صلاح بكر
كاتب
إذا الشعبُ يوماً أراد الحياة
أربيل (كوردستان24)- في تحوّل سياسي حاسم طال انتظاره، حسم إقليم كوردستان خياراته الدستورية واستعاد زمام المبادرة التشريعية. أنهت القوى الوطنية مرحلة طويلة من الشلل السياسي استمرت لأكثر من عامين، فرضتها أطراف حزبيّة ركّزت على المكاسب الضيقة والمصالح الفئوية، تاركة مصلحة المواطنين جانباً. اليوم، تُطوى هذه الصفحة لتُفتتح مرحلة جديدة عنوانها سيادة القانون واستعادة شرعية المؤسسات.
لم تكن عودة البرلمان إلى الانعقاد مجرد استئناف لجلسات بروتوكولية، بل جاءت كتعبير صريح عن رفض الشارع لسياسة التعطيل وفرض الأمر الواقع. شهدت القبة البرلمانية اكتمالاً للنصاب القانوني بحضور ممثلي الشعب الذين اختاروا تغليب المصلحة العامة، ليُتوّج هذا الحضور التاريخي باختيار وتشكيل هيئة رئاسة جديدة للبرلمان. هذه الخطوة التأسيسية أعادت للمؤسسة التشريعية نصابها ودورها الأصيل، ووجهت رسالة حازمة بأن شرعية الحكم تُستمد دائماً من القانون وإرادة اصوات الناخبين، وليس من التوافقات الحزبية التي تعرقل مسار الدولة.
لقد برهن النواب المشاركون في الجلسة عن مسؤولية تاريخية عالية. وقفوا بوضوح ضد محاولات ارتهان القرارات السياسية برغبات فئوية، وأثبتوا أن إرادة الإصلاح أقوى من سياسات المماطلة. إن انتزاع هذه الشرعية وتثبيت هيئة الرئاسة تحت قبة البرلمان يمثّلان نجاحاً يُضاف إلى سجل الشعب الكوردستاني، الذي طالما أثبت قدرته على حماية مكتسباته الدستورية ورسم ملامح مستقبله بنفسه.
ومع اكتمال هذا الاستحقاق المؤسساتي، تتجه الأنظار باهتمام بالغ نحو الخطوة الاستراتيجية المقبلة: الإعلان عن تشكيل الكابينة العاشرة لحكومة إقليم كوردستان برئاسة مهندس التطور والإعمار السيد مسرور بارزاني. تترقب الأوساط الشعبية والسياسية ولادة هذه التشكيلة الحكومية القوية والشاملة بمشاركة الكتل السياسية الفاعلة لتمثل جميع أبناء الإقليم دون استثناء؛ حكومة ترتكز على الشراكة الحقيقية، وتضع في مقدمة أولوياتها مواصلة مسيرة البناء والتنمية، وتطوير الخدمات، وتحريك عجلة الاقتصاد لتلبية تطلعات الشارع الذي تحمل تبعات تعطيل المؤسسات خلال الفترة الماضية.
إن التحديات الراهنة على المستويين الداخلي والإقليمي لا تحتمل المزيد من الهدر السياسي. ويتطلب الاستقرار المقبل وجود سلطة تنفيذية مدعومة بغطاء تشريعي متين، قادرة على اتخاذ القرارات الجريئة وتنفيذ برامج التنمية الشاملة. إن عودة البرلمان وانطلاق الكابينة الحكومية العاشرة سيُعيدان للإقليم وزنه السياسي ويثبّتان مقومات الاستقرار والنمو.
نهنئ شعب كوردستان بهذا الانجاز العظيم، ونحيي كل من ساهم في إنجاح الجلسة وتغليب الصوت الوطني. إن النصر الحقيقي يكمن في استمرار هذا الزخم والمضي قدماً بثبات نحو بناء حكومة تمثل تطلعات الجميع وتخدم مستقبل كوردستان.