مظفر مزوري
صحفي في مؤسسة كوردستان24
العراق في مرحلة ما بعد التحالف: السلاح والإرهاب والعقوبات
يدخل العراق مرحلة سياسية وأمنية دقيقة مع بدء انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي، أو انتقال مهمتها من العمليات القتالية المباشرة إلى التدريب وتبادل المعلومات والدعم الاستخباري. ويأتي هذا التحول في وقت تسعى فيه حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى تثبيت سلطة الدولة وتعزيز استقلال القرار الوطني، وسط تحديات متشابكة تتعلق بحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، ومواجهة خطر تنظيم داعش، وتجنب تداعيات العقوبات الأمريكية المحتملة.
ولا يمكن النظر إلى الانسحاب الأمريكي باعتباره حدثًا عسكريًا منفصلًا عن بقية الملفات العراقية؛ فهو يرتبط مباشرة بقدرة الدولة على حماية أمنها وإدارة علاقاتها الخارجية ومنع أراضيها من التحول إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية. فالانسحاب المنظم قد يمثل خطوة مهمة نحو ترسيخ السيادة العراقية، لكنه قد يتحول إلى مصدر خطر إذا حدث من دون ترتيبات واضحة تضمن استمرار التعاون الاستخباري والعسكري، وسد أي فراغ يمكن أن تستغله الجماعات المسلحة أو خلايا داعش.
لقد ساهم التحالف الدولي خلال السنوات الماضية في دعم القوات العراقية عبر التدريب والمعلومات والاستطلاع والمساندة الجوية. ومع تراجع قدرة تنظيم داعش على السيطرة على المدن، أصبح من الطبيعي أن تتجه مهمة التحالف نحو صيغة جديدة تقوم على الشراكة الأمنية بدل الانتشار العسكري الواسع. غير أن انتهاء المهمة القتالية لا يعني انتهاء التهديدات، خصوصًا أن التنظيمات الإرهابية قادرة على تغيير أساليبها والانتقال من السيطرة الجغرافية إلى حرب العصابات والهجمات المحدودة واستغلال المناطق النائية والحدود غير المحكمة.
ومن هنا، تواجه حكومة علي الزيدي مسؤولية مزدوجة؛ فهي مطالبة من جهة بتأكيد سيادة العراق ورفض أي وجود عسكري غير منظم، ومطالبة من جهة أخرى بالحفاظ على التعاون الدولي الذي تحتاج إليه القوات العراقية في مجالات مكافحة الإرهاب وحماية الحدود وتبادل المعلومات. ويحتاج تحقيق هذا التوازن إلى اتفاقات واضحة ومعلنة تحدد طبيعة الوجود الأجنبي، ومدته، ومهامه، وآليات الرقابة عليه، بحيث لا يبدو العراق تابعًا للخارج، ولا يبدو في الوقت نفسه معزولًا عن الدعم الدولي.
لكن التحدي الأكثر حساسية أمام الحكومة يبقى مسألة حصر السلاح بيد الدولة. فوجود أسلحة خارج سيطرة المؤسسات الرسمية يعني عمليًا وجود مراكز قرار متعددة، ويضعف قدرة الحكومة على فرض القانون واتخاذ موقف موحد من القضايا الأمنية والخارجية. كما أن تعدد الجماعات المسلحة قد يجعل العراق عرضة للتصعيد كلما اندلع خلاف بين الولايات المتحدة وإيران أو بين أي قوى إقليمية أخرى.
وتزداد صعوبة هذا الملف بسبب التداخل بين النشاط السياسي والعمل المسلح. فبعض الفصائل تمتلك حضورًا سياسيًا وشعبيًا إلى جانب قدراتها العسكرية، الأمر الذي يجعل أي محاولة لتنظيم السلاح أو دمج المقاتلين في المؤسسات الرسمية قضية شديدة الحساسية. كما أن بعض هذه الجماعات يبرر احتفاظه بالسلاح بضرورات المقاومة أو مواجهة التهديدات الخارجية، في حين تؤكد الحكومة أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة وحدها.
ولذلك فإن نجاح حكومة علي الزيدي في هذا الملف لن يتحقق عبر القرارات المفاجئة أو المواجهة المفتوحة، بل من خلال خطة تدريجية تجمع بين الحوار السياسي والتطبيق الحازم للقانون. وينبغي أن تشمل الخطة تنظيم حيازة السلاح، ومنع استخدامه خارج الأوامر الرسمية، ودمج العناصر المؤهلة في المؤسسات الأمنية وفق معايير مهنية، وإخضاع جميع التشكيلات المسلحة لقيادة الدولة وميزانيتها وقوانينها. كما يتطلب ذلك ضمانات سياسية وقانونية تطمئن الفصائل إلى أن انتقالها إلى العمل المؤسسي لا يعني استهدافها، بل إعادة تعريف دورها ضمن دولة واحدة.
غير أن حصر السلاح بيد الدولة لا يتعلق فقط بعلاقة الحكومة بالفصائل المسلحة، بل يرتبط أيضًا بقدرة الدولة على توفير الأمن والخدمات والعدالة. فالمواطن الذي يشعر بغياب المؤسسات أو عجزها قد يلجأ إلى قوى غير رسمية بحثًا عن الحماية أو النفوذ. ولهذا فإن بناء الدولة يتطلب إصلاح الأجهزة الأمنية والقضائية، ومحاربة الفساد، وتحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، لأن الشرعية لا تُفرض بالقوة وحدها، بل تُبنى أيضًا عبر ثقة المواطنين.
وفي ظل هذه التعقيدات، يظل تنظيم داعش خطرًا قائمًا، حتى وإن لم يعد قادرًا على السيطرة على مساحات واسعة كما حدث في السابق. فالتنظيم يستطيع استغلال الفراغات الأمنية والانقسامات السياسية والمناطق المهمشة لتنفيذ هجمات خاطفة أو اغتيالات أو عمليات ابتزاز وتهريب. كما يمكنه استثمار الخطاب الطائفي والبطالة وضعف الخدمات في تجنيد عناصر جديدة أو إعادة بناء شبكاته السرية.
إن مواجهة داعش تتطلب تنسيقًا مستمرًا بين القوات العراقية، وتطوير قدرات الرصد والمعلومات، وتأمين الحدود، وملاحقة مصادر التمويل، ومنع عودة التنظيم إلى المناطق التي فقد السيطرة عليها. لكن المعالجة الأمنية، مهما كانت ضرورية، لن تكون كافية وحدها. فالقضاء على خطر داعش يحتاج كذلك إلى إعادة إعمار المناطق المتضررة، وإعادة النازحين، وتحقيق العدالة، ومنع التمييز، وإطلاق برامج تعليمية واجتماعية تعالج جذور التطرف وتمنع استغلال المظالم المحلية.
وفي الوقت الذي تحاول فيه الحكومة ضبط السلاح ومواجهة الإرهاب، تبرز مخاطر العقوبات الأمريكية بوصفها عامل ضغط إضافيًا. فقد تفرض واشنطن عقوبات على أفراد أو جماعات تتهمهم بتهديد قواتها أو دعم الإرهاب أو تنفيذ هجمات خارج إطار الدولة. وقد تشمل العقوبات تجميد الأصول وتقييد التعاملات المالية ومنع الوصول إلى النظام المصرفي الدولي، وهي إجراءات يمكن أن تؤثر في الاقتصاد العراقي حتى إذا استهدفت جهات محددة فقط.
وتكمن الخطورة في أن ارتباط مؤسسات أو مصارف أو شركات عراقية بجماعات خاضعة للعقوبات قد يؤدي إلى تشديد الرقابة على القطاع المالي، وصعوبة التحويلات التجارية، وتراجع ثقة المستثمرين، وارتفاع تكاليف الاستيراد والتأمين والشحن. كما قد تنعكس هذه الإجراءات على سعر الصرف والاحتياطي النقدي وقدرة الدولة على تمويل الخدمات والمشروعات، خصوصًا أن الاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط وعلى النظام المالي العالمي.
ومن ثم، فإن عدم تسليم الفصائل سلاحها للدولة أو استمرار استخدامها القوة بصورة مستقلة قد لا يبقى شأنًا أمنيًا داخليًا، بل قد يتحول إلى قضية اقتصادية وسيادية تهدد مصالح العراق. فكل هجوم ينطلق من الأراضي العراقية ضد مصالح أمريكية أو دولية قد يعرض بغداد لضغوط سياسية ومالية، ويضع الحكومة أمام مسؤولية إثبات قدرتها على السيطرة على أراضيها ومؤسساتها.
ومع ذلك، فإن التعامل مع التهديد بالعقوبات لا ينبغي أن يتحول إلى خضوع كامل للإملاءات الخارجية. فالمطلوب هو حماية المصلحة الوطنية عبر بناء نظام قانوني ومالي شفاف، وفصل مؤسسات الدولة عن أي نشاط مسلح غير رسمي، ومنع استخدام المصارف الحكومية أو الخاصة في تمويل جماعات خاضعة للعقوبات، مع الحفاظ على حق العراق في إقامة علاقات متوازنة مع جميع الأطراف.
إن السيادة العراقية لا تعني قطع العلاقات مع الولايات المتحدة أو دول التحالف، كما لا تعني السماح بوجود قوات أجنبية من دون اتفاق واضح. السيادة الحقيقية تعني أن تكون الحكومة العراقية، ممثلة برئيس الوزراء علي الزيدي ومؤسسات الدولة، صاحبة القرار النهائي في الأمن والسياسة الخارجية، وأن يكون التعاون الدولي قائمًا على اتفاقات رسمية تحترم القانون العراقي وتخدم مصالح البلاد.
ويحتاج العراق في هذه المرحلة إلى تفاهم سياسي واسع يضع مصلحة الدولة فوق مصالح القوى والفصائل. كما يحتاج إلى استراتيجية أمنية واقتصادية متكاملة تقوم على تطوير الجيش وقوات الأمن، وتعزيز استقلال القضاء، وضبط الحدود، ومكافحة الفساد، وحماية النظام المصرفي، وتوفير فرص اقتصادية تقلل من قابلية الشباب للانضمام إلى الجماعات المتطرفة أو المسلحة.
وفي المحصلة، يقف العراق أمام اختبار تاريخي: فإما أن يتحول الانسحاب الأمريكي وقوات التحالف إلى فرصة لبناء دولة أكثر استقلالًا وقدرة على إدارة أمنها، وإما أن يؤدي غياب التوافق الداخلي إلى فراغ تستغله الجماعات المسلحة وتنظيم داعش والقوى الخارجية. وتبقى مهمة حكومة علي الزيدي في حصر السلاح بيد الدولة حجر الأساس في هذا التحول، لأن الدولة التي لا تملك قرارها الأمني لا تستطيع حماية اقتصادها، ولا ضمان علاقاتها الخارجية، ولا مواجهة الإرهاب بصورة مستدامة.
إن بناء عراق مستقر لا يتحقق بالاعتماد على القوة وحدها، ولا برفض التعاون الدولي، بل بإقامة دولة قانون تمتلك مؤسسات مهنية وقرارًا وطنيًا موحدًا. وعندما يصبح السلاح تحت سلطة الدولة، ويُحاصر الإرهاب، وتُحمى المؤسسات المالية من التسييس، يستطيع العراق أن يتعامل مع الانسحاب الأجنبي من موقع الندية، وأن يحول التحديات الراهنة إلى فرصة لإعادة بناء الدولة وترسيخ سيادتها.