مصاهرة كوردية مصرية .. تاريخ عائلي فريد من نوعه.. تزوّجوا وأنجبوا وبنوا قرى وبيوتا وشوارع
*أنتشار أثار دهشة الباحثين في محافظات مصرية مثل الشرقية والبحيرة وأسيوط
*قام المقاتلون والقادة الكورد بالزواج من نساء مصريات في المدن التي دخلوها لبناء شبكات قرابة محلية تحمي مصالحهم
يعد مسار الحضور الكوردي في مصر أحد أبرز النماذج التاريخية الدالة على هذا التحول؛ إذ انتقل الكرد من وضعية الجند الوافد مع الفتوحات والتحالفات العسكرية في العصر الأيوبي، إلى ملاك أراضٍ وسكان قرى وأعيان مدن، لينتهوا عبر تسعة قرون إلى حالة من الذوبان الكامل في الهوية المصرية، حيث يتطلب تتبع هذا المسار الديموغرافي والمكاني تفكيك آليات المصاهرة، ورصد التوزيع الجغرافي للبيوت والقرى، واستجلاء التقديرات العددية التي توثق هذا التحول دون الانشغال بسير الأفراد والمشاهير.
تعد المصاهرة العامل الحاسم الذي قطع الطريق تاريخيًا أمام تشكل ما يسمى "غيتو" كوردي داخل مصر؛أي المكان المنعزل ، فعلى النقيض من بعض المجتمعات التي فرضت قوانين صارمة أو أعرافًا طبقية تحظر الزواج بين الوافدين والسكان الأصليين، كانت وتيرة التزاوج بين المصريين والكورد سلسة ومفتوحة في كلا الاتجاهين منذ اللحظات الأولى لوصولهم، مستندة إلى ركائز شرعية وثقافية متينة ألغى فيها الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية الفوارق القومية والعرقية في عقود الأنكحة والمواريث، معتبرًا رابطة العقيدة هي المحدد الأساسي للكفاءة.
وزاد من يسر هذا التوافق اتفاق المذهب الفقهي؛ فالأغلبية الساحقة من الكورد اتبعوا المذهب الشافعي، وهو المذهب نفسه الذي استقر في الوجدان الشعبي المصري وهيمن على الحياة الدينية لأهل البلاد منذ عهد الإمام الشافعي ومدرسته الفقهية في الفسطاط، مما أزال أي تعقيدات فقهية في المعاملات الزوجية أو شروط العقود وتوزيع التركات. ولم يكن نمط الزواج محصورًا في اتجاه واحد؛ إذ أقبل المقاتلون والقادة الكورد على الزواج من نساء مصريات في المدن التي رابطوا بها أو الأرياف التي أُقطعوا أراضيها لترسيخ أقدامهم وبناء شبكات قرابة محلية تحمي مصالحهم، وفي المقابل تزوّج أعيان ووجهاء وتجار المصريين من نساء البيوتات الكوردية المستقرة، ولا سيما العائلات التي حازت مكانة إدارية أو علمية أو عسكرية مرموقة، وترتب على هذا النمط الثنائي من المصاهرة أثر لغوي حاسم، فالأبناء الذين وُلدوا لأمهات مصريات رضعوا لغة الأم وثقافتها اليومية، فنشأ الجيل الثاني وهو يتحدث العامية المصرية بطلاقة مطلقة بينما تراجع استخدام اللغة الكورديةإلى حدود ضيقة حتى اندثر تمامًا مع الجيل الثالث، لتكون الأسرة بذلك هي المعمل البيولوجي واللغوي الأول الذي أذاب السمات القومية للكورد وحوّلها إلى انتماء مصري كامل.
وقد توازى هذا الانصهار الأسري مع محطات تاريخية متتابعة للانتشار المكاني والتشكل الديموغرافي، استهلت بالعصر الأيوبي بين عامي 1171 و1250م، حيث بدأ التدفق البشري الكوردي في النصف الثاني من القرن الثاني عشر مع حملات أسد الدين شيركوه وصلاح الدين الأيوبي كحراك عشائري وجيش قوامه عشرات الآلاف تشكل من كبرى الكيانات الكوردية المقاتلة مثل الهكارية والحميدية والزرزائية والمهبانية، والتي توزعت في البداية حول العاصمة لتأمين الحكم في محيط قلعة الجبل ومصر العتيقة، وسرعان ما أحدث تطبيق نظام "الإقطاع الحربي" بمنح قادة الجند مساحات شاسعة في الوجه البحري خصوصًا في محافظتي الشرقية والبحيرة وعلى امتداد حوض الصعيد تحولًا جذريًا في نمط حياتهم، إذ انتقل آلاف الجنود وعائلاتهم من الفروسية والارتحال إلى إدارة الأرض والتعامل المباشر مع الفلاحين المصريين، فاستقروا زراعيًا واشتروا الضياع لتتشكل النواة الأولى للمجتمعات الريفية ذات الجذور الكوردية.
ثم جاء العصران المملوكي والعثماني الممتدان من 1250 إلى 1805م ليرسخا القرى وأوقاف المدن؛ فرغم انحسار السلطة السياسية استمر الاستقرار في الريف وظهرت تجمعات قروية حملت أسماؤها هويتهم في سجلات المساحة والضرائب وظلت قائمة حتى اليوم، كبلدات الصعيد في محافظة أسيوط ومنها قريتا «بني زيد الأكراد» و«جزيرة الأكراد» التابعة لمركز أبنوب، اللتان تمازج سكانهما مع قبائل المحيط مثل بني هلال وجهينة وتبنوا العادات الصعيدية الصارمة في الثأر والصلح والضيافة حتى تماهت سماتهم البدنية والثقافية بالكامل مع أهل المنطقة، فضلًا عن انتشار عائلات كوردية متفرقة في المنيا وسوهاج وقنا وتملكها لحياض زراعية عُرفت في الحجج القديمة بـ"حوض الكوردي".
وفي الحواضر، ولا سيما القاهرة، اتخذ الوجود طابعًا علميًا واقتصاديًا مستقرًا خلال العصر العثماني عبر تأسيس «رواق الأكراد» بالجامع الأزهر للطلبة والمجاورين الوافدين من كردستان والجزيرة الفراتية وديار بكر، محاطًا بشبكة من الأوقاف الخيرية من دور سكنية ودكاكين ووكالات تجارية أوقفها وجهاء كورد ومصريون للإنفاق عليهم، فشهدت القاهرة القديمة تأسيس أحياء استقروا فيها كحارة (الأكراد) في حي الدرب الأحمر وباب الوزير، والبيوتات المحيطة بالجمالية وباطنية الأزهر وسوق السلاح، ومع انتهاء دراستهم لم يعد غالبية هؤلاء الدارسين إلى مواطنهم بل امتهنوا الإمامة والتدريس أو التجارة الحرفية واشتروا منازل بالحارة القاهرية وتزوجوا من أهلها متحولين إلى عائلات مدنية راسخة.
ومع فجر العصر الحديث الممتد من 1805 حتى منتصف القرن العشرين وتأسيس محمد علي باشا للدولة المصرية الحديثة، استُقدمت دفعات جديدة من الضباط والإداريين والخبراء للخدمة في الجيش النظامي والدواوين، متمركزين في الأحياء الحضرية الراقية والحديثة بالقاهرة والإسكندرية مثل الحلمية الجديدة وعابدين والظاهر، ولاحقًا في شبرا والعباسية ومصر الجديدة، حيث انخرطت تلك العائلات بفضل التعليم والوظائف الحكومية في صفوف الطبقة الوسطى والبورجوازية الوطنية، وبحلول مطلع القرن العشرين كانت قد انقطعت صلتها تمامًا بمواطنها الأصلية ولم يعد يربطها بالهوية الكوردية سوى الألقاب العائلية في سجلات المواليد وحجج الملكية كألقاب "الكوردي" و"ظاظا" و"الأورفلي".
ينعكس هذا المسار التاريخي في خريطة جغرافية واضحة المعالم داخل الجغرافيا المصرية، تبدأ من أسيوط بصعيد مصر حيث الاستيطان الزراعي والعشائري الممتد منذ العصرين الأيوبي والمملوكي في قريتي «بني زيد الأكراد» و«جزيرة الأكراد» بأبنوب عبر إقطاعات على ضفاف النيل انتهت إلى فقدان كامل للسان والتطابق التام مع البيئة الريفية والعرف القبلي، وتمر بالقاهرة التاريخية في حارة (الأكراد) بالدرب الأحمر ومحيط الجمالية ومنازل رواق الأزهر الشريف كأحياء شعبية اندمج قاطنوها في طبقة العلماء والتجار، وصولًا إلى القاهرة الحديثة في عابدين والحلمية وشبرا حيث مساكن النخب الإدارية والعسكرية المنخرطة في الطبقة البورجوازية المدنية، فضلًا عن عزب وحياض متفرقة بالدلتا في البحيرة والشرقية ذاب فيها أحفاد الفرسان الإقطاعيين الأيوبيين ذوبانًا تامًا في مجتمع الفلاحين.
يثير البحث عن إحصائية دقيقة لعدد الكورد في مصر إشكالية منهجية تنقسم بين الموقف الإحصائي الرسمي والتقديرات التاريخية والواقع المعاصر؛ فالتعدادات السكانية العامة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لا تتضمن خانة لتسجيل الإثنية أو القومية لكون الدولة تسجل مواطنيها بموجب رابطة الجنسية والمحدد الديني للأحوال الشخصية، مما يجعل الرقم الرسمي المسجل للكورد كمجموعة إثنية هو صفر لعدم اعتراف النظام القانوني والديموغرافي بأقليات عرقية داخل المواطنين.
وفي المقابل، قدمت المؤرخة درية عوني في دراستها المرجعية «الأكراد في مصر عبر العصور» — استنادًا إلى وثائق الأوقاف وسجلات المحاكم الشرعية وبيانات القرى وتتبع هجرات العائلات — تقديرًا يقيس عمق الحضور السلالي يراوح بين 1.5 مليون إلى 4 ملايين مصري يحملون دماءً أو أصولًا كوردية تزاوجت عبر الأجيال، وهي كتلة بشرية واسعة لا تمثل جماعة عرقية ذات وعي قومي أو رابطة تنظيمية ولا تعرف من ماضيها سوى اللقب أو الرواية الشفوية المتوارثة بين الفلاحين والموظفين وسكان الحواضر، بينما ينحصر الوجود الكوردي المحتفظ بلغته وقوميته في بضعة آلاف من الوافدين واللاجئين المعاصرين الفارين في العقود الأخيرة من نزاعات بالعراق وسوريا والمسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة كأجانب مقيمين دون صلة هيكلية بالكتلة التاريخية المندمجة.
إن هذا التلاشي للهوية المستقلة كان ثمرة لتضافر عوامل مادية وثقافية حاسمة، تصدرها التفكك المكاني المبكر؛ حيث لم تشهد مصر تركزًا كورديًا في إقليم جغرافي محدد أو ولاية طرفية، بل توزع الوافدون بين حواضر الدلتا وأحياء العاصمة وأعماق الصعيد مما قطع حبل التواصل القومي وفرض التكيف مع البيئة المحلية، وعززه الاندماج الاقتصادي والعقاري بتملك الأطيان والعقارات ودخول منظومة الأوقاف منذ العهود الأيوبية والمملوكيّة والعثمانية مما جعلهم شركاء في الإنتاج بدلاً من حاميات مؤقتة.
هذا فضلًا عن التقارب المظهري والوجداني والاشتراك الديني وسهولة تمثل العامية المصرية في جيل واحد، وهي معطيات موثقة تاريخيًا في دفاتر وسجلات «رواق الأكراد» بدار الوثائق القومية والأزهر الشريف، وخرائط المساحة التاريخية لقرى حوض أسيوط، والمخطوطات العثمانية التي حفظت تحولات الزي والاندماج المدني في قاهرة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لتكتمل بذلك ملحمة انصهار فريدة ذابت فيها خصوصية العرق في رحابة الوطن الواحد.