من معاهد القاهرة إلى المهرجانات العالمية.... مخرجون كورد وتجارب سينمائية تفتقر إلى التوثيق

من معاهد القاهرة إلى المهرجانات العالمية.... مخرجون كورد وتجارب سينمائية تفتقر إلى التوثيق
من معاهد القاهرة إلى المهرجانات العالمية.... مخرجون كورد وتجارب سينمائية تفتقر إلى التوثيق

في محاولة لتوثيق التأثير السينمائي الكوردي في السينما المصرية والعربية، بدا المشهد في بدايته ضبابيًا؛ فالكثير من الأسماء التي أسهمت في صناعة السينما العربية لم تكن هويتها الكوردية حاضرة بوضوح في المراجع السينمائية المتداولة، وربما ساهمت اعتبارات سياسية وثقافية مختلفة، في أوقات متعددة، في تهميش هذه الهوية أو عدم إبرازها، لحساب تقديم أصحابها بوصفهم عراقيين أو سوريين أو حتى أتراك كما حدث في أفلام صنعها مخرجون كورد وصنفت ولا زالت على أنها تركية ، وكذلك سورية وإيرانية .

لكن البحث الدقيق في أرشيفات السينما المصرية والعربية، وفي تترات الأفلام وسير صناعها، يكشف صورة أكثر ثراءً. فقد عثرنا على أسماء سينمائية كردية مهمة شاركت في صناعة السينما العربية، ودرست وتعلمت في مصر، أو تعاونت بصورة مباشرة مع سينمائيين مصريين، ثم انتقلت بخبراتها إلى تجارب سينمائية أخرى، من بينها تجارب أسهمت في تكوين السينما الكوردية نفسها.

وهنا لا نتحدث عن حضور عابر، ولا عن مجرد ظهور فنان كردي في فيلم مصري، وإنما عن سينمائيين دخلوا إلى العملية الإبداعية من أبوابها المختلفة: الدراسة، والإخراج، والسيناريو، والإدارة الفنية، والإخراج المنفذ، والعمل خلف الكاميرا.

وبعيدًا عن المخرج أحمد بدرخان، الكوردي المصري الذي يمثل الاسم الأشهر في هذه الحكاية، فإن إعادة قراءة أرشيف السينما تكشف أن القاهرة كانت، في مراحل مختلفة، واحدة من المساحات التي التقى فيها السينمائيون المصريون والعراقيون والسوريون والأكراد، وأن المعاهد والمؤسسات السينمائية المصرية لم تكن مغلقة أمام المواهب العربية القادمة من خارج مصر.

أحمد بدرخان.. الاسم الذي لا يمكن تجاوزه

عند الحديث عن الحضور الكوردي في السينما المصرية، يبقى أحمد بدرخان في المقدمة.

فهو ليس مجرد مخرج مصري ذي جذور كردية، وإنما واحد من الأسماء المؤسسة في تاريخ السينما المصرية، وصاحب مسيرة طويلة جعلته جزءًا من الذاكرة السينمائية المصرية.

غير أن أهمية بدرخان بالنسبة إلى هذا الملف تتجاوز شهرته الفنية؛ إذ يمثل نموذجًا مبكرًا لحضور الثقافة والأصول الكوردية داخل صناعة السينما المصرية نفسها.

لكن المشكلة أن اختزال الحضور الكوردي في السينما المصرية في أحمد بدرخان وحده يؤدي إلى إخفاء صفحات أخرى أقل شهرة، لكنها شديدة الأهمية، خصوصًا عندما ننتقل من المخرج المصري إلى السينمائيين الأكراد الذين جاءوا إلى القاهرة من دول عربية أخرى.

وهنا تبدأ حكاية أخرى.

هفال قاسو.. مخرج كردي سوري يختار القاهرة

من أهم الأسماء التي عثر عليها البحث هفال قاسو، المخرج السوري من أصل كردي، الذي جاء إلى مصر عام 2006 والتحق بالمعهد العالي للسينما لدراسة الإخراج. وتؤكد البيانات المنشورة عن سيرته أنه أخرج أثناء دراسته أربعة أفلام قصيرة، كان آخرها فيلم “روح القمح”.

هذه المعلومة وحدها تحمل دلالة مهمة؛ لأننا أمام مخرج كردي لم يكتف بزيارة القاهرة أو المشاركة في فعالية سينمائية، وإنما دخل المؤسسة التعليمية السينمائية المصرية، وتلقى تكوينه في الإخراج داخلها.

ومن هنا تصبح مصر جزءًا من تكوينه السينمائي.

كتبت عنه الصحف في 2011 ومنها المصري اليوم " هفال” تربى فى سوريا على يد ضابطى جيش وأمن دولة.. لكنه يحلم بسينما تعيد دولة “الأكراد”

وسرد المقال عنه " هكذا تعود، كلما ابتعد حلمه عن التحقيق، زاد تعلقه به، ليس عن عناد، أو طلباً للمستحيل، لكن عن قناعة بأن المستحيل هو أن نرضى بالظروف ولا نقهرها لتحقيق أحلامنا.. لذا لا يعتبر الصعوبة التى يواجهها فى الوصول لهدفه، تكمن فى صعوبة تحقيقه، بقدر ما تكمن فى أنه حلم جماعى: ما ينفعش أحققه لوحدى.
الرافد الوحيد الذى استقى منه “هفال قاسو” ثقافته كان حكايات الأب والأجداد عن دولتهم الأم “كردستان”، التى ضاعت حدودها وتفرق شعبها بين تركيا وسوريا والعراق وإيران، وأصبح الأكراد أقليات فى هذه الدول، وليس أصحاب أرض، من هنا بدأ حلمه بعودة الدولة الكردية، وبوصوله إلى سن 27 عاماً، تمكن حلمه منه، وأصبح مكوناً أساسياً فى شخصيته"

دراسة في القاهرة 

وخلال دراسته أخرج “روح القمح”، الفيلم الذي أصبح واحدًا من أبرز أعماله القصيرة، وحقق حضورًا في الوسط الثقافي المصري. وقد عرضت مؤسسة “دوم” للثقافة الفيلم عام 2014، وذكرت “المصري اليوم” أن الفيلم من إخراج هافال قاسو، وأن سيناريوه وحواره له ولضياء الرحمن، بينما وضع الموسيقى إبراهيم شامل، وهو ما يكشف بوضوح عن تعاون بين المخرج القادم من البيئة الكوردية السورية وفنانين مصريين.

ولم يكن الأمر مجرد تعاون فني محدود.

فبحسب البيانات المنشورة عن قاسو، حصل “روح القمح” على عدد من الجوائز، من بينها جوائز في مهرجان الإعلام العربي، كما حصل على جائزة في مهرجان ساقية الصاوي.

وهكذا تحول الطالب الكوردي القادم من سوريا إلى مخرج له حضور داخل المشهد السينمائي المصري.

من قاعة الدراسة إلى سوق العمل

الأكثر أهمية في تجربة هفال قاسو أن علاقته بمصر لم تتوقف عند حدود المعهد.

فبياناته المهنية تسجل مشاركته في عدد من الأعمال المصرية، من بينها العمل مساعد مخرج في مسلسل “حق ميت”، كما عمل مساعد مخرج أول في برنامجي “البلاتوه” و”البلاتوه 2”، إلى جانب أعمال أخرى.

وهنا نصل إلى نقطة مهمة في تاريخ العلاقة بين الكرد والسينما المصرية: قاسو لم يكن سينمائيًا كرديًا جاء إلى القاهرة ليدرس ثم غادرها، وإنما أصبح جزءًا من آلية العمل الفني المصرية نفسها.

فقد انتقل من مقعد الطالب إلى مواقع العمل خلف الكاميرا، وعمل مع فنانين مصريين، واكتسب خبرة من البيئة السينمائية المصرية، ثم واصل مساره المهني.

وتكشف هذه التجربة أن المعهد العالي للسينما لم يكن مجرد مؤسسة تمنح شهادات، وإنما كان بوابة للاندماج في صناعة السينما المصرية.

جعفر علي.. سينمائي قدم الكثير للسينما متعاونا مع  كلار المخرجين المصريين منهم توفيق صالح وقدم أفلاما مهمة لعل منها " نرجس عروس كردستان" 

وإذا كان هفال قاسو يمثل نموذج الدراسة والتكوين في مصر، فإن جعفر علي يمثل نموذجًا مختلفًا: سينمائي عراقي ارتبط بالسينما الكوردية، ودخل في تعاون مباشر مع صناع السينما المصرية.

ولد جعفر علي في بغداد عام 1933، وتخرج في كلية الآداب بجامعة بغداد، ثم حصل على درجة الماجستير في السينما والتلفزيون من جامعة أيوا الأمريكية عام 1961. وبعد عودته إلى العراق أصبح من الشخصيات المهمة في تطوير التعليم السينمائي والعمل السينمائي العراقي، وأسهم في تأسيس قسم السينما في معهد الفنون الجميلة.

لكن ما يهمنا هنا هو علاقته بالسينما المصرية.

ففي عام 1984 شارك جعفر علي في كتابة سيناريو فيلم “فائق يتزوج” الذي أخرجه المخرج المصري إبراهيم عبد الجليل، كما عمل في الإدارة الفنية للفيلم. ولم يكن اسمه في هذه الحالة مجرد اسم عابر ضمن فريق العمل، بل كان صاحب مساهمة فنية في الكتابة وفي الشكل البصري للعمل.

ثم شارك مخرجًا منفذًا في فيلم “حمد وحمود” الذي أخرجه إبراهيم جلال.

وبذلك نجد أمامنا سينمائيًا عراقيًا كان له حضور في أكثر من موقع داخل الصناعة، من الكتابة إلى الإدارة الفنية إلى الإخراج المنفذ، وتقاطعت تجربته مع مخرجين مصريين وعرب.

من التعاون المصري إلى السينما الكوردية

تكمن أهمية جعفر علي الحقيقية في أن مسيرته لم تتوقف عند التعاون مع السينما العراقية والعربية.

ففي عام 1991 عاد إلى الإخراج بفيلم “نرجس عروس كردستان”، وهو فيلم ناطق باللغة الكوردية، وتصفه مصادر سينمائية عراقية بأنه أول فيلم كردي عراقي. كما تضعه مصادر أخرى ضمن العلامات المهمة في تاريخ السينما الكوردية العراقية.

وهنا تصبح العلاقة أكثر إثارة للاهتمام حيث تعاون مع مخرج مصري في “فائق يتزوج”، وعمل في الإدارة الفنية، وشارك في الإخراج المنفذ، عاد بعد سنوات ليقدم فيلمًا يحمل اللغة والثقافة الكوردية إلى الشاشة.

أي أن الخبرة السينمائية العربية لم تكن طريقًا في اتجاه واحد؛ فالسينمائي الكوردي كان يتعلم ويعمل ويتفاعل داخل فضاء عربي أوسع، ثم يعود ليستخدم خبرته في التعبير عن مجتمعه وثقافته.

الكرد خلف الكاميرا

ولعل أهم ما تكشفه هذه النماذج أن التأثير الكوردي في السينما المصرية والعربية لا ينبغي البحث عنه فقط في أسماء المخرجين.

فجعفر علي، مثلًا، يظهر في أكثر من خانة: مخرج، وكاتب، ومدير فني، ومخرج منفذ، وممثل. وتشير بيانات فيلموجرافيته إلى أنه أخرج عددًا من الأفلام، من بينها “الجابي” عام 1968، و”المنعطف” عام 1975، و”سنوات العمر” عام 1976، ثم “نرجس عروس كردستان” عام 1991.

وهذا يفتح بابًا أوسع للبحث في أسماء الكرد الذين عملوا في السينما العربية في وظائف قد لا تثير انتباه الباحث من الوهلة الأولى: مديرو التصوير، مساعدو المخرجين، المونتيرون، مديرو الإنتاج، كتاب السيناريو، مصممو الديكور، والفنيون.

فربما تكون بعض هذه الأسماء قد اختفت من الذاكرة لأنها لم تكن تظهر في العناوين الرئيسية للصحف، أو لأن قواعد البيانات لم تكن تسجل الأصل القومي لصاحبها.

تكشف تجربة هفال قاسو، بصورة خاصة، عن الدور الذي لعبته القاهرة بوصفها مدرسة سينمائية عربية.

فالمخرج السوري الكوردي جاء إلى مصر ليدرس الإخراج، ثم صنع فيلمه داخل البيئة المصرية، وتعاون مع فنانين مصريين، وحصل على جوائز في مصر، ثم واصل العمل في صناعة الدراما والبرامج المصرية.

أما جعفر علي، فجاءت العلاقة من اتجاه آخر: سينمائي عراقي شارك في أعمال مع مخرجين مصريين، قبل أن يصبح لاحقًا أحد الأسماء المرتبطة بتاريخ السينما الكوردية العراقية.

وبين النموذجين يظهر معنى أوسع: القاهرة لم تكن مجرد سوق لإنتاج الأفلام، وإنما كانت مركزًا لتبادل الخبرات السينمائية العربية.

ما الذي أخفاه الأرشيف؟

ربما تكون المشكلة الأساسية أن البحث في هذه المسيرة لا يمكن أن يعتمد على قواعد البيانات وحدها.

فالكثير من السير السينمائية العربية لا تذكر الأصل القومي، وبعضها يكتفي بالجنسية. وقد يكون السينمائي كرديًا عراقيًا أو كرديًا سوريًا، لكن اسمه يظهر في التتر دون أي إشارة إلى خلفيته.

ولهذا فإن الحديث عن “طمس” الهوية يحتاج إلى تحقيق تاريخي منفصل لإثبات القصد في كل حالة، لكن المؤكد أن الهوية الكوردية غابت عن كثير من السرديات السينمائية العامة، سواء بسبب الظروف السياسية أو طبيعة الكتابة القومية عن السينما العربية أو لأن أصحابها كانوا يقدمون في الأساس بوصفهم عراقيين أو سوريين.

ومن هنا تأتي قيمة البحث في الأرشيفات القديمة والتترات والمجلات السينمائية وشهادات أصحاب التجارب.

مسيرة لم تنته بعد ما ظهر حتى الآن ليس سوى بداية لخريطة أكبر.

لدينا أحمد بدرخان، المخرج المصري ذي الجذور الكوردية، الذي أصبح واحدًا من أعمدة السينما المصرية.

ولدينا هفال قاسو، المخرج السوري الكوردي الذي جاء إلى مصر عام 2006، ودرس الإخراج في المعهد العالي للسينما، وأخرج “روح القمح”، ثم عمل في عدد من الأعمال المصرية.

ولدينا جعفر علي، السينمائي العراقي الذي تعاون مع المخرج المصري إبراهيم عبد الجليل في “فائق يتزوج”، وعمل في الإدارة الفنية للفيلم، ثم شارك مخرجًا منفذًا في “حمد وحمود”، قبل أن يقدم “نرجس عروس كردستان”، أحد الأعمال المهمة في تاريخ السينما الكوردية العراقية.

ثلاثة أسماء، وثلاثة مسارات مختلفة، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: السينما كانت جسرًا بين مصر والكرد.

والقصة، على الأرجح، أكبر من هذه الأسماء.فالمطلوب الآن ليس كتابة تاريخ بديل للسينما المصرية، وإنما استكمال ما أهمله التوثيق. البحث في ملفات المعهد العالي للسينما، وأرشيف النقابات، وتترات الأفلام، والمجلات السينمائية القديمة، وملفات المهرجانات، قد يكشف أسماء أخرى لسينمائيين أكراد درسوا أو عملوا في القاهرة.

وربما نجد بين هذه الأوراق مخرجًا آخر، أو مدير تصوير، أو كاتب سيناريو، أو مساعد مخرج، حمل هوية كردية، لكنه ظل في الذاكرة مجرد اسم على تتر فيلم.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية هذا البحث: أن نعيد اكتشاف الأسماء التي شاركت في صناعة السينما المصرية والعربية، لا لكي نقسم الفن على أساس القومية، وإنما لكي نمنح كل صاحب تجربة حقه في أن تُروى حكايته كاملة.

فمن أحمد بدرخان إلى هفال قاسو، ومن جعفر علي إلى أسماء قد تكشف عنها الوثائق المقبلة، يبدو أن للكرد حضورًا في تاريخ السينما العربية أوسع بكثير مما نعرفه اليوم.

 وحتى على المستوى العالمي مثل الكورد دولا كبيرة مثل تركيا حيث الفيلم التركي الأكثر شهرة عالمياً والذي صنعه مخرج كردي هو فيلم "الطريق" الصادر عام 1982، وهو من تأليف وإخراج السينمائي الكردي التركي البارز يلماز غوني .