جلال شيخ علي
محرر
عندما يكتمل النصاب .. تنتصر إرادة شعب كوردستان
لم يكن اكتمال النصاب القانوني لجلسة برلمان كوردستان مجرد إجراء دستوري لاستئناف عمل مؤسسة تشريعية تعطلت لأكثر من عامين، بل كان محطة سياسية مهمة حملت رسالة واضحة لكل من راهن على إبقاء الإقليم أسيرا للخلافات والمساومات والحسابات الحزبية الضيقة.
إن إرادة كوردستان أقوى من محاولات التعطيل، وإن المؤسسات الدستورية لا يمكن أن تبقى رهينة لمصالح أطراف لا ترى في الشراكة السياسية سوى وسيلة لتحقيق مكاسبها الخاصة.
فمنذ انعقاد الجلسة الأولى للدورة السادسة في كانون الأول 2024، ظل البرلمان عاجزا عن استكمال استحقاقاته الدستورية وانتخاب هيئة رئاسته، وسط خلافات سياسية ومقاطعات متكررة، جعلت المؤسسة التشريعية معطلة، وحرمت شعب كوردستان من واحدة من أهم أدوات الرقابة والتشريع والمساءلة. ولم يكن استمرار هذا التعطيل أمرا عابرا أو خلافا إجرائيا يمكن تبريره باختلاف وجهات النظر، بل تحول إلى أزمة سياسية مفتوحة، أثارت تساؤلات جدية بشأن الأهداف الحقيقية وراء الإصرار على إبقاء البرلمان معلقا.
فحين تتحول المقاطعة إلى نهج دائم، ويصبح تعطيل المؤسسات وسيلة للضغط السياسي، فإن الخاسر الأول ليس حزبا أو كتلة بعينها، بل شعب بأكمله وكيان دستوري دفع الكورد ثمنا باهظا من أجل ترسيخه وحمايته.
لكن ما حدث في البرلمان قلب المعادلة، فقد اكتمل النصاب بحضور 52 نائبا من أصل 100، متجاوزا الحد القانوني المطلوب، وانعقدت الجلسة رغم مقاطعة كتل سياسية كانت تراهن على إفشالها.
ولم يتوقف الأمر عند كسر حاجز التعطيل، بل انتخب البرلمان هيئة رئاسته.
وهذه النتيجة تحمل دلالات تتجاوز الأسماء والمناصب؛ فهي تؤكد أن البرلمان لا يمكن أن يبقى رهينة إرادة المقاطعين، وأن من يملك حق التمثيل الشعبي يتحمل مسؤولية الحضور والعمل، لا الهروب من الاستحقاقات الدستورية.
لقد كانت المفاجأة أن النصاب اكتمل رغم كل المحاولات، وأن نوابا اختاروا الانتصار للمؤسسة الدستورية على حساب الاصطفافات الحزبية، فكان موقفهم رسالة إلى كل من اعتقد أن بإمكانه التحكم بمصير الإقليم عبر تعطيل مؤسساته.
وإذا كانت بعض القوى قد راهنت على تحويل الأزمة البرلمانية إلى ورقة ضغط لإعادة رسم موازين القوى السياسية، فإن ما جرى اليوم أسقط هذا الرهان وأعاد الكرة إلى ملعب العمل السياسي والمؤسساتي.
ومن هنا، فإن الخزي السياسي الحقيقي لا يكمن في خسارة منصب أو فشل مقاطعة، بل في وضع المصالح الحزبية فوق مصالح الشعب، وفي تعطيل مؤسسة انتخبها المواطنون لتكون صوتهم وحارسة لحقوقهم.
إن كوردستان لا تحتاج إلى مزيد من الأزمات المفتعلة، بل إلى برلمان فاعل وحكومة مسؤولة وشراكة حقيقية تحترم نتائج الانتخابات وإرادة الناخبين.
واليوم، لم ينتصر طرف على آخر بقدر ما انتصر المبدأ الدستوري على التعطيل، وأثبتت الوقائع أن المؤامرات مهما طال أمدها لا تصمد أمام إرادة من يقررون العمل من أجل كوردستان.
فعندما يكتمل النصاب، تفشل المؤامرات، وتسقط رهانات التعطيل، ويبقى شعب كوردستان صاحب الكلمة الأخيرة.