الانسحاب الأمريكي من العراق في 30 سبتمبر: ماذا سيحدث؟

الانسحاب الأمريكي من العراق في 30 سبتمبر: ماذا سيحدث؟
الانسحاب الأمريكي من العراق في 30 سبتمبر: ماذا سيحدث؟

اعتباراً من 20 سبتمبر 2026، يسير الانسحاب الأمريكي من العراق وفق الجدول الزمني المخطط له ليكتمل بحلول 30 سبتمبر 2026. وكانت واشنطن وبغداد قد اتفقتا في عام 2024 على إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم "داعش" في العراق، كما أكد الجانبان مجدداً على الموعد النهائي المحدد في 30 سبتمبر. وتؤكد الولايات المتحدة أن عملية الانسحاب تمضي قدماً وفقاً للجدول الزمني الانتقالي المتفق عليه.

وتكمن النقطة المهمة في أن هذا الأمر لا يعني ببساطة تلاشي العلاقات الأمريكية العراقية؛ ففي حين تنتهي المهمة العسكرية، من المتوقع أن يتحول التعاون الأمني ​​بين بغداد وواشنطن إلى علاقة ثنائية. ومع ذلك، ستختلف التداعيات بشكل جوهري بين بغداد وأربيل؛ إذ أعربت حكومة إقليم كردستان مراراً عن مخاوفها بشأن الانسحاب الأمريكي من العراق وتأثيره على كل من بغداد والإقليم فضلاً عن احتمالية عودة ظهور تنظيم "داعش".

1. التأثير على بغداد

بالنسبة لبغداد، يمثل الانسحاب تأكيداً هاماً لسيادة الدولة؛ إذ لن تعود قوات التحالف الأجنبية تعمل على الأراضي العراقية في إطار المهمة المخصصة لمواجهة تنظيم "داعش". وقد حددت حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي الأول من أكتوبر/تشرين الأول موعداً لبدء مرحلة جديدة يتولى فيها العراق المسؤولية الرئيسية عن أمنه. 

وهناك ثلاث تداعيات رئيسية:

أولاً: تزايد المسؤولية الملقاة على عاتق قوات الأمن العراقية.

من المتوقع أن تتحمل قوات الأمن العراقية -بالتعاون مع قوات البيشمركة والمؤسسات الأمنية الكوردية الأخرى- العبء الأكبر في التصدي لبقايا تنظيم "داعش". ورغم أن التنظيم لم يعد يسيطر على أراضٍ كما كان الحال في الفترة ما بين 2014 و2017، إلا أنه لا يزال قادراً على شن هجمات تمرد؛ مما يعني أن انتهاء مهمة التحالف لا يعني زوال التهديد الذي يشكله التنظيم. 

ثانياً: سيتعين على بغداد التعامل مع الجماعات المسلحة بشكل مباشر أكثر.

يتزامن الانسحاب مع جهود عراقية تهدف إلى حصر السلاح تحت سلطة الدولة وحدها. وقد قاومت بعض الفصائل المسلحة القوية الموالية لإيران عملية نزع السلاح أو وضعت شروطاً لها، مما وضع بغداد أمام معضلة صعبة: كيف يمكن تعزيز احتكار الدولة للقوة دون إثارة مواجهة داخلية؟

ثالثاً: العلاقة الأمنية مع واشنطن تتغير، لكنها لا تنتهي بالضرورة.

لقد وصفت الحكومة العراقية والمسؤولون الأمريكيون المرحلة المقبلة بأنها ستتمحور حول التعاون الأمني ​​والاقتصادي الثنائي. ومع ذلك، لا تزال الصيغة المؤسسية الدقيقة لهذه العلاقة أقل وضوحاً مقارنة بالجدول الزمني للانسحاب نفسه.

2. التأثير على أربيل وإقليم كوردستان

قد تكون التبعات بالنسبة لأربيل أكثر مباشرة وحساسية.

لقد اعتمد إقليم كوردستان بشكل كبير على المساعدات الأمريكية ومساعدات التحالف منذ بدء الحرب ضد تنظيم "داعش"؛ حيث قدمت قوات التحالف التدريب والمعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي، والأهم من ذلك في السنوات الأخيرة، قدرات الدفاع الجوي.

وبالتالي، فإن الانسحاب لا يقتصر على مغادرة القوات الأمريكية فحسب، بل يشمل أيضاً سحب أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية - بما في ذلك منظومات "باتريوت" وقدرات "C-RAM" - من إقليم كوردستان. وقد أكد مسؤولون عراقيون أن هذه الأنظمة مشمولة في خطة الانسحاب المقررة لشهر سبتمبر/أيلول.

وتكتسب هذه المسألة أهمية بالغة نظراً لتعرض أربيل لهجمات صاروخية وهجمات بطائرات مسيرة تشنها أطراف إقليمية. لذا، فإن سحب أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية يثير تساؤلات حول الجهة التي ستوفر قدرات الردع والاعتراض التي كانت قائمة سابقاً لحماية أربيل.

وتقول بغداد إنها تعمل على الحصول على أنظمة دفاع جوي إضافية - من كوريا الجنوبية وتركيا والولايات المتحدة - وإنها ستنشر هذه الأنظمة لحماية المجال الجوي العراقي، بما في ذلك أجواء إقليم كوردستان. ورغم أن هذه الخطط تتعلق بالمدى الطويل، إلا أن السؤال يظل قائماً بشأن التهديدات الراهنة التي تشكلها القوات الخارجة عن القانون.

وهناك أيضاً تمييز مهم بين إنهاء المهمة العسكرية الأمريكية وإنهاء العلاقات الأمريكية الكوردية؛ فقد أشار مسؤولون الكورد إلى أن التعاون مع واشنطن سيستمر - حتى مع انتهاء الاتفاقية العسكرية الحالية - في مجالات تشمل التدريب والمشورة والدعم اللوجستي وبناء قدرات قوات البيشمركة.

وفي 14 سبتمبر/أيلول، كانت رئاسة إقليم كوردستان لا تزال تناقش سبل توسيع التعاون مع واشنطن، بما في ذلك العلاقات الأمريكية الكوردية، والعلاقات بين أربيل وبغداد، وقضايا الأمن الإقليمي.

3. السؤال الأهم: العلاقات بين بغداد وأربيل

قد يكون للانسحاب الأمريكي تأثير مزدوج على العلاقات بين بغداد وأربيل.

احتمالية تزايد نفوذ بغداد

مع انتهاء الوجود العسكري للتحالف، تزداد أهمية بغداد بالنسبة لأربيل بصفتها الضامن الرسمي للأمن القومي العراقي.

وقد يشجع ذلك على تعزيز التنسيق بشأن:

• الدفاع الجوي؛

• تنظيم "داعش"؛

• المناطق المتنازع عليها؛

• أمن الحدود؛

• قوات البيشمركة؛

• تبادل المعلومات الاستخباراتية؛

• الترتيبات الأمنية بين الحكومة الاتحادية والإقليم.

وبعبارة أخرى، قد تجد أربيل نفسها مضطرة بشكل متزايد للعمل من خلال بغداد -وليس واشنطن- في المسائل المتعلقة بالدفاع الوطني للعراق.

ويكتسب هذا الأمر أهمية محتملة نظراً لوجود مشكلات عالقة تاريخياً بين قوات البيشمركة والقوات الاتحادية العراقية تتعلق بهياكل القيادة والمسؤوليات الأمنية، ولا سيما في ظل وجود قوى خارجة عن القانون.

ولكن هناك أيضاً احتمالية أكبر لنشوء خلافات

يتمثل الاحتمال المعاكس في أن زوال الوجود العسكري الأمريكي يعني غياب طرف خارجي مهم ساعد في تسهيل التنسيق الأمني ​​بين بغداد وأربيل.

وثمة بالفعل نزاعات عالقة تتعلق بـ:

• الوضع الدستوري للمناطق المتنازع عليها؛

• قيادة وتنظيم قوات البيشمركة؛

• سلطة الحكومة الاتحادية على الأسلحة والقوات الأمنية؛

• قضايا الطاقة والموازنة؛

• نسبة التمثيل الكردي في الحكومة الاتحادية، والجيش العراقي، والبرلمان، والمحكمة الاتحادية؛

• العلاقة بين بغداد وحكومة إقليم كوردستان.

لقد حافظت الولايات المتحدة تاريخياً على علاقات مع كل من بغداد وأربيل؛ وبالتالي، فإن انسحابها يغير موازين الثقل الدبلوماسي والأمني، حتى وإن لم يغير رسمياً الترتيبات الدستورية للعراق.

4. لماذا تشعر أربيل بقلق خاص إزاء مرحلة ما بعد 30 سبتمبر

لا يتمثل القلق المباشر بالضرورة في احتمال أن يزداد تنظيم "داعش" قوةً بشكل مفاجئ في الأول من أكتوبر؛ بل تكمن المسألة الأكثر تعقيداً في البيئة الأمنية الإقليمية الأوسع.

تشير تقارير حديثة إلى أن المسؤولين الكورد يشعرون بقلق بالغ إزاء فقدان مظلة الدفاع الجوي الأمريكية. فقد أفادت وكالة "أسوشيتد برس" بأن المسؤولين الكورد يخشون أن تؤدي إزالة أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية إلى جعل المنطقة أكثر عرضة للمخاطر، في حين يؤكد المسؤولون العراقيون العمل على تأمين أنظمة بديلة.

وهذا يفرز مفارقة استراتيجية مثيرة للاهتمام: فقد يؤدي الانسحاب الأمريكي إلى تقليص أحد مصادر الهجمات التي تستهدف المنشآت الأمريكية في إقليم كوردستان، لكنه يقلل في الوقت ذاته من القدرات الدفاعية المتاحة للتصدي لهجمات قد تشنها أطراف إقليمية أخرى. وهذا التمييز مهم؛ إذ لم تكن كل الهجمات التي استهدفت أربيل مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي.

5. التوازن الجديد بين بغداد وأربيل

وعليه، يمكن فهم المشهد الذي أعقب 30 سبتمبر/أيلول باعتباره تحولاً من:

المظلة الأمنية الأمريكية/الخاصة بالتحالف ← إلى تحمل مسؤولية أكبر من جانب الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة الإقليم

لكن هذا لا يعني بالضرورة أن بغداد ستفرض هيمنتها ببساطة على أربيل.

بدلاً من ذلك، تبرز أهمية خاصة لثلاثة أطراف فاعلة:

الطرف الفاعل  الدور في مرحلة ما بعد الانسحاب

بغداد  السلطة الاتحادية الرئيسية المسؤولة عن الأمن القومي العراقي والمجال الجوي

أربيل  السلطة الإقليمية الرئيسية المسؤولة عن الأمن الداخلي في كوردستان وقوات البيشمركة

واشنطن وجود عسكري محدود، مع استمرار التعاون الدبلوماسي والاقتصادي، وربما الأمني ​​أيضاً

وبناءً على ذلك، ستكتسب العلاقة بين الطرفين الأولين أهمية وتأثيراً أكبر.

6. القضية الجوهرية: هل يمكن لبغداد وأربيل بناء هيكلية أمنية مشتركة؟

قد تكون هذه المسألة، في نهاية المطاف، أكثر أهمية من عملية الانسحاب بحد ذاتها. فإذا نجحت بغداد وأربيل في التنسيق بشأن الدفاع الجوي، والاستخبارات، ومواجهة تنظيم "داعش"، وأمن الحدود، والتعاون مع قوات البيشمركة، فقد يتحول الانسحاب إلى مرحلة انتقالية نحو تولي العراق مسؤولية أكبر.

أما في حال فشلهما في التنسيق، فقد يكشف الانسحاب عن نقاط ضعف قائمة في العلاقة الأمنية بين الحكومة الاتحادية والإقليم. وثمة إدراك بالفعل - سواء في واشنطن أو أربيل - بضرورة استمرار هذه العلاقة حتى بعد انتهاء المهمة العسكرية؛ وتتمثل المسألة الآن في تحديد حجم ما يمكن الحفاظ عليه من الهيكلية الأمنية السابقة في ظل غياب الوجود الميداني للقوات الأمريكية.

7. القوى الخارجة عن القانون والأسلحة المنفلتة

تُعد هذه القضية الأكثر إلحاحاً التي يتعين معالجتها بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة، نظراً لأن جميع الهجمات التي تستهدف القواعد الأمريكية ومنشآت حكومة إقليم كردستان تصدر عن هذه الجماعات. 

لقد حددت الحكومة العراقية يوم 30 سبتمبر/أيلول موعداً لنزع سلاح هذه الجماعات، إلا أن حدوث ذلك يبدو أمراً مستبعداً؛ مما يفاقم مخاوف حكومة إقليم كردستان من احتمال استئناف هذه الجماعات لهجماتها، لا سيما في ظل غياب أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية وأنظمة التحالف.

ختاماً

بالنسبة لبغداد، يتمحور تاريخ 30 سبتمبر/أيلول في المقام الأول حول السيادة وتولي مسؤولية أكبر عن الأمن القومي.

أما بالنسبة لأربيل، فالأمر يتعلق بشكل مباشر وفوري بفقدان القدرات العسكرية والدفاع الجوي الأمريكية وضرورة إيجاد بدائل لها.

وفيما يخص العلاقات بين بغداد وأربيل، فإن الانسحاب يعزز أهمية العلاقة المباشرة بينهما؛ إذ ستحتاج أربيل إلى بغداد في جوانب تتعلق بالدفاع الوطني، بينما ستظل بغداد بحاجة إلى حكومة إقليم كردستان وقوات البيشمركة لضمان الأمن في الإقليم وشمال العراق. ورغم أن هذا الواقع يخلق حوافز للتعاون، فإنه يضع أيضاً الخلافات القائمة منذ أمد طويل -والمتعلقة بالسلطة الأمنية وقوات البيشمركة وتوزيع الصلاحيات بين الحكومة الاتحادية والإقليم- في دائرة الضوء بشكل أكثر حدة.

وعليه، فإن تاريخ 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026 لا يمثل قطيعة تامة بقدر ما يمثل إعادة توزيع للمسؤوليات الأمنية؛ إذ تنتقل هذه المسؤوليات من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة إلى المؤسسات العراقية، مما يجعل جودة التنسيق بين بغداد وأربيل أمراً بالغ الأهمية.