عندما تصنع الهوية مستقبلها: استفتاء كوردستان وثيقة وجود وإرادة أمة

عندما تصنع الهوية مستقبلها: استفتاء كوردستان وثيقة وجود وإرادة أمة
عندما تصنع الهوية مستقبلها: استفتاء كوردستان وثيقة وجود وإرادة أمة

في الفلسفة السياسية الحديثة، قد تتبدى الدولة في ظاهرها ككيان يتفوق في أجهزة القوة ومساحات الجغرافيا على أبعاد قومياتها، غير أن المراجعة الرصينة لتاريخ الأمم تجزم بحقيقة أعمق: ليست الدولة هي التي تخلق الهوية، بل إن الهوية القومية الصلبة والوعي المتجذر هما من يبنيان الدولة ويمنحانها روح البقاء وسبب الوجود، إن المؤسسات دون عقيدة وطنية تظل هياكل إدارية هشة بينما تشكل الهوية العصب الحيوي الذي يصون الكرامة ويورث الشرعية عبر الأجيال.

لتأصيل الجانب القانوني، يعود أصل كلمة استفتاء إلى اللاتينية (Referendum) وتعني ما يجب إحالته إلى الشعب، ظهرت هذه الآلية بشكليها الدستوري والسياسي الحديثين في الكانتونات السويسرية خلال القرن السادس عشر لتمرير القرارات المصيرية ثم اكتسبت أبعادها السيادية في الفقه الدولي عقب الحرب العالمية الأولى مع بلورة مبدأ حق تقرير المصير الذي نادى به الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون ليتحول الاستفتاء إلى أرقى أداة ديمقراطية تمنح الشعوب حق تحديد مسارها السياسي بحرية.

من هذا المنطلق الفلسفي والسياسي، تجسدت الملحمة التاريخية لاستفتاء استقلال إقليم كوردستان في 25 أيلول/سبتمبر 2017، فلم يكن الحدث مجرد إجراء إداري أو استحقاق انتخابي عابر بل كان تجلياً استراتيجياً للإرادة السيادية وتأكيداً رسمياً على الأهلية الوطنية لشعب كوردستان.

لم يتأتَّ الاستفتاء من فراغ سياسي، بل جاء تتويجاً لمسار نضالي قاده الرئيس مسعود بارزاني في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة فعلى إثر سنوات طويلة من التعطيل المنهجي لمبادئ الشراكة الاتحادية والخرق المستمر للبنود الدستورية وفي مقدمتها المادة 140 المتعلقة بالمناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم فضلاً عن سياسات قطع الموازنة والتنصل من حقوق قوات البيشمركة اتخذت القيادة السياسية قراراً استراتيجياً بنقل الملف الكوردستاني من أروقة المساومات السياسية المؤقتة إلى المرجعية الشعبية المباشرة.

وقد تجلت القوة القيادية للرئيس مسعود بارزاني في أدائه الدبلوماسي والميداني الصارم:

الصلابة أمام الضغوط الدولية العظمى.. خاض الرئيس مسعود بارزاني معركة تفاوضية استثنائية ضد موجة عارمة من الضغوط الإقليمية والدولية والأممية الداعية للتأجيل وكان موقفه حاسماً ومبدئياً: لا بديل ولا تراجع عن الاستفتاء ما لم يُقدم بديل دولي مكتوب ومكتمل الشروط يضمن حق تقرير المصير بشكل غير مشروط، وعندما غابت تلك الضمانات انحاز كلياً لإرادة الشعب.

استنهاض البيت الكوردستاني.. نجح الرئيس مسعود بارزاني في لمّ شمل القوى السياسية والمكونات الأصيلة وأبناء الشتات الكوردستاني حول العالم ليقف الجميع تحت مظلة رمزية واحدة وبصوت وطني موحد.

وفي 25 أيلول 2017، تمت ممارسة هذا الحق بمرجعية وإشراف المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والاستفتاء في الإقليم، حيث بلغت نسبة المشاركة الشعبية 72.16%، وحصَد خيار الاستقلال (نعم / بەڵێ) نسبة ساحقة بلغت 92.73% (بواقع 2,861,471 صوتاً مؤيداً) مما أضفى شرعية ديمقراطية وشعبية متكاملة لا تقبل التشكيك.

أثبت إقليم كوردستان وشعبه العظيم خلال الاستفتاء أنهم دم واحد وصوت واحد وعقيدة وطنية واحدة تمثلت في الهوية الكوردستانية الجامعة، ولكن الأهم من ذلك أن هذه العقيدة لم تكن يوماً قائمة على الشوفينية أو التعصب القومي الضيق بل تجسدت كأنصع نموذج للتسامح والعيش المشترك.

شارك الكورد والتركمان والكلدان والسريان والآشور والإيزيديون والشبك في كركوك ودهوك وأربيل والسليمانية ونينوى وخانقين في رسم هذه اللوحة الديمقراطية، مؤكدين أن كوردستان ملاذ آمن للتعددية وحرية العبادة والمواطنة المتكافئة.

إن النضال من أجل الهوية في كوردستان لم يكن موجهاً ضد أي قومية أو دين أو لون بل كان وما زال رسالة سلام وتحرر تؤمن بأن قوة الوطن تستمد من تنوعه وحمايته لكرامة الإنسان.

هل الاستفتاء صك أم وثيقة تاريخية؟ القيمة الاستراتيجية للنتائج

من الناحية التنفيذية المباشرة.. ليس الاستفتاء صكاً آلياً يستوجب قيام الدولة في اليوم التالي نظراً لاشتراطات موازين القوى والتوازنات الجيوسياسية والاعتراف الدولي.

من الناحية السياسية والاستراتيجية.. الاستفتاء هو سند ملكية سياسي وقانوني تاريخي غير قابل للإلغاء أو السقوط بالتقادم، إنه وثيقة مرجعية مسجلة في التاريخ الإنساني تثبت أن شعب كوردستان يملك الأهلية الوطنية والشرعية الكاملة لممارسة حقه في الاستقلال.

صيانة الهوية.. نقل الاستفتاء الحق الكوردستاني من دائرة الشعارات السياسية والمطالب الشفهية القابلة للمساومة إلى حق موثق رسمياً بالصناديق والأرقام ليشكل نقطة ارتكاز أخلاقية وقانونية لأي مفاوضات حاضرية أو مستقبلية بشأن مستقبل الإقليم والحقوق الدستورية لأجياله القادمة.

إن إرادة الشعوب الحرة حين تُكتب بالوعي القومي الصادق وتُحاط بنبل التضحيات وتُصاغ عبر أصوات ديمقراطية حرة، لا يمكن أن تُكسر بالضغوط أو التوازنات الظرفية، إن تجربة إقليم كوردستان في 25 أيلول برهنت للعالم أجمع أن الهوية الوطنية الممتزجة بالتسامح وقبول الآخر هي الصانع الحقيقي للأوطان.

ومن هذا المنطلق السيادي والإنساني، لم يكن الاستفتاء يوماً رسالة خصومة أو انغلاق بل كان نداء محبة وسلام موجه إلى كافة مكونات الشعب العراقي الشقيق وإلى شعوب ودول الجوار الإقليمي والمجتمع الدولي بأكمله، إن كوردستان بتاريخها الحافل بالتضحيات ونموذجها المشرق في التعايش والتعددية تؤكد دوماً أن قوتها واستقرارها هما دعامة أساسية لأمن المنطقة وازدهارها.

إن أيدينا ستظل ممدودة دائماً لخيار الحوار المتكافئ والشراكة البناءة وعلاقات الجوار الحسنة القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وستبقى «نعم» الكوردستانية منارة حية للكرامة وشاهداً أبدياً على أن إرادة الحرية والتعايش السلمي هي الطريق الأسمى لبناء مستقبلي آمن ومزدهر لجميع الشعوب.