هرمز كان مفاوضة.. أما باب المندب فهو حرب

لماذا يمثّل سقوط جزيرة بريم، لا إغلاق الخليج، اللحظة التي تفلت فيها حرب إيران من قبضة القانون الدولي

هرمز كان مفاوضة.. أما باب المندب فهو حرب
هرمز كان مفاوضة.. أما باب المندب فهو حرب

في الحادي عشر من سبتمبر رفع مقاتلو الحوثيين رايتهم فوق جزيرة بريم، الصخرة البركانية التي تشطر باب المندب إلى ممرّيه الملاحيين، بعد يوم واحد من استيلائهم على ميناء المخا ومعه الساحل اليمني كله على البحر الأحمر. وللمرة الأولى منذ اندلاع الحرب على إيران في الثامن والعشرين من فبراير، يقع ممرّ يعبره نحو 12 بالمئة من التجارة العالمية في قبضة حركة لا توقّع معاهدات، ولا تجلس في أي جمعية، ولا تأتمر بأمر أي عاصمة.

تلك هي نقطة التحوّل الحقيقية في هذه الحرب، ولم تقع في الخليج.

ستة أشهر والعالم يراقب مضيق هرمز كأنه القصة كلها. ولم يكن يوماً القصة كلها. أعلنت إيران إغلاق المضيق في الرابع من مارس، ولامس خام برنت 126 دولاراً، وردّت واشنطن بحصار الموانئ الإيرانية في الثالث عشر من أبريل، ومنذ ذلك الحين أغلق الطرفان الممر وأعادا فتحه ثم أغلقاه من جديد. وفي السابع والعشرين من يونيو أُعلن عبر مركز المعلومات البحرية المشترك عن مسار موسّع يحاذي الجانب العماني. هذه دولة تسعّر نفوذها.

والدولة يمكن التعامل معها. لها موانئ تُحاصر، واقتصاد يُعاقب، ورئيس يستطيع أن يوقّع مذكرة تفاهم، كما فعل بزشكيان مع ترامب في السابع عشر من يونيو قبل أن تنهار الهدنة. يصف توماس جونو من تشاتام هاوس إيران بأنها دولة واقعية تتجنّب المخاطرة، اكتشفت النفوذ الهائل الذي يمنحه الإغلاق ولن تنساه، لكنها أبدت في الوقت نفسه إحجاماً ثابتاً عن العودة إلى الحرب المفتوحة. وحتى حين فشل مجلس الأمن، فشل على الطريقة المعتادة. قدّمت ست دول خليجية مشروع قرار في السابع من أبريل يطالب إيران بالكفّ عن عرقلة العبور، وصوّت له أحد عشر عضواً، فاستخدمت روسيا والصين حق النقض. والقانون كان واضحاً أيضاً. فبموجب المادتين 38 و44 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لا يجوز تعليق المرور العابر في مضيق دولي، وإيران، التي لم تصادق على الاتفاقية قط، تبقى ملزمة بالعرف الدولي. تعطّلت الآلة، لكن الجميع كان يعرف أي باب يطرق.

المشكلة أن باب المندب لا باب له. فالحوثيون، بتعبير مايكل راتني من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، حركة ترى نفسها «قوة إسلامية مستقلة» لا أداة في يد طهران، و«أي اتفاق تفاوضي لإنهاء حرب إيران لن يفسّره الحوثيون على الأرجح باعتباره ملزماً لهم». لا سفير حوثياً تلزمه اتفاقية قانون البحار، ولا ميناء حوثياً يخنقه حصار، ولا خزينة حوثية يعاقبها المجلس حتى تذعن، هذا إن استطاع المجلس أصلاً أن يتفق على نص. الهدنة التي صمدت في اليمن منذ 2022 انكسرت في الثالث عشر من يوليو، حين منعت ضربة سعودية على مطار صنعاء هبوط طائرة إيرانية تقلّ وفداً حوثياً، وفي غضون أسابيع أعلنت الحركة حصاراً بحرياً على الملاحة السعودية. وفي الثاني عشر من أغسطس أصابت ثلاثة صواريخ باليستية السفينة «تهامة» المملوكة لجهة مصرية في ضربة مزدوجة، استهدف الصاروخ الثاني فيها فرق الإنقاذ. سقط ستة قتلى. وقالها علم صالح للجزيرة بلا مواربة: يكفي الحوثيين «مجرد إيحاء بالخطر» ليدفعوا شركات التأمين وخطوط الشحن خارج المضيق. وكانت لويدز قد سجّلت تراجع العبور الأسبوعي في باب المندب إلى 273 سفينة من 319 قبل الحصار على السعودية، وذلك قبل سقوط المخا.

هذا هو الفرق بين التفاوض على رهينة وبين اختطاف بلا رسالة فدية. القانون الدولي كُتب للدول. فالمنظمة البحرية الدولية ومجلس الأمن والقواعد العرفية الخاصة بالمضائق والحصار كلها تفترض وجود مخاطَب. ومهمة «أسبيدس» البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي رافقت أكثر من 670 سفينة تجارية منذ 2024، وهي، باعتراف قائدها نفسه، تعاني شحّاً في القطع البحرية. «نحتاج إلى مزيد من السفن»، هكذا قال العميد البحري فاسيليوس غريباريس ليورونيوز في يوليو. تفويضها دفاعي. لا تستطيع ضرب منصة إطلاق، ولا الإنزال في بريم، ولا تطهير الساحل. درع بلا سيف يواجه اليوم عدواً بلا عنوان.

ولهذا فإن أوروبا على وشك أن تُجرّ إلى الداخل، شاءت أم أبت.

أمضت أوروبا الربيع كله في تفادي هذا بالذات. عرض ماكرون تحالفاً من خمس عشرة دولة لهرمز، لكن في دور دفاعي فقط، «ضمن إطار أممي وبموافقة إيران». وميرتس لن يرسل كاسحات الألغام الألمانية إلا بعد اتفاق سلام وبتفويض من مجلس الأمن. ولندن تذرّعت بإنهاك التزامات الناتو. وماتت المبادرة بهدوء. كل شرط من تلك الشروط قام على افتراض وجود دولة تمنح الموافقة، وسلام يُوقّع، ومجلس قادر على التفويض. ولا شيء من ذلك موجود في باب المندب. وقد لوّحت كايا كالاس فعلاً بنقل السفن التي تعهّدت بها الدول لتحالف هرمز المتعثر إلى البحر الأحمر وبتوسيع مهمة أسبيدس لتشمل كسح الألغام. وتصف كارولين روز، من مركز صوفان، البديل: من آسيا إلى أوروبا عبر رأس الرجاء الصالح، أسابيع أطول وتأمين أغلى بكثير. القارة التي لم تقاتل من أجل هرمز ستكتشف أنها لا تملك ترف الامتناع عن القتال من أجل باب المندب، وستقاتل من دون الغطاء القانوني الذي طالما اشترطته.

الدولتان الأكثر عرضة للخسارة تتحركان بالفعل. فالسعودية، التي قالت في يوليو إنها قادرة على التعامل مع الحوثيين وحدها، شهدت منذ ذلك الحين إصابة 73 مدنياً في خميس مشيط وأبها وجازان في ليلة واحدة، وردّت بأربع وخمسين غارة جوية، ورأت الدخان يتصاعد من خط أنابيبها الممتد من الشرق إلى الغرب، وطلب وليّ عهدها من ترامب مرتين في يوم واحد ضربات أمريكية فقوبل بالرفض مرتين. واكتفت واشنطن بتقديم معلومات استهداف. وحذّرت باكستان طهران من أن اتفاقها الدفاعي مع الرياض قد يُفعّل. أما مصر، التي بدأت عائدات قناتها من السويس تتعافى لتوّها، فقد شكّلت خلية أزمة، وأعادت فتح قناتها الخاصة مع الحوثيين، وتتحدث مع واشنطن والرياض وطهران في آن واحد، لأن القاهرة تتعامل مع باب المندب باعتباره امتداداً للقناة نفسها. وطلبت الحكومة اليمنية من مصر والدول العربية المساعدة في استعادة الساحل. لم تواجه القاهرة من قبل قوة معادية على الشاطئ الذي يغذّي قناتها.

هنا يتعيّن على الأوروبيين أن يدخلوا الحرب. فمن يمسك بباب المندب يمسك بالبوابة الجنوبية لقناة السويس، والقناة ليست ممراً مصرياً بأي معنى يهمّ أوروبا. إنها الممر الذي تصل عبره الصناعة الآسيوية وطاقة الخليج وتجارة المحيط الهندي إلى البحر المتوسط، ومنه إلى روتردام ومرسيليا وجنوة وبيرايوس. إغلاق البوابة عند بريم يُحوّل البحر الأحمر إلى طريق مسدود، والسويس إلى قناة تفضي إلى لا مكان، وتُدفع كل شحنة متجهة إلى أوروبا لتدور حول رأس الرجاء الصالح، أسابيع أطول وتأمين أغلى بكثير.