قبل مؤامرة "علماء الدين" الشهيرة.. كيف وُلد مشروع "الملائكة الفسفورية" لاستهداف البارزاني عام 1971؟

كيف تحوّل الخداع الديني إلى مشروع اغتيال بعد فشل الاستخبارات؟

قبل مؤامرة "علماء الدين" الشهيرة.. كيف وُلد مشروع "الملائكة الفسفورية" لاستهداف البارزاني عام 1971؟
قبل مؤامرة "علماء الدين" الشهيرة.. كيف وُلد مشروع "الملائكة الفسفورية" لاستهداف البارزاني عام 1971؟

من بين ملفات التاريخ العراقي الحديث، ظلّ تاريخ الدولة البعثية وأجهزتها الأمنية من أكثر الملفات التي شغلت اهتمامي وقراءاتي. وفي هذا السياق، كنت حريصا على متابعة البرامج الوثائقية التي قدّمها الدكتور حميد عبدالله، وفي مقدمتها برنامج "شهادات خاصة"، لما تضمّنه من شهادات نادرة ووثائق أسهمت في إضاءة كثير من زوايا التاريخ السياسي العراقي المعاصر.

وخلال إحدى حلقات البرنامج، استوقفتني رواية لم أكن قد صادفتها في أي مصدر كوردي أو عربي تناول محاولة اغتيال القائد الكوردي الخالد ملا مصطفى بارزاني. كانت رواية غريبة إلى حدّ دفعتني إلى التوقف عندها طويلا، ثم إلى مراجعة أهم المراجع التي أرّخت لتلك الحادثة، وفي مقدمتها كتاب الرئيس مسعود بارزاني "البارزاني والحركة التحررية الكوردية" (مج ٣، ج ٢، ص 69 - 71).

ومن هنا بدأت رحلة التحقق والبحث.

فالسطور الآتية لا تتناول مؤامرة جهاز التسجيل المفخخ المعروفة فحسب، وإنما تسلط الضوء على رواية سبقتها، بقيت بعيدة عن التداول لعقود، وتتعلق بخطة غير مألوفة قيل إن بعض الدوائر الأمنية البعثية فكرت في تنفيذها بعد أن أخفقت في اختراق الدائرة المحيطة بالبارزاني.

ولا أقصد من نشر هذه الرواية إثارة الغرابة أو ملاحقة التفاصيل المثيرة، بقدر ما أسعى إلى عرضها بوصفها شهادة تاريخية تستحق أن تُعرض على الباحثين والمهتمين، وأن تُناقش في إطارها التاريخي، لأنها تكشف جانبا من طبيعة التفكير الأمني الذي حكم تلك المرحلة، وتضيف ـ إن ثبتت ـ تفصيلا جديدا إلى ذاكرة الصراع بين النظام البعثي والثورة الكوردية.

شهادات ووثائق نادرة تكشف مشروعا أمنيا غير مسبوق، سبق مؤامرة جهاز التسجيل المفخخ، واعتمد على توظيف الرموز الدينية في محاولة استدراج البارزاني بعد تعذر اختراق محيطه الأمني.

29 أيلول 1971، يوم الإرادة القومية التي لا تُقهَر

لم يكن التاسع والعشرون من أيلول عام 1971 مجرد تاريخ عابر في سجل الأحداث الدامية التي حفلت بها مسيرة شعب كوردستان، بل كان محطة مفصلية كشفت طبيعة نظام لم يكتفِ بالاستخفاف بالقيم السياسية والأخلاقية، وإنما بلغ به الأمر أن اتخذ من قدسية الدين ورموزه وأسماء علمائه أدواتٍ لتنفيذ مخططاته الإجرامية.

في ذلك اليوم، وجّه الثلاثي الحاكم في منظومة البعث الفاشية ببغداد -  أحمد حسن البكر، وصدام حسين، وناظم كزار - ضربةً غادرة استهدفت مركز القرار في ثورة أيلول، بهدف اغتيال القائد القومي الخالد.

إن تدبير مؤامرة تقوم على إرسال وفد من علماء الدين - كانوا هم أنفسهم ضحايا لا يعلمون بما يُدبَّر لهم - عبر جهاز تسجيل صوتي مفخخ، يكشف بوضوح حجم الانحدار الأخلاقي الذي بلغه النظام البعثي، فكلما عجز عن مواجهة البارزاني وهيبته وتأثيره المتعاظم، لجأ إلى وسائل الغدر والإرهاب والخداع، متجردا من أبسط الضوابط الإنسانية والأخلاقية.

صلابة بارزاني وانكسار رهانات الاستخبارات الدولية

قبل أن يلجأ البعث إلى تلك الأساليب الإجرامية، كانت أجهزة استخبارات كبرى قد اصطدمت هي الأخرى بالسياج الصلب الذي أحاط بالبارزاني ورفاقه.

ففي شهادة تاريخية لافتة وردت ضمن برنامج "رحلة في الذاكرة" على قناة RT، واستنادا إلى وثائق الجنرال السوفيتي الشهير پاڤيل سودوپلاتوڤ، أحد أبرز أساطير العمل الاستخباري في القرن العشرين، يرد اعتراف ذو دلالة بالغة مفاده أن الاستخبارات السوفيتية (KGB)، على الرغم من إمكاناتها الهائلة وخبراتها الواسعة، أخفقت في اختراق الدائرة المحيطة بمصطفى البارزاني، ولم تتمكن من تجنيد عميل واحد داخل تنظيمه أو محيطه القيادي.

وقد أرجع باحثون ومختصون في التاريخ العسكري والسياسي هذه الحقيقة إلى جملة عوامل رئيسة، كان من أبرزها:

أولا: الولاء العقائدي والأخلاقي الراسخ

نشأ رفاق البارزاني على منظومة قيمية وقومية متينة، جعلت الولاء للقضية جزءا من هويتهم الشخصية. ولذلك لم تفلح الإغراءات المادية، ولا المناصب، ولا ضغوط أجهزة الاستخبارات الدولية في زعزعة قناعاتهم أو استمالتهم إلى الخيانة.

ثانيا: استقلالية القرار السياسي

على الرغم من إقامة مصطفى بارزاني اثني عشر عاما في الاتحاد السوفيتي، ودراسته في مؤسساته وأكاديمياته، فإنه حافظ على استقلالية رؤيته السياسية، ولم يسمح بأن تتحول القضية الكوردية إلى تابع لأي محور دولي. لقد ظل القرار الكوردي مرتبطا بأهدافه الوطنية قبل أي اعتبار آخر.

ثالثا: العقيدة الراسخة لقوات البيشمركة

لم تكن قوات البيشمركة مجرد تشكيل عسكري تقليدي، بل كانت مدرسة نضالية قائمة على الإيمان بالمبدأ والهدف. ولهذا لم تكن قابلة للبيع أو الشراء، لأن ما يحرك أفرادها لم يكن الامتيازات والمكاسب، بل الإيمان العميق بعدالة القضية التي يحملونها.

الخطة الأكثر غرابة.. حين تحوّل الخداع الديني إلى مشروع اغتيال

حين أدرك النظام البعثي أن المواجهة العسكرية المباشرة لم تُحقق أهدافها، وأن محاولات الاختراق الاستخباري قد باءت بالفشل، لجأ إلى مشروع يكاد يبدو أقرب إلى الخيال منه إلى التخطيط الأمني.

وبحسب شهادة وليد السامرائي، القيادي السابق في حزب البعث، التي رواها في برنامج "شهادات خاصة"، نقلا عن ضياء العوادي، أحد كبار ضباط الأمن البعثيين، فإن ناظم كزار لم يكتفِ بالتخطيط لمحاولة اغتيال تقليدية، بل شرع في إعداد مشروع أمني غير مسبوق، يقوم على استغلال التدين العميق للبارزاني.

فقد اعتمد هذا المشروع الأمني على إنزال عناصر يرتدون ملابس وأجنحة فسفورية مضيئة، إلى جانب تجهيز مكبرات صوت تبث تلاوات قرءانية مسجلة. وكان المخطط يقضي بأن تُنزل المروحية العسكرية تلك العناصر ليلا بالقرب من مقر البارزاني، في محاولة لإيهامه بأن "ملائكة" هبطت من السماء، بما يدفعه إلى مغادرة موقعه المحصن، ليُستهدف بعد ذلك بإطلاق النار من الجو.

وتزداد دلالة هذه الخطة غرابةً عند الوقوف عند تفصيل "الأجنحة الفسفورية" الوارد في شهادة وليد السامرائي، إذ يستحضر هذا التفصيل، من الناحية التصويرية، صورة الملائكة في المخيال الديني الإسلامي، كما عرضها القرءان الكريم في قوله تعالى: (جاعلِ الملائكة رسُلا أولي أجنِحة مثنىٰ وثُلاث ورُباع) فالجمع بين هيئة الأجنحة والإضاءة الفسفورية، بحسب الرواية، لم يكن تفصيلا بصريا عابرا، وإنما يبدو أنه صُمّم لإنتاج صورة إيحائية توحي بالهبوط من عالم غيبي، وتستثمر الرمز الديني في بناء مشهد خداعي ذي أثر نفسي مقصود.

ولا يمكن، من الناحية المنهجية، الجزم بأن هذا التصور استُلهم مباشرة من الآية الكريمة ما لم ترد في الشهادة أو في مصدر مستقل قرينة صريحة على ذلك، غير أن التشابه بين عناصر الخطة المروية وبين الصورة القرءانية للملائكة يتيح قراءةً تحليلية لهذا التفصيل، بوصفه محاولة لتوظيف المخيال الديني وتحويل رموزه البصرية إلى أداة للتمويه والتأثير النفسي. وإذا صحت الرواية، فإننا لا نكون أمام مجرد حيلة أمنية، بل أمام محاولة لبناء "مسرح خداعي" متكامل، جرى فيه استثمار الصورة الدينية والصوت القرءاني والظلام والإضاءة غير المألوفة لإنتاج وهم بصري وسمعي يراد له أن يؤثر في إدراك الهدف ويدفعه إلى اتخاذ قرار يخدم مخطط الاغتيال. 

وإذا صحت هذه الشهادة التاريخية، فإنها تمثل واحدة من أغرب ما كُشف عنه من محاولات توظيف الرموز الدينية في التخطيط الأمني خلال تاريخ الدولة البعثية، كما تكشف عن حقيقتين بالغتي الدلالة:

الأولى: استعداد النظام البعثي لاستغلال أقدس الرموز الدينية، بما فيها القرءان الكريم وصورة الملائكة، وتحويلها إلى أدوات في مشروع اغتيال سياسي.

 الثانية: أن الخطة كانت من السذاجة والسطحية بحيث لم تحظَ بإجماع داخل الدوائر الأمنية نفسها، لإدراك كثيرين أن البارزاني قائد ميداني محنك، لا يمكن لمثل هذه الأوهام أن تُحدث خرقا في منظومته الأمنية.

من الخداع إلى التفجير.. محاولة اغتيال 29 أيلول

بعد فشل مشروع الخداع الديني، وانهيار ذلك المخطط غير التقليدي، انتقل النظام البعثي إلى مخطط أكثر خطورة، مستغلا مرة أخرى الاحترام الكبير الذي كان يكنّه البارزاني لعلماء الدين.

وفي التاسع والعشرين من أيلول عام 1971، أُرسل وفد يضم تسعة من علماء الدين من بغداد، مناصفة بين علماء السنة والشيعة، يحملون جهاز تسجيل صوتي مفخخا، من دون أن يكون لديهم أي علم بطبيعة المهمة التي زُجّوا فيها.

ووفقا لما أورده الرئيس مسعود بارزاني في كتابه "البارزاني والحركة التحررية الكوردية"، انفجرت العبوة الناسفة أثناء اللقاء، فأسفرت عن مقتل عدد من أعضاء الوفد على الفور، ثم توفي آخرون متأثرين بجراحهم، إضافة إلى مصرع اثنين من الضباط المرافقين التابعين للأجهزة الأمنية البعثية. كما استشهد اثنان من أبطال البيشمركة، وأُصيب عدد آخر بجروح متفاوتة. وتروي الشهادة ذاتها أن نجاة الملا مصطفى البارزاني جاءت في لحظة استثنائية؛ إذ دخل الخادم، واسمه شريف بن شريف، حاملا الشاي ليوزعه على الضيوف، فوقف بين البارزاني والعبوة الناسفة التي كانت مخبأة في ثياب إبراهيم الخزاعي، أحد علماء الدين الحاضرين. 

وهكذا تحوّل شريف بن شريف إلى حاجز بشري حال بين البارزاني والعبوة الناسفة؛ إذ تلقّى الانفجار بجسده واستشهد، بينما نجا البارزاني من المؤامرة، في ما وصفه الرئيس مسعود بارزاني بأنه "معجزة". وقد رآها كثيرون لحظةً ساقتها أقدار الله لتغيّر مسار الحادثة بأكملها. 

ويضيف الرئيس مسعود بارزاني أن البارزاني، رغم إصابته وهول الانفجار وما أعقبه من فوضى ودخان، خرج مخاطبا قوات البيشمركة قائلا: "لا تقتلوا أحدا منهم"، حرصا على كشف الحقيقة وعدم دفنها مع منفذي المؤامرة.

بين فلسفتين متناقضتين

إن ذكرى التاسع والعشرين من أيلول لا تقتصر على استحضار جريمة اغتيال فاشلة، بل تمثل مواجهة رمزية بين نهجين متناقضين في السياسة والتاريخ.

فمن جهة، هناك نهج الغدر والإرهاب واستباحة المقدسات وتوظيف الدين لخدمة مشاريع السلطة، وهو النهج الذي مثّله النظام البعثي.

ومن جهة أخرى، هناك نهج الإيمان بالمبدأ، والوفاء للقضية، والالتزام الأخلاقي، والولاء القومي الراسخ، وهو النهج الذي جسده البارزاني ورفاقه من البيشمركة عبر عقود طويلة من النضال.

لقد بقي البارزاني حاضرا في الذاكرة القومية بوصفه أبرز رموز النضال والكفاح الكوردي المعاصر، فيما تحولت كثير من المشاريع التي استهدفته إلى صفحات سوداء في سجل خصومه. وهكذا ظلت قلعة بارزان شامخة في الوجدان الكوردي، شاهدة على أن الإرادة المؤمنة بقضيتها قد تُحاصَر، لكنها لا تُكسَر، وقد تُستهدَف، لكنها لا تُهزَم.

وهكذا بقي ذلك المشروع الأمني الغريب حبيس التصور ولم يبلغ مرحلة التنفيذ، في حين تحولت مؤامرة جهاز التسجيل المفخخ إلى واحدة من أشهر محاولات الاغتيال في تاريخ العراق الحديث. غير أن الروايتين معا تكشفان كيف انتقل العقل الأمني البعثي، بعد أن تعذر عليه الاختراق العسكري والاستخباري، إلى توظيف الخداع النفسي واستغلال الرموز الدينية في سعيه إلى تصفية خصمه السياسي.

وربما لهذا السبب لم يبقَ من تلك المخططات سوى ما ترويه الوثائق، بينما بقي اسم البارزاني حاضرا في ذاكرة شعبه بوصفه رمزا لقضية استعصت على الاختراق، كما استعصت على الاغتيال. 

قد تنجح الأجهزة الأمنية في صناعة المؤامرات وابتكار وسائل الاغتيال، لكنها تعجز عن صناعة (أو اغتيال) الشرعية، وتعجز ـ مهما بلغت قوتها ـ عن هزيمة فكرة إذا آمنت بها الشعوب واستقرت في الوجدان.