صلاح بكر
كاتب
البلقنة... هل تلوح في أفق العراق؟
في أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، وعلى هامش الحراك الدبلوماسي رفيع المستوى، أثار تصريح وزير الخارجية الأمريكي تحذيراً صريحاً ومباشراً خلال لقائه برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، حينما حذر من خطر انزلاق البلاد نحو "البلقنة" في حال عدم حسم ملف السلاح المنفلت. مصطلحٌ ثقيل يُعيد إلى الأذهان سيناريوهات تفكك الدول وتشرذمها إلى كيانات طائفية وإثنية متصارعة كما شهدت شبه جزيرة البلقان عقب انهيار يوغوسلافيا.
لم يكن اختيار واشنطن لهذا المفهوم في هذا التوقيت مجرد توصيف سياسي عابر، بل جاء انعكاساً لموقف أمريكي متشدد حيال تعثر جدول نزع سلاح الفصائل المسلحة. فبينما تقترب المهلة المحددة لحسم هذا الملف، ترى الإدارة الأمريكية في النوايا والمساعي المطروحة لتمديد العملية لعدة أشهر إضافية مؤشراً خطيراً على المماطلة وتكريس واقع "السلطة الموازية"، بل وتفسره واشنطن كإقرار ضمني بعدم قدرة الحكومة على مواجهة الفصائل وإرغامها على تسليم السلاح.
وتتلخص الدوافع الجوهرية التي جعلت واشنطن تلوح بـ "البلقنة" أمام رئيس الوزراء في عدة نقاط محورية:
۱. التمديد كغطاء لكسب الوقت: قناعة الولايات المتحدة الامريكية بأن تمديد المهل لا يعكس خطة تنفيذية واقعية، بقدر ما يوفر غطاء سياسياً للفصائل لإعادة ترتيب أوراقها وتثبيت أقدامها، مما يجرد الحكومة من سلطتها السيادية.
۲. تفتيت احتكار العنف المشروع: التأكيد الأمريكي على أن بقاء سلاح خارج سيطرة المؤسسات الرسمية يُلغي مفهوم "الدولة الجامعة"، ويُحول المحافظات والمناطق إلى إقطاعيات أمنية وسياسية تدار بإرادات منفصلة.
۳. تأطير الانقسام الاجتماعي والمكوناتي: الخشية من أن سيطرة الجماعات المسلحة على مشهد القرار لن تؤدي سوى إلى تعميق المحاصصة وتغذية الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية، وهو المحرك الأساسي لأي سيناريو تشظي داخلي.
٤. الارتهان لصراعات المحاور: تحويل الجغرافيا العراقية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، مما يفرض تقسيم العراق عملياً إلى مناطق نفوذ تابعة لأطراف خارجية.
تقف بغداد اليوم أمام لحظة فارقة، فالإشارة الأمريكية تؤكد أن الاستقرار لا يُبنى بالحلول المؤجلة أو التوازنات الهشة بين الدولة واللادولة. وتضع رئيس الوزراء علي الزيدي أمام خيارين لا ثالث لهما: إما حزم سياسي وتنفيذي يفرض سيادة القانون ويحصر السلاح بيد الدولة قبل فوات الأوان، أو الانزلاق التدريجي نحو سيناريو "البلقنة" الذي يحول العراق إلى دويلات.