حين انكسرت هيبة السلاح.. استذكارا لملحمتي پردێ و سحێلا: إرادة الصمود في وجه زحف القوة

حين انكسرت هيبة السلاح..   استذكارا لملحمتي پردێ و سحێلا: إرادة الصمود في وجه زحف القوة
حين انكسرت هيبة السلاح.. استذكارا لملحمتي پردێ و سحێلا: إرادة الصمود في وجه زحف القوة

ونحن نقف على أعتاب الذكرى التاسعة لملحمة پردێ، ونستحضر معها ملحمة سحێلا التي تحلّ ذكراها بعد أيام، تعود الذاكرة إلى لحظات اختُبرت فيها إرادة الصمود في مواجهة اختلال موازين القوة، وبقيت دلالاتها أبعد من حدود الميدان العسكري.

لم يكن السادس عشر من تشرين الأول 2017 نهاية الحكاية الكوردستانية، رغم ما خلّفه من جرح سياسي وميداني عميق. ففي ملحمتي پردێ وسحێلا، تجلّت إرادة الصمود، وأثبتت البيشمركة أن اختلال موازين السلاح لا يعني بالضرورة انكسار إرادة الدفاع، وأن التفوق العسكري، مهما بلغ، لا يضمن إخضاع الشعوب التي تتمسك بأرضها وحقوقها وتطلعاتها إلى تقرير مصيرها.

پردێ: ملحمة الصمود في وجه أبرامز

في پردێ، تصدّت قوات البيشمركة للتقدّم العسكري نحو أربيل، وألحقت خسائر بدبابات أمريكية الصنع من طراز "أبرامز" كانت بحوزة الجيش العراقي. وقد كشفت المواجهة أن التفوق التقني لا يحسم المعارك وحده، وأن شجاعة المقاتلين، ومعرفتهم بأرضهم، وقدرتهم على استثمار مزايا الميدان، عوامل قادرة على تغيير حسابات المواجهة وإرباك رهانات القوة المتفوقة.

مسعود بارزاني: القيادة في قلب المواجهة

لا تكتمل رواية ملحمة پردێ من دون استحضار دور الرئيس مسعود بارزاني، الذي توثّق المشاهد المصوّرة زيارته الميدانية لجبهات القتال في محور پردێ خلال تلك المرحلة الحرجة. فقد كان حضور القيادة بالقرب من خطوط المواجهة جزءا من مشهد تاريخي امتزجت فيه المسؤولية السياسية بصمود البيشمركة وتضحيات الشهداء، وتجسّدت فيه دلالة القيادة حين تقترب من الميدان في لحظات الخطر، وتتحمل مسؤوليتها إزاء شعبها وقواتها.

ولم يقتصر المشهد على المواجهة العسكرية وحدها؛ فقد كانت المرحلة اختبارا سياسيا صعبا أيضا، تداخلت فيه الضغوط الخارجية مع التحولات الميدانية، وبرزت فيه أهمية امتلاك رؤية تتجاوز حسابات اللحظة، وتدرك أن موازين القوة، مهما بدت راجحة في وقت معين، ليست قدرا نهائيا لا يتغير.

رسالة دوغلاس سليمان وردّ بارزاني: اليوم ليس كالأمس

تتجلى الحكمة السياسية في قدرة القائد على مواجهة الضغوط بالحجة والعقلانية، والتمسك بثوابت شعبه من دون أن يفقد وضوح الرؤية أو استقلال القرار. ولعل المراسلات التي أعقبت استفتاء إقليم كوردستان عام 2017 بين الرئيس مسعود بارزاني والسفير الأمريكي في بغداد، دوغلاس سليمان، تقدم مثالا دالًّا على طبيعة ذلك التحدي السياسي.

فبحسب ما يورده بارزاني في كتابه "للتاريخ"، بعث سليمان إليه في 17 تشرين الأول 2017 رسالة حازمة جاء فيها: "لقد تغيّر العالم، اليوم ليس كالأمس، وعليكم إعادة النظر في مواقفكم". وقد عكست الرسالة، في سياقها السياسي، موقفا أمريكيا ضاغطا على القيادة الكوردستانية لمراجعة موقفها في أعقاب التطورات التي شهدتها المنطقة بعد الاستفتاء.

وبعد ثلاثة أيام، في 20 تشرين الأول 2017، جاء ردّ بارزاني، وفق الرواية الواردة في كتابه، متزامنا مع ملحمة پردێ وما جسّدته من صمود البيشمركة في مواجهة التقدم العسكري. وكان الرد: "اليوم ليس كالأمس، وغدا لن يكون كما اليوم".

لم تكن هذه الكلمات مجرد مقابلة لفظية لعبارة السفير الأمريكي، بل حملت دلالة سياسية تجاوزت لحظتها؛ إذ عبّرت عن رفض التعامل مع موازين القوة القائمة باعتبارها حكما نهائيا على المستقبل، وأكدت أن ما تفرضه الظروف في مرحلة معينة لا يلغي حق الشعوب في التمسك بتطلعاتها، ولا يحسم وحده مسار قضيتها التاريخية.

فالعالم يتغير، وموازين القوة تتبدل، وما يبدو اليوم واقعا نهائيا قد تفتح تطورات الغد أمامه احتمالات جديدة. غير أن الرهان على المستقبل لا يكتمل بمجرد الثقة بالإرادة؛ بل يحتاج إلى وعي بطبيعة التحولات، وصبر استراتيجي، وحسن تقدير للمواقف، وقدرة على تحويل دروس الانتكاسة إلى خبرة سياسية واستعداد للمراحل المقبلة.

ومن هنا، اكتسب ردّ بارزاني دلالته في الذاكرة السياسية لمرحلة ما بعد الاستفتاء؛ إذ اقترن بصمود البيشمركة في پردێ، واستحضر معنى أوسع من حدود المواجهة العسكرية: أن إرادة الشعوب لا تُختزل في ميزان قوة عابر، وأن الحفاظ على الحقوق القومية يتطلب الجمع بين ثبات المبادئ وواقعية الحسابات، وبين التمسك بالهدف والقدرة على قراءة الطريق المؤدي إليه.

سحێلا: الأرض ومعنى الصمود

أما سحێلا، فتستحضر أهمية الأرض وممراتها الحيوية، وتذكّر بأن الدفاع عن كوردستان لا يقتصر على حماية المواقع وخطوط المواجهة، بل يمتد إلى صون مقومات البقاء والحقوق والإرادة السياسية. فالأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، والموقع الاستراتيجي ليس مجرد نقطة على خريطة؛ فكلاهما يرتبط بأمن الشعب وحرية قراره وقدرته على حماية مستقبله.

وإذا كانت پردێ قد ارتبطت في الذاكرة الكوردستانية بمواجهة زحف القوة العسكرية نحو أربيل، فإن استحضار سحێلا يوسّع أفق قراءة التجربة، ويعيد التذكير بأهمية الأرض في معادلات الدفاع والصمود. فالملاحم لا تُقاس بما يقع في ميدانها وحده، بل بما تتركه من دروس في الوعي والاستعداد، وبما تكشفه من صلة وثيقة بين حماية الأرض وصون الإرادة السياسية.

من ذاكرة الملحمتين إلى استحقاقات المستقبل

وبعد تسع سنوات، تبقى پردێ وسحێلا أكثر من اسمي معركتين في الذاكرة الكوردستانية؛ إنهما شاهد على أن الانتكاسات لا تكتب وحدها مصير الشعوب، وأن موازين القوة قد تتبدل، لكن الذاكرة والإرادة والتعلّم من دروس الماضي تظل ركائز أساسية لصون المستقبل.

فالشعوب التي تستخلص العبر من تجاربها لا تجعل من الألم نهاية للطريق، بل تحوّله إلى وعي أعمق بطبيعة الصراع، وإدراك أشد لحاجتها إلى الوحدة والاستعداد وحسن تقدير التحولات. ولا تكفي البطولات وحدها لصناعة المستقبل ما لم تتحول دروسها إلى وعي سياسي، وتماسك وطني، ورؤية استراتيجية قادرة على حماية المكتسبات والتعامل مع تعقيدات الواقع.

قد تتفاوت موازين القوة، وقد تفرض اللحظات العصيبة أثمانا باهظة، لكن إرادة الشعوب لا تُقاس بما تتعرض له في لحظة انكسار، بل بقدرتها على النهوض، واستيعاب دروس التجربة، وتجديد أدواتها، ومواصلة الطريق نحو الحرية والسيادة.