ثورة ايلول 1961.. تاريخ حاضر و ماضٍ مجيد و مظلوم
الماضي يختلف عن التاريخ، التاريخ فعل مستمر، فعل يشترك بكل الازمنة، ماضيا و حاضرا و مستقبلا.
ثورة ايلول سنة ١٩٦١ من جنس الثورات الحقيقية، دوافعها حقيقة تاريخية مستندة لمخزون من ماض و من حاضرِ يوم اندلعت، لتكون عامل تغيير على مجمل المتعلق بها، ثوّارِها و جمهورها و اعدائها، ناسها الذين معها و الذين ضدها، و زمنهما و فكرهما و الارض.
كنتُ قد كتبتُ و كررت كثيرا اننا نعزل بين موقفنا الشخصي من الراحل عبدالكريم قاسم انسانيا، و بينه و بين موقعه و قراراته التي جعلت الثورة تنفجر، و قضية الفصل بين الاثنين و الاقناع بها ليست هيّنة، فبالتالي قاسم كان رأس النظام، و الذين حققوا لذواتهم مكاسب، فهموهم انهم لا يريدون تحميله نتائج قرارات امضاها هو، اكانت من فكره ام ايحاء من غيره و قبلها هو، خاصة و ان الرجل تمتع بشعبية اقترنت بالقرب من المعوزين، و راح ضحية حدث مضاد هو حركة الثامن من شباط ليصبح قتيل جمهورية صنعها مع مجموعة عساكر اطاحوا الملكية، و ليس هذا المقال للمقارنة بين نظامين.
اكررُ طلبي للجيل الحالي ان يزيد قراءة تاريخ العراق المعاصر، و ان يأخذ مصادره ذات الحياد، حتى يعرف حجم الحق المهدور، و منها حقه، حق هذا الجيل و غيره، الذين قبله و اللاحقون، علّهم يسارعون لمنع تكرار الهدر اذا ما نقلوا وعيهم و تحركهم ليفهم الحّكام حدودهم، و لا يكرروا التصرف بالدم و المال لفرض تصوراتهم المغلوطة على الشعوب.
ايلول ١٩٦١: ثورة لو لم تكن مظلومة لكانت اليوم عيدا رسميا عراقيا، لا فقط كوردستانيا و عيدا لحزبنا فقط، فإن عدها قليلو المعلومة او متعمدو التضليل تمردا او عصيانا، و اعتقدوا ان ذلك يضايقنا، فأبدا، اذ اننا نتمرد على الجور و نحن عصاة لكل اتٍ بشرع يناقض حقوقنا الانسانية.
واحدة من اسباب الظلم الذي طال شعبنا و حركته و ثوراته و منها ايلول هي اساليب التفكّر الخاطيء، و سرعة الحكم على حدث لم يستوعبه عقل يفكر بطريقة غير سليمة، اذ ان العدالة بأبسط صورها هي الاستماع لكل الخصوم و فحص الدفوعات، وليس من العدالة التعاطف المطلق مع فرد، و اهمال الضحية و هم بالالوف، و الاصرار على التمجيد مماشاة لسلوك مجتمع، او اكتفاءََ بمريح الامور، و عدم الذهاب ابعد و اصوب لمعرفة الحقيقة.
تعودنا في العراق على ان لمزاجية الحاكم مكانها في القرار العام، و هذا عيب و هذه جريمة يقترفها بحق نفسه و واجبه.
كان مصطفى البارزاني لاجئا في الاتحاد السوڤياتي السابق حين قام قاسم الذي كان ضابطا في الجيش الملكي بحركته- ثورته- انقلابه- مع عدد من ضباط و ضباط صف و جنود الوية بعينها.
البارزاني كان قبل ذلك بسنوات ثائرا على انظمة الحكم، باحثا عن حقوق امة بكاملها، و الفرق لا يكمن عنده بشكل نظام الحكم بل بمضمونه، و قبل هذا فحقوق الشعوب اقدم و ابقى من الانظمة.
لم يخطيء قاسم بحق امتنا لكونه من خلفية عسكرية، حتى و ان يكن للتخصص تأثيره في كشف قابليات و ملائمة الشخص للتحول من عقله و متطلبات عمله السابق الى متطلبات و تبدل في التفكير، و العسكري احيانا يواجه صعوبة في السلوك المدني و منظومة قوانينه و طبيعة العمل( و في هذا اراء معضدة كثيرة).
ظل الوجود الكوردي في العراق مؤزّما و مقلقا لاصحاب الفكر غير المرن، ويبدو ان الجماعة الحاكمة و امام جمود فكرها تتجه للتحايل ثم الخصومة فالعداء فتحريك ادوات الاخضاع( و هذا الامر تكرر كثيرا).
لابد من القول ان الراحل قاسم لم يكن بعيدا عن ضغوط حزبية داخلية و سياسية خارجية، و لربما من سوء المصادفات ان تلعب الجغرافيا و علاقات و مصالح بحرفية لم يستطع قاسم لا تحييدها و لا تجنب اثارها خاصة قضية الكويت و ايضا وجود جمال عبدالناصر.
وقد لا يقبل قسم من الناس مقولة ان جناحا يساريا مُهما لم يكن على توافق مع قاسم و لا قاسم نفسه كان بكل مضمونه متوافقا معه.
اعود بعد تقديم موجز لأقول:
كثيرون سابقا و الان، لم يستوعبوا و لا يريدون التسليم بالحقائق، حقائق منها ان انظمتهم السياسية تقاسمت ارض امة بشعبها، فهذا العراق كان كله ولاية عثمانية من ضمن ولايات منها سوريا و غيرها، وان كوردستان العراقية هي في الحقيقة اضافة جفرافية اجتماعية لدولة قدمتها بريطانيا، ولست اعتب على عقل يتعاطف مع فكرة ان رعايا الدولة العثمانية من عراقيين و غيرهم قاتلوا البريطانيين وساندوا العثمانيين و اعتبروا وحدة العقيدة عنصر قوة، فيما يهاجمون الكورد لانهم ظلوا ثوارا على الحاكم ايا كانت عقيدته او عرقه ان لم يكن عادلا معهم!.
ان العدالة مطلب سماوي و مبتغى فكرٍ من انواع الفكر الوضعي، و اشتراكهما معا يظهر اهمية العدالة التي تحول دون الظلم و الجور، و طبيعي جدا ان ليس كل المفكرين و ليس كل الثوار و لا كل المناضلين من دين سماوي او مذهب واحد.
لم يقبل الوعي المجتمعي الكوردي و لم يرض الوعي و الحراك السياسي بكوردستان ان نكون في الجمهورية مواطنين وفق هوى الحاكم، ايا كان الحاكم، كنا و لم نزل نريد وجودا يحيمه دستور و قانون عادلان و ان نتمتع بحقنا و ان تجري محاسبتنا على تقصيرنا، فنحن اولا و آخرا لسنا جنودا في جيش و لا مضطرين لتبديل ثوب الطاعة اذا زال العسكري و حل محله مدني متحزب، او مدع بحق الهي، ابدا، نحن مواطنون يجب ان نعيش في دولة محترمة.
قصفتنا طائرات الجمهورية اكثر من قصف الطائرات الملكية، و سجننا الجمهوريون مثلما فعل الملكيون، و طبعا الجمهوريات اغلبها تبدلت بإنقلابات فكانت التبدلات ثابتة، يريدون منا موقفا ثم ينقلبون.
ذهب قاسم ثم حل الشقيق الاصغر لعبدالرحمن عارف، عبدالسلام الذي كان نائبا لقاسم ثم صار متهما منه ثم عاد مع بعثيي ٦٣، ثم رحل بحادث لم يزل لليوم بين شبهة جنائية و بين قدر مرده عوامل فنية، ليجيء الشقيق الاكبر وهو عبدالرحمن، و لم تطل مدته، اذ عاد البعث بثنائية عسكرية حزبية، و البقية معروفة.
اربعة من ضباط الجيش الملكي، قاسم و العارفان و احمد حسن البكر، كل هؤلاء عاصروا ثورة ايلول و عاصرتهم، استمرت الثورة و استمروا هم بين مهاجمتها و التهادن و الانقلاب فيما بينهم.
ليست ايلول بمكان ليتم اختصارها انها اندلعت لتنتهي بإتفاقية اذار مع حكومة بغداد، هذا الرأي متعجّل و مجحف، بل ان من انجازات ايلول ان كان التوقيع على الاتفاقية كاشفا لقوتنا و كاشفا استباقيا لعقل البعث الذي غامر و باع ارض و مياه العراق عنادا و تهورا، و مع ذلك فكثيرون لا يريدون الا مسح اخطائهم بالبعث ليكسبوا حتى على حساب ايلول و ضحايانا فينشرون عن ارتباطاتها مكذوب الاخبار، و لا جرأة عندهم بل ولا احاطة بالقانون الدولي ليتحركوا نحو ارجاع مياه و ارض العراق و لا يحملون هم تشريع يحول دون ذلك و لا ان يعوضوا ضحايا من يحبونهم هم من الحكّام الذين شردوا و قتلوا الوفا من شعبنا.
٦٥ سنة مرت على قيام الثورة، حينما ظهر مجتمع ثوري كامل، مجتمع واع ليس سابقا للزمن بل مرتبط بزمن صواب لا بزمن دعايات السلطة و انحرافاتها التي تلهي الشعوب.
مجتمع تضامني، هدفه واحد، وهو هدف من الماضي و مستمر، إما ان نكون او لا.
لم نقبل بفرض الفكر، ولم نقبل بالجبر على مطاوعة حاكم.
في مجتمع ايلول، تعايشت الاديان و المذاهب و القوميات و العقائد الحزبية و تدرجات الاعمار و المهن لتكتب حياة تؤوسس لتاريخ يستحق الاحترام و يبني مقدمات لمستقبل لا يقصفه و لا يحاصره و لا يدّعي عليه الكذب الا جاهل او وريث فكر سيء يريد السلطة ليعيد للظلم موقعه.
ثوار ايلول هم فلاحون، معلمون، اطباء، رجال دين من كل الاديان، كورد و كوردستانيون و من كل قوميات العراق، نساء و رجال، حرفيون، كتّاب و ادباء و فنانون، و اما اصدقاء ايلول، فهم على النقيض من اعدائها، انهم الاحرار و الواعون و الانقياء.
ايلول و كوردستان و حزبنا و البارزاني، كل كان يقدّم الاخر مثل دوران العجلة على سكة تتحرك نحو الانجاز.
سلام لكل من كانت ايلول مكانه
سلام للبارزاني و الشهيد ادريس
سلام لكل خطوة في الثورة و كل موضع من مواضعها في الجبال و السهول و المدن.
ان واحدة من اهم واجباتنا ان ندفع عن ايلول الظلم الذي رافقها من قيامها المشرف، لانها تختصر تاريخ امة في النضال.