فلسطين وكوردستان .. هل للعدالة معياران ؟

فلسطين وكوردستان .. هل للعدالة معياران ؟
فلسطين وكوردستان .. هل للعدالة معياران ؟

في كل عام، تعود ذكرى استفتاء شعب كوردستان لتفتح واحدة من اكثر القضايا حساسية في تاريخ المنطقة: قضية شعب عاش عقودا من الظلم والاضطهاد ومصادرة الحقوق والاراضي، ثم حاول ان يعبر عن ارادته السياسية عبر صناديق الاقتراع. 
وفي الوقت الذي يرفع فيه كثيرون شعارات الحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، تبرز مفارقة مؤلمة حين يكون الموقف من حقوق الكورد مختلفا عن الموقف من حقوق شعوب اخرى.
المسألة هنا ليست في مقارنة مأساة بمأساة، ولا في التقليل من معاناة الفلسطينيين، بل في طرح سؤال اخلاقي وديني واضح: لماذا يصبح الظلم مرفوضا عندما يقع على شعب، ويصبح قابلا للتبرير او الصمت عندما يقع على شعب اخر؟ 
ولماذا يطالب البعض باعادة الارض والحقوق الى الفلسطينيين، بينما لا يجدون المشكلة نفسها عندما يتعلق الامر باراض وحقوق الكورد؟
النبي محمد (ص) يقول: "لا يؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه". 
هذا الحديث يضع معيارا واضحا للايمان والاخلاق. فمن يرفض ان تصادر ارضه، عليه ان يرفض مصادرة ارض غيره. 
ومن يرفض تهجير شعبه، عليه ان يرفض تهجير شعب اخر. ومن يطالب بالحرية لشعبه، عليه ان يحترم حق الشعوب الاخرى في الحرية والكرامة.
والقرآن لا يجعل العدل مرتبطا بالانتماء، بل يقول: "ان الله يأمر بالعدل والاحسان"، 
 فكيف يمكن لمن يستشهد بالايات والاحاديث دفاعا عن قضية عادلة في مكان، ان يتجاهل معناها عندما يتعلق الامر بالكورد؟
لقد عرف الكورد خلال عقود طويلة صورا مختلفة من الظلم، من حملات التهجير والتعريب ومصادرة الاراضي الى عمليات الانفال والقتل الجماعي والاسلحة الكيميائية، وصولا الى استمرار النزاعات حول الملكية والهوية والحقوق السياسية في عدد من المناطق. 
وهذه ليست مجرد تفاصيل في كتاب التاريخ، بل جراح ما زالت اثارها حاضرة في ذاكرة اجيال كاملة.
ومن هنا جاءت ذكرى استفتاء الخامس والعشرين من ايلول عام 2017. فقد ذهب شعب كوردستان الى صناديق الاقتراع ليعبر عن موقفه من قضية تقرير المصير، في لحظة تاريخية اعتبرها كثير من الكورد تعبيرا عن تراكم عقود من التجارب والظلم وعدم الثقة. 
وبغض النظر عن المواقف السياسية من الاستفتاء ونتائجه، يبقى السؤال الاخلاقي قائما: هل يملك الانسان حق المطالبة بالحرية لنفسه فقط، ام عليه ان يؤمن بحق الاخرين ايضا؟
فالارض في الشريعة ليست غنيمة لمن يملك القوة. القرآن يقول: "ولا تاكلوا اموالكم بينكم بالباطل"، والنبي حذر بشدة من ظلم الناس في اراضيهم وحقوقهم. وقد قال: "من ظلم قيد شبر من الارض طوقه من سبع ارضين". 
لذلك فان الاستيلاء على ارض الغير او حرمان اصحابها من حقوقهم ليس مجرد خلاف سياسي، بل قضية تتعلق بحقوق العباد التي لا تسقط بالشعارات.
والامر لا يتوقف عند الارض. فالدين يحذر من الظلم والفساد والغش وشهادة الزور واكل حقوق الناس، ويؤكد ان العبادة لا يمكن ان تكون بديلا عن رد المظالم. وقد اختلف الفقهاء في حكم الصلاة في الارض المغصوبة من حيث الصحة، لكنهم لم يجعلوا الغصب مباحا. فالصلاة عبادة، وحقوق الناس مسؤولية اخرى لا تسقط بالصلاة والصيام والحج.
لهذا فان السؤال الذي تطرحه ذكرى الاستفتاء ليس سياسيا فقط، بل اخلاقي ايضا: هل نؤمن بحق تقرير المصير عندما يطالب به شعب نحبه، ونرفضه عندما يطالب به الكورد؟ 
هل نرفض مصادرة ارض الفلسطيني ونبرر مصادرة ارض الكردي؟ 
هل ندين التهجير عندما يحدث في مكان، ونصمت عنه عندما يحدث في كوردستان؟
العدالة الحقيقية لا تحتاج الى اختيار مظلوم واحد وترك مظلوم اخر. ومن يؤمن فعلا بمبدأ "لا يؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه"، عليه ان يجعل هذا المبدأ شاملا للجميع.
ذكرى الاستفتاء اذن ليست مجرد ذكرى سياسية، بل مناسبة لاعادة طرح مفهوم العدالة في المنطقة: هل نريد عدالة انتقائية تخدم هويتنا ومصالحنا، ام عدالة واحدة لا تتغير بتغير اسم الضحية؟
لان الظلم لا يصبح عدلا عندما يرتكبه من نؤيده، كما ان الحق لا يصبح باطلا لان صاحبه كوردي. 
ومن يطالب العالم بانصاف الفلسطينيين، عليه ان يكون مستعدا ايضا لانصاف الكورد. فالعدل لا يتجزأ، وحقوق الشعوب لا تقاس بمقدار القوة التي تملكها، وانما بمقدار الحق الذي تستند اليه.
واخيرا، يبقى السؤال الذي نضعه امام كل من عارض استفتاء شعب كوردستان: لو كان الشعب الذي اختار التعبير عن حقه في تقرير المصير هو الشعب الفلسطيني، فهل كان سيكون موقفكم من الاستفتاء والحق في تقرير المصير هو نفسه؟ أم ان للعدالة معيارا يتغير بتغير هوية الشعب؟