهما الله، دورا كبيرا وفعالا، في تطوير هذه العلاقة مع جميع الأطراف والأحزاب السياسية في كوردستان، وتحديدا مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني، منذ أيام ثورة أيلول، مرورا بفترة الجبهة الكوردستانية وتوحيد الجبهات السياسية والعسكرية لمواجهة النظام الدكتاتوري، ومن ثم مرحلة الاعداد لاسقاط النظام البائد، وصولا الى بداية العملية السياسية العراقية الجديدة في عام 2003 والتطورات التي صاحبتها في جميع مراحل المد والجزر التي مرت بها الدولة منذ اكثر من عقدين.
وخلال الفترة العمل الجبهوي النضالي سياسيا وعسكريا، منذ مؤتمر نصرة الشعب العراقي في ديسمبر 1986، والانتقال بعد ذلك الى العمل السياسي، كان شهيد المحراب، محمد باقر الحكيم، من اكثر المتحمسين لبناء عراقي ديمقراطي فدرالي موحد، يضمن حقوق جميع أبناء الشعب العراقي، ومازلت اذكر كيف تجدد هذا الموقف وتم التأكيد عليه، اثناء الزيارة التاريخية لسماحة السيد عبدالعزيز الحكيم الى أربيل في ديسمبر 2005، حيث اكد في المؤتمر الصحفي الذي جمعه بالرئيس مسعود بارزاني (بل اكدا معا)، بان الفدرالية، هي الحل الأفضل والانجح للعراق الجديد، على العكس من الكثير من الأطراف والأحزاب السياسية الأخرى، والتي سرعان ما تنصلت عما تم الاتفاق عليه في المؤتمرات التي عقدت قبل سقوط نظام البعث، وحاربت هذا المبدأ وعرقلت تنفيذه، على الرغم من كونه امرا نص عليه الدستور.
وتأتي الزيارة الأخيرة لسماحة السيد عمار الحكيم، للتأكيد على ان هذه العلاقات مازالت باقية ومستمرة، بل وتأخذ منحى اكثر تطورا وتدخل في مرحلة جديدة، لتفتح صفحة أخرى لمرحلة أخرى من علاقات بدأت بالبعد الإنساني، وأصبحت مستدامة في الأطر السياسية، بفضل حكمة من يقود هذا الاطار الإنساني، فقد بينت هذه الزيارة، بان أية جهة تقاد من قبل أبناء الحكيم، ستكون مرحبة من قبل اغلب المكونات القومية والدينية في العراق، وتحديدا في إقليم كوردستان، ومع انها ليست الزيارة الأولى لسماحته، حيث حضر السيد عمار العشرات من الاجتماعات والمؤتمرات والمناسبات، واهمها كان حضوره في تدشين شارع سماحة السيد محسن الحكيم في عام 2006، لكن لهذه الزيارة، وفي هذا الظرف الحساس الذي يمر به العراق وتمر به المنطقة برمتها، ومع استمرار الخلافات بين بغداد واربيل، أهمية خاصة، ومنها أيضا رسالة مهمة تؤكد وتقول: بان مبادرة الحل ومحاولات التقريب بين الاطراف المتخالفة، من الممكن ان تأتي من خارج من خارج الأطر الحكومية والرسمية، بالاستناد على أواصر العلاقات الإيجابية، الإنسانية، لتحقيق ما به خير لعموم البلاد.
وفي الحالة العراقية، من الطبيعي جدا ان تكون هناك خلافات بين الأطراف السياسية المشكلة للحكومة ومن هي خارج التشكيل الحكومي، ومن الطبيعي أيضا ان تكون هناك اطر للخلاف بين الأحزاب الكوردستانية وتيار الحكمة الذي يتزعمه السيد الحكيم ولكن، ان تدار هذه الخلافات (برقي واخلاق سياسية عالية)، فهذا هو النجاح بعينه، بدليل الترحيب الذي لاقاه السيد الحكيم في كل من أربيل ودهوك والسليمانية، وحفاوة الاستقبال من قبل القيادات السياسية والأحزاب وصولا الى المواطنين البسطاء، والتي توصلنا الى نتيجة ان المشاكل والخلافات بل وحتى العقد، لهو امر وارد في العملية السياسية، لكن الأهم من ذلك، ان لا يستعصي الحل، بوجود شخصيات سياسية لها هذه المقبولية من قبل مختلف المكونات القومية والدينية وحتى السياسية.
ان هذه الزيارة بينت بان استقرار العلاقة السياسية، والمبادرة الى الحلول، لا يشترط ان يستندا الى نتائج الانتخابات، وان التنافس السياسي، لا يمكن ان يكون على حساب النهج الثابت الذي يربط طرف بآخر او حزب بآخر في الفضاء السياسي العام، وخصوصا، ان هذا النهج مازال ثابتا وقويا ويلقي بقوته ومتانته على الهوية الوطنية، والتي يخشي الجميع ان تكون آخر اهتمامات المواطن العراقي، لان الظروف والمعطيات الأخيرة، وتحديدا ما بعد مظاهرات تشرين، بينت ومن خلال العديد من الدراسات والبحوث، بان المواطنة العراقية، والهوية الوطنية في خطر وان الفرد العراقي بات ابعد ما يكون عن تمسكه بهذه الهوية، هذا الحل الذي طالبت به ثورة أيلول في أولى جمل الشعار الذي حملته: الديمقراطية للعراق، كسبب لترسيخ الهوية الوطنية.
وبالعودة الى التحديات الإقليمية والدولية والتي تلقي بظلالها على العراق، بات من المهم جدا ان تشعر كافة القوى والأحزاب السياسية، بمخاطر هذه التأثيرات وتبعاتها السلبية، والتي من الممكن، بل من الاكيد ان تكون سببا في ازمة عميقة لن يخرج منها العراق بسهولة، هذه التحديات واستعصاء الحل على الأطراف التي اما لا تريد الحل، او لا تستطيع ان تقدم حلولا لما يعانيه العراق، جاءت زيارة الحكيم لتثبت مسالتين مهمتين، الأولى: ان العراق في خطر حقيقي، ولابد من البدء بحوار يؤدي الى حلول سريعة وآنية تمهد لحلول دائمة. والثانية: ان الكورد قلقون من العملية السياسية ويشعرون بان هناك تهديدا يواجه مشاركتهم ويهدد ما تم الاتفاق عليه على أسس (التوافق والشراكة والتوازن)، ليطمئن الكورد ويبين بأن هناك ضامن استراتيجي لهم ولمشاركتهم في هذا الفضاء التعددي، والبدء فعلا بإيجاد الحلول، وهذا ما ينتظره ويتأمله الكورد فعلا من السيد عمار الحكيم.
لكن وفي خضم كل هذه الإيجابيات، وكتذكير وبعتاب اخوي، لابد من الإشارة، بان هناك من يتصيد في الماء العكر، باستخدام مساحة الحرية والتعبير الإعلامي، لبث رسائل ملؤها الكراهية، باستغلال المنابر الإعلامية التابعة لتيار الحكمة، بالتهجم على مقدسات الاقليم وقوات البيشمركة، ومع ان هذا الموضوع لا ولن يؤثر على جوهر العلاقة بين الجانبين، لكنها من الممكن ان تكون سببا في شيء من العتب من قبل الشارع الكوردستاني، وهم يرون بأن هناك من يريد ان يكسب بعض النقاط في اطار مصلحة شخصية، على حساب علاقة بنيت واسست في زمن كانت فيه الكلمة التي لا تعجب أصحاب السلطة، الى حبل المشنقة، وهذا ما أتمنى ان يتداركه سماحة السيد الحكيم، لقطع الطريق امام كل محاولة تستهدف هذا الجدار القوي الصلب الذي اصبح مضربا للمثل جيلا بعد جيل، وان لا يكون الكسب غير المشروع، ماديا ومعنويا، هو الخطوة التي يوهم بها ضعاف النفوس، المواطنين، لبث مفاهيم من الممكن ان تؤدي الى العديد من الأمور غير المستحبة، ولابد من التفكير بأن كلما استمرت قوة ومتانة العلاقة بين إقليم كوردستان وبيت الحكيم، هو الضامن الأقوى لعراق عملنا عليه وناضلنا من اجله وثبتنا مبادئه في الدستور.