ديمقراطية الــ (پارتي) ودولة الدرونات

ديمقراطية الــ (پارتي) ودولة الدرونات
ديمقراطية الــ (پارتي) ودولة الدرونات

يوثق الرابع من نيسان من عام 1959، حدثا مهما في التاريخ السياسي والصحفي للكورد، وللحزب الديمقراطي الكوردستاني تحديدا، الا وهو الصدور العلني للعدد الأول من صحيفة (خەبات-النضال)، لسان حال الحزب في بغداد، كأولى خطوات بدء عملية سياسية جديدة بعد غياب دام لأكثر من عقد للبارزاني الخالد ورفاقه في الاتحاد السوفييتي السابق، وعودتهم، على خلفية سقوط النظام الملكي، بعد الرابع عشر من تموز لعام 1958، وإعلان الجمهورية من قبل الضباط الاحرار، ومن الطبيعي ان يسأل المتلقي: ما الذي يعنيه صدور هذه الصحيفة؟ وأين تكمن الأهمية في ذلك؟

التهرب من الديمقراطية

مع تأسيس الدولة العراقية، لم يكن هناك وقت لدى البريطانيين للتوفيق بين مكونات الدولة التي بإرادتهم في ذلك الوقت وللخروج بصيغة يعتمد عليها الحكم في الدولة الجديدة، لكنهم سمحوا للنخب الثقافية والسياسية بفتح أبواب الحوار والنقاش حول ما يتوجب ان تكون عليه هذه الدولة، الا ان جميع الأطراف والنخب السياسية، وبجميع اختلافاتهم السياسية والفكرية، تهربوا وبصوت واحد، من ذكر الديمقراطية والاتفاق عليها والسير على هذا الطريق، لسبب بسيط: ان هذا المصطلح سينسف كل طموحاتهم بالسيطرة الكاملة على هذه الدولة، والحكم بوجه واحد وبسيطرة طرف واحد، لتاتي الخطوة الشجاعة من الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وليؤكد وفي العدد الأول لهذه الصحيفة، على ان الديمقراطية هي الحل الأساس والوحيد لحكم العراق، لكونه بلدا تتعدد فيه المكونات القومية والدينية والمذهبية، ولن يستقر العراق، الا بوجود حكم يحترم كافة الاختلافات التي اجتمعت في دولة واحدة في مصير وقدر مشترك، هذه هي الديمقراطية التي أرادها الديمقراطي، والتي لم تتقبلها بقية الأطراف ولم تهضمها، على الرغم من اقتناعها الكامل بانها الحل الوحيد والأمثل، بديل ما حصل بعد ذلك، من ظروف أدت الى اندلاع ثورة أيلول، والتي حملت بدورها شعار، الديمقراطية للعراق، المصطلح الذي بدا من صحيفة (خەبات)، وتحول الى مطلب ثوري وانساني، تهربت منه كل الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق، وصولا الى يومنا هذا.

ما المانع من تطبيق الديمقراطية؟

كثيرا ما ترتبط الإرادة العراقية، بالإرادات الإقليمية او الدولية، او كلاهما معا، او بالأجندات التي تتواجد في داخل العراق والتي تمثل الارادات الخارجية في داخل العملية السياسية العراقية، أي بمعنى، ان وجود الديمقراطية في العراق، سيتحول الى تجربة يضرب بها المثل في الدول المحيطة به، والتي لا تحبذ هذه الطريقة من الحكم، لذلك سارعت هذه الدول، وعن طريق شخصيات سياسية تعمدت تقريبها من الأنظمة السابقة (بعدم وجود تعددية حزبية او سياسية)، او بعثاتها الدبلوماسية، الى تخريب كل تجربة للاتفاق او التقارب بين مكونات هذه الدولة، وخصوصا الجانب الكوردي، وقد اثبتت الوثائق والرسائل الرسمية والبيانات والبرقيات المتبادلة بين مسؤولين من الدولة العراقية وممثليات دبلوماسية لدول مختلفة من العالم، من القلق من أي تطور من الممكن ان يصاحب العلاقة بين الجانبين الكوردي، والحكومة العراقية.

وبعد سقوط نظام البعث، والذي لم يكن يتحرك الا بتوجيه إقليمي او دولي، وعلى الرغم من تعددية المشاركة السياسية للمكونات القومية والدينية وحتى السياسية بكافة افكارها وشعاراتها، الا ان الديمقراطية المرجوة، تحولت الى دكتاتورية جماعية، بتطبيق صوري بوجود الانتخابات التي تسبب المشاكل والأزمات أكثر مما تحل المشاكل، ولم تتحقق الديمقراطية، على الرغم من وجودها وبالنص الصريح في الدستور، الذي أهمل بدوره وضرب عرض الحائط، ولكن، هل من المستحيل ان يكون العراق ديمقراطيا؟ بالتأكيد لا، ولكن ما المانع؟

المانع يكمن في ان التعددية الحزبية، تحولت الى مسرح لتنفيذ اجندة ثأرية من قبل أطراف ورثت الاضطهاد ولم تتبع مبدأ عفا الله عما سلف، وساعدتها بذلك تنظيمات وأحزاب ودول، حولت هذه الأطراف (التي تدعي الانتماء العراقي)، الى دولة داخل دولة، وبالتأكيد، لا وجود للديمقراطية في هذه الأجواء.

اين الفرق؟

من السهل جدا تشخيص الفرق، في الديمقراطية التي يطالب بها (الپارتي)، وبقية الأطراف والأحزاب السياسية، لان (الپارتي)، يريد مشاركة سياسية حقيقية، شراكة في إدارة الحكم والثروة، توافقا سياسيا في اتخاذ القرار، وتوازنا في التمثيل لجميع مكونات الشعب العراقي في دوائر ومؤسسات الدولة، دون ان يشعر أي مكون قومي او ديني او مذهبي، بالغبن او الظلم والتهميش، اما الطرف الآخر، يرى في معاداة (الپارتي) والوقوف بوجهه ورفض كل ما يريد ويطالب به من اجل العراق، هو يرى الديمقراطية فقط في اطار عملية انتخابية متفق عليها مسبقا بين اطراف وجهات سياسية، بتوزيع المناصب والامتيازات، ثم التراجع عن الوعود والعهود والاستقواء على بعضهم البعض، ليكون خيارهم الأخير استغلال الشارع، في ظل ديمقراطية انتقائية في اطر وحدود ضيقة لا تتعدى مجموعة محدودة تريد ان تسيطر على ما يمكن السيطرة عليه، والتظاهر بان ما يحدث هو نتاج لحرية التعبير عن الرأي، ولتسكت الالسن بمجرد انتفاء الحاجة لذلك او التصالح مع الطرف الخصم بالاتفاق على تقسيم ما يمكن تقسيمه بينهم، أي ان (الپارتي)، ينظر الى الديمقراطية كالهرم، من جميع الاتجاهات، والطرف الآخر، يستغل الديمقراطية في تحقيق مصالحه الشخصية الضيقة.

ديمقراطية (الدرونات)

الدرون، او الطائرة المسيرة، سلاح فتاك استغلاله واستخدامه في الحروب، ليس بالأمر الجديد، وقد تعودنا عليه في إقليم كوردستان منذ أكثر من ستة أعوام، وفي اطار شر البلية ما يضحك، وانا اكتب المقالة، سمعنا أصواتا لأكثر من ستة انفجارات، لإحباط هجمات تعود الاقليم عليها بطائرات مسيرة تنفذ من قبل الميليشيات التي تمثل أحزابا سياسية (في العراق الديمقراطي)، من قبل الدفاعات الجوية لقوات التحالف الدولي، في وقت، مازالت العملية السياسية في هذا البلد (مشلولة)، بعد (الانتخابات الديمقراطية)، والتي تحقق هدفها المرجو، على الرغم من ديمقراطية المشهد.

المسيرات أصبحت رسالة تتحدث بها الحكومة، والدولة، مع إقليم كوردستان الذي يطالب بالديمقراطية للعراق، بشكل غير مباشر، وعن طريق أطراف خارجة عن القانون، لان الاقليم، لا ينفذ الديمقراطية التي تريدها هذه الأطراف والفصائل التي تكبل الدولة وتخنقها.

وعلى الرغم من كل التحذيرات التي يوجهها إقليم كوردستان للحكومة الاتحادية، للحفاظ على ما تبقى من قوة وهيبة الدولة، مازالت موقف الحكومة (والمفروض انها اتحادية)، يراوح مكانه، دون أية إجراءات تطال المتورطين والمتواطئين في هذا العمل الإرهابي والاجرامي والذي يطال مصالح عامة للإقليم واهدافا مدنية ومنازلا لمواطنين لا ذنب لهم فيما تشهده المنطقة من حروب وصراعات يراد ان يجر اليها العراق، شاء الشعب ام ابى.

ان الديمقراطية الحقيقية تتطلب من الحكومة، ان تكون بحق حكومة لكافة أطياف الشعب، ترفض التورط بما لا يطيقه البلد ولا يتحمله شعبها، وان تحمي حدودها من أي اعتداء يهدد سيادتها ووجودها وكينونتها، وتحافظ على وحدة الطيف الشعبي والجماهيري والسياسي، وان تلغي وتحل كل المظاهر العسكرية غير الدستورية والغير قانونية التي تهدد وجود الاقليم واستقراره، بل وفي إطار الصلاحيات الحصرية للقائد العام للقوات المسلحة، باستطاعة رئيس الوزراء ان يتخذ كافة الإجراءات القانونية لإيقاف تصرفات هذه الميليشيات. 

لكن الأجواء العامة في السياسة العراقية اليوم تقول وتبين، بان الديمقراطية التي يريدها العراق، وانتظرها لما يقارب المئة عام، تتلخص في الـ(درونات)، والتي أصبحت لسان حال كل من يريد ان يحسم امرا او مشكلة او ازمة تتعرض لها الدولة، وبالتالي، عندما لا تستطيع الميليشيات وهي التي تسيطر على الدولة، الاتيان بتجربة مشابهة او حتى مقاربة للتجربة السياسية في إقليم كوردستان، فلن تجد امامها لغة غير لغة الـ(درونات)، لتثبت من خلالها، حكما ديمقراطيا، كما تقول وتدعي.

بعد النظر في مقالة (خەبات)

من الواضح بان بعد النظر والقراءة البعيدة للحزب الديمقراطي، كان سببا في ان يعبر وفي المقال الافتتاحي للعدد الأول الصادر علنا من الجريدة، عن مخاوفه من عدم تنفيذ الديمقراطية بصورتها الصحيحة، لأنه يعلم جيدا كيف كانت تفكر تلك الأطراف السياسية العراقية، وكيف من الممكن ان يتحول هذا التفكير السلبي الخاطئ، الى مبدأ وأسلوب حياة، بفعل التراكمات التي من الممكن ان تحصل لدى توارثها جيلا بعد جيل، وهذا ما حصل وتحقق فعلا، ولا حاجة للحديث عما شهده التاريخ الكوردي في العراق من قبل كل الحكومات التي تعاقبت على حكمه.

(خەبات)، والتي أدى وجودها في الدرج الخاص لاحد ضباط الجيش العراقي، بعد دسها من قبل أعضاء في التنظيمات السرية للحزب الديمقراطي الكوردستاني، في فترة النظام السابق الى تعرضه لحالة هستيرية أدت الى انتحاره، كانت صحيحة في تبيان وتشخيص المخاطر، ان لم تنفذ الديمقراطية الصحيحة، هذه الجريدة، والتي تعرضت في المراحل المختلفة من تاريخها، الى الحرق، والاتلاف، والمنع من الصدور، لم تخطيء في تخوفها من التقاعس عن تطبيق الديمقراطية واهمالها، وللأسف.. هذا ما نراه اليوم قد تحقق فعلا، وتحولت الديمقراطية للعراق، الى حسم وفصل وحل للمشاكل والأزمات، عن طريق عنف وإرهاب مسيرات الفصائل، درونات الميليشيات.