صلاح بكر
كاتب
انفراجة أربيل المرتقبة
بعد مخاض سياسي عسير وحالة من الجمود الساكن الذي أربك المشهد السياسي والپرلماني لمقربة سنتين، تتجه الأنظار اليوم نحو العاصمة أربيل، حيث تلوح في الأفق ملامح انفراجة طال انتظارها تنهي حالة الانسداد السياسي التي ألقى بظلالها الثقيلة على الإقليم منذ إجراء انتخابات الدورة السادسة لبرلمان كوردستان في تشرين الأول/أكتوبر من عام 2024. وفي تسريبات وتصريحات متطابقة لعدد من المسؤولين البارزين، يبدو أن الصمت التفاوضي قد انكسر أخيراً، وأن القوى السياسية باتت تقف على عتبة اتفاق تاريخي يفضي إلى ولادة الكابينة الوزارية العاشرة في غضون شهر تشرين الأول/أكتوبر القادم.
ولن تكون هذه الولادة المرتقبة مجرد إعلان بروتوكولي لتوزيع الحقائب، بل تسبقها خطوة إجرائية تحبس الأنفاس وترسم معالم الخريطة السياسية الجديدة، إذ أجمعت التفاهمات الأولية على عقد جلسة مفصلية لانتخاب هيئة رئاسة پرلمان إقليم كوردستان في مطلع شهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل. وتُعد هذه الجلسة المفتاح الدستوري والقانوني الأول الذي سيُفتح به الباب العريض لتمرير الحكومة الجديدة ونيلها الثقة الپرلمانية، متوجة بذلك ماراثوناً طويلاً من التفاوض الشاق وتوازنات القوى المعقدة.
لكن الطريق نحو هذه اللحظة الحاسمة لم يكن مفروشاً بالورود؛ فقد اصطدمت مساعي التشكيل طوال الشهور الماضية بحزمة من العقبات الهيكلية والخلافات الحادة حول الاستحقاقات الدستورية ومفهوم "الشراكة الحقيقية". وتجسدت أبرز نقاط النزاع في صراع الصلاحيات وتوزيع المناصب السيادية السياسية والأمنية بين الحزبين الرئيسيين (الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني)، ولا سيما ما يتعلق برئاسة الإقليم، ورئاسة الحكومة ونوابهما، فضلاً عن العقد المترتبة على إعادة رسم هيكلية إدارة المؤسسات الأمنية والعسكرية، وآلية إدارة الملف النفطي والمالي وتوحيد الإيرادات. كما أسهمت حدة الاستقطاب حول تفسير النتائج الانتخابية وصيغ التحالف مع القوى الفائزة الأخرى في تعقيد المشهد وإطالة أمد الجمود لأشهر طويلة.
وفي خضم هذا الانسداد التفاوضي، برز الدور المحوري والمساعي الحثيثة التي بذلها الرئيس مسعود بارزاني كصمام أمان حقيقي لتفكيك العقبات المعقدة التي اعترضت المسار الدستوري؛ إذ أدت مبادراته الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين مختلف الفرقاء، وحرصه المستمر على بقاء حوارات البيت الكوردستاني ضمن أطره الوطنية، إلى توفير أرضية صلبة لتغليب لغة التوافق، مما أذاب الجدار الجليدي المتراكم لمقربة سنتين، وحول بوصلة التفاوض نحو المصلحة العليا لشعب كوردستان.
تأتي هذه التحركات الملموسة اليوم كشعاع أمل يبعث الدفء في شرايين المؤسسات، إذ يتضح أن القراءة الواعية للمتغيرات الإقليمية الضاغطة أجبرت كافة الأطراف على تقديم المصلحة الوطنية وتغليب الاستقرار العام على الحسابات الحزبية الضيقة. إن ولادة الكابينة العاشرة تحمل في طياتها اختباراً حقيقياً لإعادة بناء جسور الثقة بين الشارع الكوردستاني ومؤسساته الدستورية؛ إذ ستجد الحكومة القادمة نفسها منذ اليوم الأول أمام حقل من الملفات الساخنة؛ بدءاً من تنظيم العلاقة الاتحادية مع بغداد تحت مظلة الدستور، مروراً بمعالجة الأزمات الاقتصادية الحساسة كحسم ملف الرواتب والإيرادات الموحدة، وصولاً إلى إحياء عجلة التنمية وتدعيم المكتسبات التاريخية لكوردستان.
يقف إقليم كوردستان اليوم على مفترق طرق حاسم؛ حيث تؤكد المؤشرات النيابية والسياسية أن قطار التوافق السياسي قد وُضع على السكة الصحيحة بفضل الجهود الوطنية المخلصة، و قدرة الكابينة الجديدة وامكانياتها على التحول من مجرد تسوية سياسية إلى سلطة تنفيذية قوية، مرنة، وموحدة، قادرَة على حماية أمن الاقليم، ودفع عجلة الاقتصاد، وتلبية تطلعات شعب كوردستان في العيش الكريم والاستقرار الدائم.